حلمي الأسمر
كاتب وصحافي أردني
ليس سهلًا على إنسان أن يبيع بيته، فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا وعنوانًا في سجل العقارات؛ إنه ذاكرة شخصية، وتفاصيل عمر، وأشياء صغيرة لا يعرف قيمتها إلا أصحابها. وحين يبيع الإنسان بيته، ويغلق الباب وراءه، ثم يعلن أنه لن يعود إلى المكان الذي كان يعدّه جزءًا من حياته، فإننا لا نكون أمام صفقة عقارية عابرة، بل أمام لحظة إنسانية تختزن معنى أعمق من الكلمات.
هذا ما فعله رون لاودر؛ الرجل الذي أمضى سنوات طويلة مرتبطًا بالكيان الصهيوني، أعلن أنه باع أو تبرع بممتلكاته كلها فيها، وأنه يشعر بمشاعر متضاربة تجاه بيع شقته في تل أبيب، قبل أن يقول عبارته الحاسمة: "ليست لدي أي نية للعودة إلى إسرائيل إطلاقًا". كان يقضي فيها أسابيع كل عام، لكنه قرر أن يقطع ما تبقى من روابطه العقارية بها. وهذه مفارقة تستحق التوقف: رجل لا يزال يعلن أنه صهيوني، وأنه يحب إسرائيل ويريد لها النجاح، لكنه لم يعد يريد أن يكون فيها، ولو زائرًا.
ما ورد جاء في المقابلة الطويلة والمهمة التي نشرتها هآرتس في 22 أكتوبر 2026. وتناولت، علاقة لاودر القديمة بنتنياهو، وانهيار تلك العلاقة، والمفاوضات السرية مع سوريا، ومخاوفه من مستقبل إسرائيل وعلاقاتها بالولايات المتحدة والجاليات اليهودية في الخارج.
ولأن أهمية الموقف تتصل بمكانة صاحبه، لا بد من السؤال: من هو رون لاودر؟ إنه ليس من مؤسسي إسرائيل التاريخيين، لكنه واحد من أبرز وجوه النخبة الصهيونية الأمريكية. فهو دبلوماسي سابق عيّنه رونالد ريغان سفيرًا للولايات المتحدة في النمسا، ورجل أعمال وفاعل في المؤسسات اليهودية الدولية، ويرأس المؤتمر اليهودي العالمي منذ عام 2007، كما تولى رئاسة الصندوق القومي اليهودي. وهو وريث إمبراطورية "إستي لودر للتجميل" وأحد أهم رعاة المشروع الصهيوني، أي أنه ليس مراقبًا من خارج المشهد، بل شخصية نافذة في شبكة العلاقات السياسية والمؤسساتية التي دافعت عن إسرائيل وعملت على تعزيز مكانتها في العالم.
الأكثر دلالة أن لاودر لم يكن يومًا خصمًا لنتنياهو؛ كان من المقربين إليه، وساهم في فتح قنوات سياسية له، بل حمل في التسعينيات ملف اتصالات سرية مع الرئيس السوري حافظ الأسد بحثًا عن تسوية بشأن الجولان. لكنه يقول اليوم إن نتنياهو تراجع عن المضي في الاتفاق، وإنه اختار حساباته السياسية على حساب فرصة للسلام. ومنذ ذلك الوقت، كما يروي لاودر، لم تعد علاقتهما كما كانت. هنا لا نتحدث عن خصومة تقليدية بين زعيم ومعارض، بل عن قطيعة بين رجل كان من داخل دائرة الثقة، ورئيس وزراء بات يُرى أن سلوكه أضر بإسرائيل ومستقبلها.
ويذهب لاودر أبعد من نقد نتنياهو؛ فهو يحذر من تراجع الدعم لإسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة وداخل أوساط يهود الشتات، ويتحدث عن خسارة الحزب الديمقراطي الأمريكي، وعن تآكل التأييد داخل الحزب الجمهوري أيضًا. قد لا يكون كلامه ممثلًا لكل يهود العالم، لكنه يصدر عن رئيس مؤسسة دولية واسعة العلاقات، يعرف من موقعه طبيعة التحولات في هذه البيئات. وحين يقول رجل من هذا الموقع إن إسرائيل تخسر حلفاءها، فإن كلامه يستحق أن يُقرأ بوصفه إنذارًا من داخل إحدى دوائر الدعم التقليدية لها.
