نور الدين العلوي
أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية
نكتب صباح انتصار لولا دا سيلفا في البرازيل، لقد استشعرنا سعادة غامرة وشعورا بالظفر لدى كل الكتاب المناصرين للربيع العربي في كامل الرقعة العربية وتبادلنا التهاني كأننا برازيليون صوتوا للسيد لولا. اكتفى البعض بإغاظة العدو المناصر لمنافس سيلفا والذي خرج خاسرا بالطبع، لكننا رأينا أبعد من انتصار في معركة سياسية مباشرة بين اليمين العالمي وبين اليسار العالمي ممثلا في الرئيس البرازيلي، لقد رأينا انتصار الصندوق الانتخابي ورأينا الأمل الذي يخلقه في نفوس الناس ويدفعهم إلى التنافس السلمي لا إلى التقاتل. لقد كنا في نشرة أخبار واحدة نتابع حال البرازيل وشعبها المليوني وأخبار اليمن والسودان، ويمكننا الحديث عن فرق جوهري بين التغيير بالصندوق وبين التغيير بالسلاح، ولنقل بلا مواربة التخريب المفضي إلى المزيد من الخراب والدمار الجغرافي والتاريخي. عن الصندوق والأمال التي يأتي بها سنحاول الحلم أو التعزي.
الصندوق لا يأتي بالجنة ولكنه يستبعد جهنم
لا نرى الرئيس البرازيلي يحول البرازيل إلى جنة وارفة كما في الأفلام الرومانسية، لكننا نراه قد جنب بلاده الاحتراب الأهلي، في بلد متنوع ومتشابك بين مكونات متنافرة ثقافيا وإثنيا. الانتخابات سمحت لمكونات مختلفة بالتعبير والتنافس، والنتيجة تفضي بالقوة إلى تعايش داخلي ونظنها تسمح بتجنب تدخل خارجي سافر في تدبير بلاد بحجم البرازيل، وهذه ضمانة وفرها الصندوق الانتخابي.
نعرِّف ولكن نذكّر بالبديهية المهمة: يوفر الصندوق الانتخابي تقديرا للناس ولآرائهم ومواقفهم ومصالحهم المتناقضة، ويمنع التناقضات من تتحول إلى حروب أهلية. ويسمح لاحقا بالتفرغ إلى البناء الاقتصادي والاجتماعي، وهو بذلك يصرِّف طاقات البلدان والشعوب نحو المستقبل ويحميها من الغرق في النزاعات الهدامة. وهذا ليس درسا في العلوم السياسية، ولكنه التذكير الذي يفضي بنا إلى مقارنة الحالة العربية بحالة البلدان التي بجَّلت الصندوق على الكلاشينكوف.
في العرب خامة ديمقراطية تقدر الصندوق
هذا درسنا من الربيع العربي، ولقد اختبرناه وأفضى إلى خير كثير في وقت ضيق. لقد تنفس الناس حيث فتح الصندوق وتحمسوا وانتخبوا في مشاهد تبز أعتى الديمقراطيات، ولا تزال الصور محفوظة في أرشيفات مليئة بالحنين.
لقد قضى العرب نُخبا وشعوبا فترة طويلة منذ خروجهم من الاستعمار المباشر في تهيئة الصناديق والاستعداد لها، وأثمر كل ذلك النضال الصبور المثابر وكانت الفرصة بثمن مكلف من الشهداء. وكانت الشعوب في مستوى الانتظارات، وأسقطت الفكرة الرائجة عن غربة العرب عن الديمقراطية وأنهم لا يُحْكَمون إلا بطاغية.
ماذا جرى ليرتد العرب عن الصندوق في ردة بغيضة حتى بلغوا التقاتل الأهلي؟ هل فقدوا الطاغية فاستعادوه؟ هل توجد فعلا خصوصية عربية مضادة للديمقراطية وصندوقها؟
رغم نقد طويل كتبناه في دور النخب الفكرية والسياسية التي استمرأت الردة وناصرتها، إلا أننا لم نفقد الأمل في الشعوب التي وقفت طوابير؛ مبجلة التغيير بالصندوق. لقد تعرى أمامنا طيف من النخب يخشى الصندوق، ورغم ذلك يتفاصح بالسيادة الوطنية ويلح على صونها بالطاغية لا بصوت الشعوب، رغم وضوح الأدلة على التدخل الخارجي السافر.
