شن جيش الاحتلال الإسرائيلي فجر الأحد سلسلة من الضربات المدفعية المركزة، التي طالت عدة بلدات وقرى في الجنوب اللبناني، مما أثار حالة من التوتر الشديد بين السكان المدنيين، إثر استهداف مناطق متفرقة بشكل عنيف.
وفي غضون ذلك، أفادت التقارير الميدانية الرسمية بتنفيذ القوات الإسرائيلية تفجيرا ضخما داخل بلدة عيناثا الواقعة ضمن قضاء بنت جبيل، بالتزامن مع سقوط قذائف عديدة على الأودية والمزارع المحيطة بالمنطقة دون توقف لساعات.
تصعيد مدفعي عنيف يهز الجنوب اللبناني
وبحسب ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام، فقد تركز القصف الصهيوني على بلدة المنصوري التابعة لقضاء صور، إضافة إلى بلدتي زوطر الشرقية وميفدون الواقعتين في نطاق قضاء النبطية، وسط تحليق مكثف للطائرات المسيرة فوق المنطقة.
ومن جانبها، أوضحت المصادر الميدانية أن نيران المدفعية المعادية امتدت لتشمل بلدة حداثا ومنطقة وادي الحجير الواقعة ضمن قضاء بنت جبيل، حيث تسببت الضربات في تصاعد أعمدة الدخان الكثيف من بطون الأودية والتلال المجاورة.
إضافة إلى ذلك، أقدمت القوات المتوغلة على نسف منشآت ومبان عبر تفجير مدو في بلدة عيناثا الحدودية، بينما لم ترد حتى اللحظة بيانات رسمية تفصل حجم الخسائر البشرية أو المادية جراء هذه العملية العسكرية.
وفي سياق متصل، واصلت طواقم الإسعاف والدفاع المدني مراقبة الأوضاع الميدانية المتدهورة بحذر شديد، نتيجة استمرار تساقط القذائف على الطرق الرئيسية الرابطة بين القرى والبلدات الجنوبية المستهدفة بالقصف لمنع وصول أي إمدادات إغاثية.
ونتيجة لهذه التطورات، سادت حالة من الهلع أوساط الأهالي المتبقين في منازلهم، حيث لجأ البعض إلى الملاجئ المؤقتة خشية اتساع رقعة القصف المدفعي العنيف وتحوله إلى اجتياح بري أوسع خلال الساعات المقبلة من النهار.
وبالموازاة مع ذلك، أشارت المعطيات الصحفية إلى أن الاستهداف الإسرائيلي الممنهج ركز على ضرب البنى التحتية والمناطق المفتوحة بهدف ترهيب الأهالي وشل الحركة في الأقضية الحدودية الحيوية التابعة لمحافظتي الجنوب والنبطية اللبنانيتين بالكامل.
مباحثات فلوريدا وتعثر المسار الدبلوماسي
وعلى الصعيد الدبلوماسي، جاء هذا التصعيد الميداني الحاد عقب اختتام جولة مباحثات عسكرية تقنية جمعت وفدين من لبنان وإسرائيل، واستمرت يومين هما 20 و 21 من شهر أكتوبر الماضي في مدينة تامبا الأمريكية.
ورغم الرعاية الأمريكية لتلك اللقاءات المعقودة بولاية فلوريدا، فقد انتهت الجلسات التفاوضية دون التوصل إلى إعلان تقدم ملموس، كما امتنع الطرفان عن إصدار أي بيان ختامي مشترك يعكس وجود تفاهمات واضحة حول القضايا العالقة.
وفي هذا الإطار، أفادت تسريبات وتقارير متطابقة بالتوافق على استمرار عقد المحادثات مستقبلا، في ظل بقاء هوة الخلافات عميقة بين الجانبين، لاسيما فيما يخص الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب ونزع سلاح حزب الله.
وتجدر الإشارة إلى أن الطرفين كانا قد توصلا برعاية واشنطن، في تاريخ 26 من شهر يونيو الماضي، إلى اتفاق مبدئي حمل تسمية صيغة إطار، بهدف وضع خارطة طريق لإنهاء التوتر وتهدئة العمليات القتالية.
وبموجب ذلك الاتفاق، تم النص صراحة على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية تدريجيا من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة، بالتوازي مع إعادة انتشار عناصر الجيش اللبناني الرسمية والعمل الفعلي على نزع أسلحة كافة الفصائل والجماعات المسلحة.
غير أن التطورات العسكرية المتلاحقة أثبتت تعثر تنفيذ بنود التفاهم، في ظل امتناع تل أبيب عن الالتزام بالانسحاب التدريجي، ومواصلة فرض شروط أمنية مشددة تعرقل مساعي الوساطة الدولية وتجهض فرص التوصل لتهدئة مستدامة بينهما.
حصيلة الضحايا وتداعيات الاحتلال المتواصل
وميدانيا على الأرض، واصل جيش الاحتلال عملياته العدوانية المتصاعدة ضد لبنان رغم وجود الاتفاق، متسببة منذ اليوم الثاني من شهر مارس الماضي في وقوع خسائر بشرية مروعة جراء الغارات والقصف المستمر على الأحياء السكنية.
وفي هذا السياق، وثقت الإحصاءات الرسمية مقتل ما لا يقل عن 4386 شخصا وإصابة 12407 آخرين بجروح متفاوتة، حيث شكلت شريحة المدنيين النسبة الأكبر من بين هؤلاء الضحايا الذين سقطوا في مختلف المحافظات اللبنانية.
وإلى جانب ذلك، أسفر القصف الصهيوني المتواصل عن نزوح قسري لأكثر من مليون شخص تركوا قراهم ومنازلهم المدمرة، ليعيشوا ظروفا إنسانية بالغة التعقيد والصعوبة في مراكز الإيواء المؤقتة الموزعة على مختلف المناطق اللبنانية.
ومن زاوية جغرافية، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي سيطرتها غير القانونية على مناطق واسعة جنوبي لبنان، حيث تعود جذور احتلال بعض تلك الأراضي إلى عدة عقود مضت بينما ارتبط بعضها الآخر بمواجهات عامي 2023 و 2024.
وعلاوة على ذلك، وسعت القوات المعتدية من نطاق توغلها البري العسكري الأخير ليصل إلى عمق يقدر بنحو 10 كيلومترات في الداخل اللبناني، مما ضاعف مساحة الحزام الأمني الذي تحاول فرضه بالنار على حساب سيادة الدولة.
وفي ختام المشهد، تظل الأوضاع الميدانية والسياسية في الجنوب اللبناني مفتوحة على شتى الاحتمالات التصعيدية، في ظل تعنت الاحتلال وإصراره على الخيار العسكري ورفضه التجاوب الفعلي مع المساعي والمقررات الدبلوماسية الدولية لإنهاء الحرب.