وتأتي الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة لتضيف إلى هذه الصورة مؤشرًا سياسيًا واضحًا: كتلة نتنياهو حصلت على 53 مقعدًا، والمعارضة على 48، فيما حصدت القوائم العربية 19 مقعدًا، من دون أن يمتلك أي معسكر بمفرده أغلبية الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة. لقد تراجعت كتلة نتنياهو من 68 مقعدًا في الكنيست السابق إلى 53، وباتت الحسابات الحكومية رهينة مفاوضات تكشف عمق الانقسام، كما تكشف المأزق الذي يواجه قوى ترفض التعاون مع الأحزاب العربية، لكنها تحتاج إلى أصواتها لتغيير موازين الحكم. الأسوأ أن نتنياهو ومعسكره يحاولان نزع الشرعية عن 20 في المئة من أصحاب حق الاقتراع في الكيان، وهم العرب، حيث يشن حملة مسعورة لإبعادهم عن دائرة التأثير، سواء في السلطة التشريعية (الكنيست) أو في تشكيل الحكومة، مدفوعا بحسابات شخصية ورعب على مستقبله السياسي والشخصي، دون أي نظر لمستقبل كيانه!
هكذا تتجمع أمامنا صورتان متكاملتان: رجل من قلب النخبة المؤيدة لإسرائيل يبيع بيته ويعلن أنه لن يعود، ومجتمع منقسم لا تستطيع انتخاباته أن تنتج أغلبية مستقرة، و"زعيم" يحارب من أجل حماية شخصه.لا تكفي أي من الصورتين وحدها للحديث عن انهيار وشيك، لكن اجتماعهما يكشف أزمة ثقة تتجاوز شخص نتنياهو وحكومته، وتمتد إلى سؤال أعمق عن طبيعة الكيان ومستقبله.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن فلسطين، فالاحتلال ليس ملفًا خارجيًا يمكن إبعاده عن صورة إسرائيل في العالم، ولا الحرب على الفلسطينيين تفصيل يمكن تجاوزه في حسابات الشرعية والعلاقات الدولية. إن إصرار المشروع الصهيوني على الجمع بين السيطرة على شعب آخر، والحفاظ في الوقت نفسه على صورة الدولة الديمقراطية التي تحظى بتأييد العالم، يضعه أمام تناقض يتسع عامًا بعد عام. وغزة، بما كشفته من حقائق القوة والدم والدمار، جعلت هذا التناقض مرئيًا أمام مجتمعات لم تعد تقبل الرواية القديمة بلا مساءلة.
قد لا يكون رحيل لاودر من إسرائيل هجرة بالمعنى التقليدي، وقد لا يمثل بداية موجة جماعية شاملة، لكنه يحمل دلالة تتجاوز صاحبه: حين يعلن رجل لا يزال صهيونيًا أنه لا يريد العودة إلى المكان الذي يقول إنه يحبه، فإن السؤال لا يتعلق سبب بيعه بيته فحسب، بل عن الذي جرى لذلك "الوطن!" حتى صار البيت فيه، بالنسبة إلى واحد من أبرز داعميه، مكانًا يفضّل أن يبقى بعيدًا عنه!
وبحسب ما عثرت عليه حتى الآن، لا يظهر أن رون لاودر أصدر تعليقًا مباشرًا معلنًا على نتائج الانتخابات، لكنه في المقابلة المنشورة قبل إجراء الانتخابات، حذّر من إعادة انتخاب نتنياهو، وقال إن إسرائيل ستخسر كثيرًا إذا عاد إلى الحكم، وأعلن أنه لو اضطر للاختيار فسيؤيد غادي آيزنكوت. والأهم أن التغطية الصحفية التي أعقبت الانتخابات، أعادت نشر تحذيراته السابقة، لكنها لم تنقل عنه موقفًا جديدًا من النتيجة أو من مأزق تشكيل الحكومة.
أخطر ما في الحكاية لا يتمثل في أن رون لاودر باع بيته؛ بل في أن "البيت" الذي ظل يدافع عنه طوال عقود لم يعد قادرًا على إقناعه بالعودة إليه!