إن الوضع العربي بعد الردة لا يمكن وصفه إلا بالفضيحة السياسية؛ فضيحة للنخب الفكرية التى ابتذلت شعوبها ورحبت بالانقلابات وفضيحة لكل منقلب استسهل السلطة بإغلاق الصندوق. هذه الفضيحة تترجم الآن بفشل تنموي وسياسي، وهي تتسوَّل الدعم الخارجي للبقاء في السلطة ضد إرادة شعوبها وتسترخص دماءها، وتتغطى بخطاب السيادة المزيف رغم أن الدروس تتوالى عليهم حيث ما فُتح صندوق واحتُرمت نتيجته.
الدرس البرازيلي: لا سيادة بلا صندوق
ما نتعلمه هذه الصباح من البرازيل وما تعلمناه من صناديق أخرى في جنوب أفريقيا خاصة؛ أن الصندوق الانتخابي يقدم السيادة الوطنية ضمن حرية الشعوب لا برغمها. فنتيجة الصندوق ليست داخلية فقط، بل هي رد على الخارج الذي يحشر أنفه في أمور شعوب بعيدة عنه في الجغرافيا وفي التاريخ. إنه يقدم أفضل الدروع ضد التدخل الخارجي لأنه يقدم الحريصين فعلا على سيادة بلدانهم دون الحاجة إلى خوض حروب تحرير أو دفاع، فيصيرون هم السور الواقي بما يقتضيه الأمر من أثمان منها الحروب الاقتصادية التي تعقب عادة انتصارا معاديا للتدخل. نحن إزاء حالات من التكتل الشعبي لصيانة البلدان من العدو الخارجي بقرار مواطني لا يبقى للخارج العداوني إلا التدخل العسكري، وهو أمر غير ميسور في ظروف دولية بات التدخل فيها مكلفا جدا وغير مضمون. عندما نضع الحالة البرازيلية وجارتها تشيلي وجنوب أفريقيا متجاورة؛ نجد أن الصندوق جلب الاستقلال السياسي وبنى السيادة ورسخ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو شعار رفع وهدم من قبل رافعيه أنفسهم.
ونذهب إلى حد القول إن التدخل الخارجي يعرف دور الصندوق لذلك يدفع إلى منعه وتخريبه إذا انفلت من إرادته. ولكن كلما اتضحت لنا هذه الحقيقة يعود لنا السؤال عن دور النخب العربية المتعلمة خاصة، والتي رغم علمها السياسي ترتد عن الصندوق وتبرر الاستبداد، بل تنظّر له بالمستبد العادل وهو قول متناقض لم يصدر إلا عن عقل مريض.
حقيقة أخرى من الدرس البرازيلي
أكثر من عاينّا فرحهم بانتصار دا سيلفا مناضلون؛ عرب إسلاميون مؤمنون بدور الصندوق، لم يقعوا في حفرة ترذيل الزعيم اليساري بينما لم يصادفنا حماس يساري للرجل اليساري. فنعيد ترتيب ورقنا: اليسار العربي كان ولا يزال يناصر الطواغيت العرب ويفضل الانقلابات على الصندوق، وهو اليسار الذي نحمله مسؤولية تخريب الربيع العربي الديمقراطي. إن الحالة البرازيلية تتحداهم أخلاقيا ومعرفيا، فهناك يسار ينتصر بصوت الشعب ويعلي السيادة ويستقل بقراره، فيصير عندنا اليسار العربي الحقيقي هو مناصر الصندوق وليس من يقف مع الانقلابات.
قالت البرازيل إن اليسار ليس اليسار العربي، وأن الإيمان بالصندوق المفضي إلى الاستقلال والسيادة هو اليسارية في الآن وفي المستقبل. وعليه نعيد ترتيب الورق، من آمن بالصندوق فهو يساري وسيادي ومستقل ويقدر حق الشعوب في تقرير مصيرها ومن خرب الصندوق فهو استبدادي ورجعي ولو زعم التقدمية. البرازيل تعيد تعريف اليسار، وعلى النخب العربية أن تفهم ذلك وتعتمده

