أبرزت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في تقرير نشرته يوم 27 أكتوبر 2026 التطورات المتسارعة لحرية الصحافة بمصر، مسلطة الضوء على تصاعد الملاحقات القضائية والأمنية بحق الأصوات المستقلة في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
وفي هذا السياق، شددت الصحيفة الدولية على أن الأزمة الراهنة تعكس مساعي السلطات للحد من التغطيات الميدانية والتحقيقات الاستقصائية، الأمر الذي أثار مخاوف عميقة لدى المنظمات المعنية بحقوق الإنسان بشأن مستقبل العمل الصحفي.
إجراءات قضائية مشددة ضد مدى مصر
وانطلاقاً من تلك المعطيات، أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة حكماً بإدانة رئيسة التحرير لينا عطا الله بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، وقضت بتغريمها 3 ملايين جنيه مع مصادرة كافة المعدات التقنية التابعة للمؤسسة.
وعلى إثر هذا القرار، جرى إخلاء سبيل عطا الله لاحقاً بعد استكمال تدابير سداد الغرامة المالية الباهظة، في حين سارع الفريق القانوني إلى إعلان عزمه التقدم بطعن رسمي لإلغاء هذا الحكم الجائر.
وفي مسار المحاكمة، أبدى فريق الدفاع اعتراضات جوهرية مؤكداً أن هيئة المحكمة تجاهلت طلبات المحامين المشروعة لتقديم وثائق ومستندات رسمية تبرئ المتهمة، ورفضت الاستماع إلى إفادات شهود الإثبات والنفي لدعم مسار العدالة.
وبناءً على رواية المؤسسة، أوضحت إدارة المنصة أنها سعت مبكراً للحصول على ترخيص رسمي منذ عام 2018، بيد أن الجهات الإدارية واصلت المماطلة وتجاهلت أيضاً طلبها الأخير المقدم خلال عام 2023 دون بت رسمي.
وبالتوازي مع تلك التعقيدات، باتت المنصة المستقلة تواجه شبح التوقف التام عن العمل الصحفي ومصادرة أجهزتها ومقرها، عقب سنوات من تعرض موقعها للحجب الإلكتروني والتضييق الأمني المستمر على طواقمها الميدانية داخل العاصمة المصرية.
وعلاوة على ما سبق، تترقب الأوساط الحقوقية جلسة يوم 11 نوفمبر للنظر في معارضة الحكم الغيابي الصادر بحبس لينا عطا الله لمدة عام بقضية منفصلة، مما يضع مستقبلها المهني والشخصي تحت تهديد احتجاز وشيك.
استمرار حبس صحفيي منصة متصدقش
وفي سياق القمع المتواصل، واصلت نيابة أمن الدولة العليا إجراءاتها العقابية بحق طاقم منصة متصدقش المتخصصة بالتحقق من الأخبار، وقررت تجديد حبس 6 صحفيين احتياطياً لمدة 15 يوماً إضافية على ذمة قضايا سياسية.
واستناداً إلى ملف التحقيقات، وجّهت السلطات القضائية إلى العاملين المحتجزين حزمة اتهامات جاهزة تتضمن الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة، وهي ذرائع تتكرر دوماً في استهداف الصحفيين والمؤسسات الاستقصائية المستقلة.
ومما زاد من قتامة المشهد، أثارت المنصة ومحاموها شهادات مروعة حول تعرض المعتقلين لانتهاكات بدنية وسوء معاملة قاسية بمقار الاحتجاز، في حين سارعت وزارة الداخلية المصرية إلى إصدار بيانات تنفي فيها تلك الادعاءات جملة وتفصيلاً.
ومن جهتهم، أكد مراقبون حقوقيون أن استهداف المنصة يهدف لتقويض جهود التدقيق وتفنيد الروايات الرسمية، خصوصاً بعد نشرها تقارير بينت مغالطات حول قضايا حساسة، مما جعلها هدفاً مباشراً للأجهزة الأمنية لتعطيل التوثيق وتكميم الأصوات المهنية.
وفي الإطار عينه، عمدت صحيفة فايننشال تايمز إلى الربط الوثيق بين واقعتي الاستهداف القضائي لمدى مصر والأمني لمنصة متصدقش، مؤكدة أنهما تبرزان استراتيجية ممنهجة لتصفية ما تبقى من هوامش العمل الصحفي النزيه بمصر.
ردود فعل دولية وانتقادات حقوقية واسعة
وتفاعلاً مع هذا التدهور، دخل الاتحاد الأوروبي يوم 29 أكتوبر على خط الأزمة مطالباً السلطات المصرية بالحفاظ الفوري على وسائل الإعلام المستقلة وحمايتها، ومشدداً على أن حرية التعبير ركيزة لا غنى عنها في شراكتهما.
وجاء هذا الموقف الأوروبي الحازم في توقيت حساس تشهد فيه العلاقات الثنائية بين القاهرة وبروكسل تعاوناً واسع النطاق بملفات اقتصادية وسياسية شائكة، ليؤكد ضرورة احترام سيادة القانون ومبادئ التعددية الصحفية وحقوق الإنسان الأساسية.
من جانبها، سارعت منظمة العفو الدولية إلى التنديد الشديد بقرار إغلاق موقع مدى مصر وملاحقة رئيسة تحريره، واصفة الإجراءات القضائية الأخيرة بأنها ضربة قاصمة وجهت لما تبقى من مساحات العمل الإعلامي الحر والمستقل.
وبالمثل، عبّرت منظمة هيومن رايتس ووتش عن بالغ قلقها حيال اتساع دائرة الترهيب بحق العاملين في الحقل الإعلامي، مشيرة إلى أن استغلال القوانين لفرض قيود تعسفية يعرقل جوهرياً قدرة الصحفيين على إنجاز مهامهم الميدانية.
وفي المقابل، تحاول السلطات الرسمية تبرير تحركاتها بالادعاء أن محاكمة مدى مصر استندت لبنود تنظيم الصحافة والإعلام بشأن التراخيص، معتبرة أن التحقيقات المستمرة مع صحفيي متصدقش تمثل إجراءات جنائية بحتة تخص جهات التحقيق المختصة.
وختاماً، تعيد هاتان القضيتان إشعال الجدل الدولي حول التحديات الوجودية التي تواجه الكلمة الحرة في مصر، في ظل بيئة تشريعية وأمنية خانقة تدفع الصحافة المستقلة نحو المجهول وسط ترقب لمسار المعارضة القانونية المقبلة.

