تسجل الأسواق المحلية موجة جديدة من الغلاء المتصاعد طالت قطاعات حيوية متعددة، متأثرة بالتقلبات الاقتصادية المستمرة واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، مما أثار قلق المواطنين المتزايد قبل انطلاق مواسم التسوق السنوية الكبرى وتخفيضاتها المرتقبة.
وعلاوة على ذلك تتزامن هذه الضغوط المعيشية المتزايدة مع ارتباك ملحوظ يشهده الشارع التجاري، في ظل تآكل القدرات الشرائية لدى الأسر ومخاوفها المشروعة من تفاقم تكاليف المعيشة اليومية بصورة غير مسبوقة ترهق ميزانياتها المحدودة.
موجة الغلاء تضرب الأجهزة والسلع
وفي تفاصيل المشهد شهدت أسعار الأجهزة الكهربائية ارتفاعًا بنسب تتراوح بين 5% إلى 8% خلال الآونة الأخيرة، مدفوعة بضغوط متراكمة في تكاليف الاستيراد وحركة تدبير السيولة النقدية اللازمة لإتمام الصفقات التجارية الخارجية للموردين.
وبناءً على ذلك تشير التقديرات السوقية الحالية إلى احتمالية حدوث زيادات جديدة تتراوح بين 7% إلى 10%، حيث تستهدف بالدرجة الأولى السلع المستوردة تامة الصنع نتيجة تداعيات ارتفاع سعر الدولار وأعباء الشحن البحري المتزايدة.
من جهته أفاد متى بشاي، رئيس شعبة المستوردين بغرفة القاهرة التجارية، بأن موجات الغلاء الحالية لا تقتصر على الأجهزة الإلكترونية وحدها، بل تمتد لتشمل حزمة واسعة من المنتجات الغذائية الأساسية والاستهلاكية بصورة مباشرة وواضحة.
كما أوضح أن سعر لتر الزيت الخليط قفز رسميًا من 90 إلى 100 جنيه بزيادة قدرها 11%، بينما صعد سعر عبوة الجبن المعلبة زنة 250 جرامًا من 24 إلى 30 جنيهًا بنسبة 25%.
إضافة إلى ذلك شهدت أسواق الحبوب والبقوليات تحركات سعرية صعودية مماثلة، في حين ارتفعت أسعار السيارات المستوردة تامة الصنع بنسبة بلغت 10%، متأثرة بتبعات تقلبات أسعار الصرف وصعوبات التوريد اللوجستي المتراكمة على التجار والوكلاء.
وعلى هذا النحو بيّن رئيس شعبة المستوردين أن قفزة الدولار انعكست كليًا على تكاليف استيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج، الأمر الذي قاد بدوره إلى ارتفاعات مضاعفة في نفقات التشغيل الداخلي والتصنيع المحلي وعمليات النقل البري.
ترقب الجمعة البيضاء ومخاوف التضليل
وبالتوازي مع ذلك يترقب المستهلكون في مصر حلول موسم تخفيضات الجمعة البيضاء لعام 2026، والمعروفة دوليًا باسم "بلاك فرايداي"، أملاً في اقتناص تخفيضات حقيقية تعوضهم عن الارتفاعات السعرية القاسية التي طالت مختلف المعروضات.
ومن المقرر سياقيًا أن يوافق موعد هذه الفعالية التسويقية يوم 27 نوفمبر من العام الحالي 2026، حيث تتسابق منصات التجارة الإلكترونية والمتاجر التقليدية الكبرى في الإعلان عن طرح كميات واسعة من الأجهزة بأسعار ترويجية.
غير أن الشكوك تحيط بمدى مصداقية تلك العروض المعلنة، الأمر الذي دفع النائبة البرلمانية أميرة صابر إلى المطالبة بإنشاء نظام متكامل للإنذار المبكر، بهدف التصدي لموجات الغلاء غير المبررة وكبح جماح انفلات الأسعار التجاري.
في غضون ذلك وجّه جورج زكريا، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الجيزة التجارية، تحذيرات مشددة من السقوط في فخ التخفيضات المصطنعة، موضحًا لجوء بعض الشركات لرفع أثمان السلع قبل إدراجها ضمن عروض الخصومات الموسمية.
وللتوضيح أكثر ضرب رئيس شعبة الجيزة مثلاً بقيام شركة برفع قيمة منتجاتها بنسبة 8% ثم الإعلان عن خصم بنسبة 10% بعد فترة وجيزة، مؤكدًا أن هذا السلوك التجاري الملتوي لا يعكس أي خفض واقعي للمستهلكين.
وبناءً عليه شدد زكريا على ضرورة احتساب التخفيضات السليمة وفق أسعار سابقة مستقرة وموثقة، داعيًا الكيانات التجارية إلى الحفاظ على سمعتها ونزاهتها أمام جمهور المشترين، بدلاً من الانسياق وراء ادعاءات شكلية تفقد السوق ثقته واستقراره.
ضوابط صارمة لحماية حقوق المستهلك
ومن ناحيته أعلن إبراهيم السجيني، رئيس جهاز حماية المستهلك، تطبيق حزمة ضوابط تنظيمية حاسمة تضمن انضباط موسم التخفيضات لعام 2026، مؤكدًا التزام الأجهزة الرقابية بالتثبت من حقيقة الخصومات ووضوح الأسعار للمواطنين دون مواربة.
وفي إطار المتابعة أكد رئيس الجهاز أن الحملات التفتيشية ستشمل جميع المحال التجارية التقليدية ومنصات التجارة الرقمية وصفحات مواقع التواصل، بهدف رصد كافة الممارسات المضللة وملاحقة أي إعلانات خادعة تحاول استغلال رغبة الشراء الشعبية.
وعلى الصعيد التنظيمي ألزم السجيني كافة المنشآت بتدوين السعر الأصلي قبل التخفيض والسعر النهائي بعده مع توضيح نسبة الخصم بصورة واضحة، معتبرًا إياها الركيزة الأساسية لتعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة وحفظ حقوق المستهلكين كاملة.
فضلًا عن ذلك نبّه رئيس الجهاز إلى أن الحقوق القانونية للمشتري في استبدال واسترجاع البضائع تظل سارية ومكفولة طوال العام وفي مواسم الخصومات، مؤكدًا حظر الانتقاص منها أو التحايل عليها بأي ذريعة أو اشتراطات باطلة.
وفي سياق الردع لوّح السجيني بفرض عقوبات مالية قاسية تصل إلى مليوني جنيه أو ما يعادل مثلي قيمة السلعة المخالفة أيهما أكبر، معلنًا تفعيل غرفة العمليات المركزية والمرصد الإعلاني لملاحقة المخالفين فورًا وبلا أي تهاون.
وختامًا لهذا المسار تتضافر الجهود التوعوية والرقابية لضمان سلامة التعاملات التجارية في الأسواق، مع دعوة المستهلكين لتوخي الحذر والإبلاغ الفوري عن أي انتهاكات تمس حقوقهم القانونية، حفاظًا على استقرار بيئة التجارة العادلة للجميع.

