يستحضر أذرع النظام الإعلاميون مشهد 9 يونيو 1967 لإعادة إنتاج دراما التراجع عن التنحي، ممهدين الطريق أمام قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي للبقاء في منصبه وتجاوز موعد رحيله المعلن في 2030.
وفي هذا السياق، تعيش الدوائر الأمنية والمالية حالة استنفار واسعة لحماية امتيازاتها البيروقراطية والاقتصادية، محاولة إجهاض أي مسار ينهي قبضة الحكم الفردي المطلق ويعيد توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة السيادية.
صراع الأجهزة الأمنية ومسرحية التنحي
وانطلاقاً من ذلك، تسارعت تحركات الإعلامي مصطفى بكري عقب لقائه بقائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في 17 أكتوبر، لتدشين حملة مضادة تدعو لاحتشاد شعبي مصطنع يطالبه بعدم التخلي عن كرسيه.
وبناءً على هذه التوجيهات، انخرط إعلاميون مثل أحمد موسى ونشأت الديهي ومحمد الباز في خطة محكمة تستلهم سيناريو 1967، لتصوير مغادرة السلطة كخطر داهم يهدد بقاء الدولة وسلامة أراضيها ووحدة مؤسساتها.
ومن جهة أخرى، يعكس هذا الاستنفار انقساماً هيكلياً صامتاً بين جهازي المخابرات العامة والأمن الوطني؛ حيث يفضل الأول استيعاب الغضب بجرعات تنفيس محدودة، بينما يصر الثاني على استمرار القمع العنيف لمنع الانفجار.
وفي هذا الإطار، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور كمال عبد المجيد أن الصراع القائم لا يمس ولاء الأجهزة لركائز النظام، بل يتمحور حول الصراع على احتكار قنوات الاتصال والتأثير بصانع القرار.
وبالنظر إلى هذا الانقسام، تكررت الخلافات سابقاً حول إدارة ملفات ملحة، تضمنت إدارة جلسات الحوار الوطني، ولجنة العفو الرئاسي، وصياغة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وصولاً إلى حجم الهامش الممنوح للمنصات الإخبارية.
علاوة على ذلك، يبرهن اندفاع الأمن الوطني لتحريك وكلائه بالشارع والإعلام على خشية نافذين من تبديل التوازنات، ما يجعل معركة 2030 اختباراً فاصلاً بين مراكز القوى لحماية ثرواتها ونفوذها الاستراتيجي المتوارث.
مناورات البرلمان والالتفاف الدستوري لتأبيد الحكم
وبموازاة هذه التحركات، تتأهب لوبيات المصالح لفتح المسار التشريعي عبر تفعيل المادة 226 من الدستور، والتي تمنح خمس أعضاء البرلمان حق اقتراح تعديلات تسمح بمد الفترات الرئاسية دون التقيد بنصوص الحظر.
إضافة إلى ذلك، لا يمثل جمع توقيعات 120 نائباً عقبة، في ظل هيمنة حزبي مستقبل وطن والشعب الجمهوري المواليين للأمن على أكثر من 250 مقعداً برلمانياً مطواعاً لتمرير أي إملاءات أمنية.
وعلى نحو متصل، يفسر هذا المخطط محاولات تصدير فقهاء قانون موالين لتبرير الالتفاف بدعوى المصلحة العليا واستكمال المشروعات القومية، لتوفير غطاء زائف ينفي التورط المباشر لقائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي.
وحول هذه المسألة، يؤكد أستاذ القانون الدستوري الدكتور مدحت الشريف أن تعديل مدد الرئاسة يصطدم بحظر مادي صريح وضعته المادة 226، ما يجعل أي محاولة لتمريرها بمثابة هدم كامل لأسس المشروعية.
واقتراناً بهذا المسار، شنت الأجهزة حملة قمعية استهدفت الأصوات الصحفية المستقلة، فاقتحمت منصة متصدقش واعتقلت 6 صحفيين، فضلاً عن إغلاق موقع مدى مصر القائم منذ 2013 بحجج الترخيص الإداري الواهية.
وفي المقابل، ترمي تلك الضربات المتزامنة إلى ترهيب المجال العام، وخنق أي نقاش يتناول مرحلة ما بعد السيسي، بما يقطع الطريق على أي تيار مجتمعي أو حقوقي يساند فكرة التداول السلمي.
فرص الانتقال السياسي ورهانات القوى الوطنية
غير أن هذه المخططات تواجه مأزقاً حقيقياً إذا تبلورت معارضة صلبة داخل مؤسسات الدولة البيروقراطية والعسكرية، التي ترى في التمسك بالبند الدستوري فرصة تاريخية لإنقاذ البلاد من شبح الانهيار الشامل.
وتأسيساً على ذلك، تقع المسؤولية التاريخية على عاتق الأحزاب والنقابات والاتحادات العمالية لإعلان موقف قاطع برفض تعديل الدستور، والضغط المنظم لتحويل موعد 2030 إلى نقطة انطلاق نحو حكم مدني ديمقراطي.
وفي سياق التقييم الاستراتيجي، يوضح الباحث في معهد دراسات التحول الديمقراطي الدكتور حازم حسني أن بناء جبهة وطنية جامعة يتطلب تنازلات مبدئية تزيل عقدة الخوف التاريخي المتبادل بين الأطراف السياسية المتنافسة.
وفي الختام يتوقف مستقبل البلاد على قدرة قوى التغيير على تعطيل المسارات الأمنية الاستباقية، واستثمار الالتزام الشكلي بالموعد الزمني، لإجبار منظومة الحكم على تدشين مسار حقيقي للانتقال السياسي السلمي.

