التهمت مدفوعات فوائد الدين نحو 96% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للدولة خلال شهري يوليو وأغسطس، في مشهد يعكس الانهيار المالي المتسارع نتيجة سياسات الاقتراض غير المنضبط التي انتهجتها السلطة على مدار عقد كامل.
وبينت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية استقرار فاتورة الفوائد عند مستوى قياسي مسجلة 512.2 مليار جنيه، لتبتلع الخزانة وتفرغ الموازنة عملياً من أي بنود مخصصة للتنمية الحقيقية أو دعم الخدمات الأساسية للمواطنين.
ارتهان الموازنة العامة لخدمة الديون
إذ شهدت تلك المدفوعات قفزة حادة مقارنة بمبلغ 478.8 مليار جنيه المسجل في الفترة ذاتها من العام المالي السابق، ما يؤكد الدخول في دوامة مغلقة من الاقتراض المستمر لسداد أعباء القروض القديمة.
وفي هذا السياق، يشير أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة الدكتور حسن الصادي إلى أن ابتلاع الفوائد لتلك النسبة شبه الكاملة من الإيرادات يضع المالية العامة أمام عجز هيكلي يستحيل تصحيحه بالمسكنات التقليدية.
علاوة على ذلك، يوضح الصادي أن تخصيص معظم التدفقات المالية لخدمة الديون يقيد قدرة الدولة على تشغيل المصانع المعطلة، ويحول الموازنة إلى أداة محاسبية لتمرير الأموال من جيوب المواطنين للمقرضين الدوليين والمحليين.
وبناءً على ذلك، تعيش البلاد وضعاً مالياً خانقاً يجعل الخزانة عاجزة تماماً عن توفير مخصصات حقيقية للمستشفيات والمدارس، حيث تتحول خطط التنمية الاقتصادية المزعومة إلى مجرد شعارات لتغطية التدهور الشامل للعملة والإنتاج.
من جهة ثانية، تآكلت فاعلية الإنفاق العام بصورة غير مسبوقة بعدما أصبحت الأرقام الفلكية المرصودة في بنود الموازنة موجهة قسراً لصناديق الإقراض، الأمر الذي يكرس حالة الركود ويفاقم الأزمات المعيشية للأغلبية الساحقة.
بالتوازي مع ذلك، يتجاهل الفريق الحكومي خطورة هذا المسار الانحداري، ويواصل إصدار السندات وأذون الخزانة بفوائد باهظة لترقيع العجز المتفاقم، ما يرفع تكلفة خدمة الدين شهراً بعد شهر على حساب الاحتياجات الحيوية.
استنزاف المواطنين بسياسات الجباية الضريبية
في المقابل، صعد إجمالي الإيرادات العامة للدولة إلى نحو 533.2 مليار جنيه خلال شهري يوليو وأغسطس بمعدل نمو بلغ 34.1%، مقارنة بمبلغ 397.8 مليار جنيه للفترة المماثلة من العام السابق.
غير أن هذا الارتفاع الاسمي للإيرادات لم ينبع من نمو في قطاعات الصناعة والزراعة، وإنما تم حصاده عبر تكثيف الجباية الضريبية التي بلغت 436.8 مليار جنيه بنسبة ارتفاع بلغت 23.8% مقابل 352.9 مليار جنيه.
إلى جانب ذلك، قفزت حصيلة ضرائب الدخل بنسبة 49.4% لتسجل 130.1 مليار جنيه مقارنة بنحو 87.1 مليار جنيه، بينما زادت حصيلة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 22.1% لتبلغ 179.3 مليار جنيه مقابل 146.9 مليار جنيه.
وهنا يرى أستاذ التمويل الدولي الدكتور مصطفى شاهين أن تضخيم الأعباء الضريبية على السلع والدخول يمثل استنزافاً مباشراً للقدرة الشرائية للمستهلكين، ويدمر النشاط الاستثماري في بيئة تشهد انكماشاً مستمراً وموجات غلاء متلاحقة.
ويؤكد شاهين أن تحصيل مئات المليارات عبر الرسوم والضرائب غير المباشرة يفاقم التضخم، إذ تدفع الطبقات الوسطى والفقيرة فاتورة تغطية الفوائد المصرفية من قوت يومها دون أن يقابل ذلك أي تحسن خدمي.
وبالتالي، تتضح فداحة النهج المالي المتبع بتحويل الدولة إلى ماكينة تحصيل مالي تقتات على معيشة المواطنين، بهدف وحيد يتمثل في تأمين سيولة نقدية لدفع مستحقات الدائنين وتفادي التعثر الشكلي عن السداد.
مأزق الديون الخارجية يهدد الموازنة
وعلى صعيد الالتزامات الخارجية، قفز إجمالي الدين الخارجي للبلاد إلى نحو 166.45 مليار دولار، ما يضع الاقتصاد بأكمله رهينة للمؤسسات المقرضة وأسواق السندات الدولية التي تفرض شروطاً قاسية على الاستقرار النقدي.
وبموجب هذه الالتزامات المتراكمة، باتت الدولة مطالبة بسداد 60.93 مليار دولار في الفترة الممتدة بين شهري يوليو 2026 ويونيو 2027، موزعة بين 53.83 مليار دولار لأقساط الديون ونحو 7.1 مليار دولار للفوائد.
وفي هذا الإطار، يشدد الخبير الاقتصادي والمحاضر في المالية العامة الدكتور وائل النحاس على أن هذا الحجم من الأقساط يمثل نزيفاً دولارياً هائلاً يفوق الطاقة التصديرية وعوائد النقد الأجنبي الشحيحة في البلاد.
ويضيف النحاس أن تزامن خدمة الدين الخارجي مع استنزاف الدين المحلي يهدد بإفلاس مالي غير معلن، خاصة مع افتقار السياسات الحالية لأي خطة إنتاجية حقيقية تولد موارد مستدامة للخروج من هذا المستنقع المالي.
تأسيساً على ذلك، تبدأ الحكومة إعداد موازنتها الشكلية بين شهري يناير ومارس لتمريرها إلى البرلمان في مايو، قبل رفعها إلى قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لاعتمادها وتنفيذها رسمياً مطلع شهر يوليو.
وختاماً، يعكس هذا المسار التشريعي مأساة إعادة تدوير الأرقام المفرغة دون مراجعة حقيقية، لتظل الموازنة العامة وثيقة إذعان مالي تدير الفقر وتكرس التبعية للخارج على حساب تدمير مقدرات الشعب ومستقبل أجياله.

