أبرمت حكومة الإنقلاب في مصر اتفاق المرحلة الثانية من برنامج تمويل سياسات التنمية مع مجموعة البنك الدولي بقيمة مليار دولار، ما أضاف حلقة جديدة لسلسلة الاقتراض الخارجي المستمرة لدعم الموازنة العامة.
​
​
وعلاوة على ذلك، فاقمت هذه التمويلات المتلاحقة الضغوط المالية على الدولة، في ظل عجز الخزينة العامة عن استيعاب التزامات إضافية، وتصاعد أعباء خدمة الدين إلى مستويات غير مسبوقة.
​
​
تفاقم فجوة التمويل وتراكم الالتزامات الخارجية
​
​
وفي هذا الصدد، لجأت السلطات المالية مجددًا إلى مؤسسات الإقراض الدولية لتوفير سيولة عاجلة، بدعوى تنفيذ إصلاحات هيكلية ومساندة الموازنة التي تعاني من عجز مزمن في الموارد الذاتية.
​
​
ومن ناحية أخرى، اعتمدت السياسات الاقتصادية خلال السنوات الـ 5 الماضية على حزم تمويلية متتالية من صندوق النقد والبنك الدولي، وهو مسار يرسخ التبعية المالية للمقرضين الدوليين دون معالجة جذور الأزمة.
​
​
وبناءً على ذلك، أكد المفكر الاقتصادي شريف دلاور ضرورة تغيير النهج الاقتصادي القائم على الاقتراض المتكرر، معتبرًا أن الحل المستدام يكمن في تأسيس قاعدة إنتاجية وصناعية قوية بدلًا من المسكنات المؤقتة.
​
​
إضافة إلى ذلك، أثبتت التجارب المالية أن الاكتفاء بالحلول التمويلية قصيرة الأجل يرحل الأزمات إلى المستقبل، ويحمل الأجيال القادمة فواتير باهظة لسداد أصل القروض وفوائدها المتراكمة بالدولار.
​
​
وبالمثل، تسببت سياسات التوسع في الاستدانة خلال حكم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في رهن القرار الاقتصادي لشروط الدائنين، ما فرض إجراءات تقشفية قاسية أضعفت القوة الشرائية للمواطنين.
​
​
وفضلاً عن ذلك، تذهب الحصة الكبرى من هذه التدفقات النقدية إلى سد الفجوات التمويلية الآنية، دون أن تنعكس على تحسن ملموس في مؤشرات النمو الحقيقي أو مستويات المعيشة اليومية.
​
​
استنزاف الموازنة العامة وتراجع الإنفاق الاجتماعي
​
​
وفي السياق ذاته، تلتهم أقساط وفوائد الديون النصيب الأكبر من الإيرادات العامة للدولة، الأمر الذي يضع المالية العامة في دائرة مغلقة من الاقتراض الجديد لسداد الالتزامات القديمة المستحقة.
​
​
ومن جهته، أوضح أستاذ الاقتصاد فخري الفقي أن الاقتراض يظل أداة طبيعية فقط إذا وُجه لمشروعات إنتاجية تدر عائدًا يفوق تكلفته، محذرًا من ضغوط خدمة الدين التي تقيد الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
​
​
ونتيجة لذلك، تراجعت قدرة الدولة على تمويل قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، حيث تستحوذ مخصصات سداد الديون على النسبة العظمى من مصروفات الموازنة العامة على حساب الخدمات الأساسية.
​
​
علاوة على ما سبق، يؤدي توجيه القروض نحو سد العجز الجاري بدلًا من الأنشطة الإنتاجية المولدة للعملة الصعبة إلى إضعاف قدرة الاقتصاد الوطني على توليد عوائد كافية للوفاء بالتزاماته المستقبلية.
​
​
وفي المقابل، تستمر الحكومة في تبرير الاقتراض باعتباره شهادة ثقة دولية في برنامجها الاقتصادي، متجاهلة التحذيرات المتصاعدة من مخاطر التوسع في الديون الخارجية ذات التكلفة المرتفعة في الأسواق العالمية.
​
​
ولهذا السبب، أصبحت إدارة ملف الدين العام التحدي الأخطر أمام صانعي السياسات المالية، خاصة مع تزايد الأعباء الدولارية المطلوب سدادها خلال الأشهر المقبلة من العام المالي الحالي.
​
​
غياب الرؤية الإنتاجية ورهن مستقبل الأجيال
​
​
ومن زاوية أخرى، يكشف استمرار الاعتماد على التمويلات الخارجية عن غياب بدائل حقيقية لتوفير النقد الأجنبي، نتيجة تراجع مساهمة قطاعات الصناعة التحويلية والزراعة في الناتج المحلي الإجمالي.
​
​
وفي هذا الإطار، شدد الخبير الاقتصادي هاني توفيق على حتمية وضع سقف قانوني للاستدانة الخارجية، وتوجيه الموارد نحو المشروعات التصديرية التي توفر تدفقات دولارية مستدامة تغني عن القروض الجديدة.
​
​
كما أن معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري تتطلب تحفيز الاستثمار المباشر وإزالة المعوقات البيروقراطية أمام القطاع الخاص، بدلًا من الارتكان إلى القروض التي تزيد من هشاشة المركز المالي للدولة.
​
​
وبالتزامن مع ذلك، تواجه الخزينة العامة ضغوطًا متزايدة لتوفير العملة الأجنبية اللازمة للاستيراد وسداد الأقساط، ما يجعل أي صدمة خارجية تهديدًا مباشرًا للاستقرار المالي والنقدي في البلاد.
​
​
وعليه، يظل التوازن المفقود بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل هو المعضلة الأساسية، في ظل سياسات تفضل الحلول السريعة عبر الاقتراض على حساب التنمية الشاملة طويلة الأجل.
​
​
وختامًا، فإن استمرار هذا النهج المالي دون مراجعة جذرية لأولويات الإنفاق والاستثمار سيحول القروض المتراكمة إلى عبء ثقيل يصادر فرص النمو المستقبلي ويقيد خيارات الأجيال القادمة.