تواصل فواتير خدمات الاتصالات والإنترنت استنزاف الميزانيات الهشة للأسر المصرية، وسط قرارات حكومية ترويجية تكتفي بمضاعفة سعة الباقة الأساسية الدنيا دون معالجة جذور أزمة الغلاء وتدهور القوة الشرائية للمواطنين.
​
​
وبالتزامن مع هذا الاستنزاف، يواجه ملايين المشتركين ضغوطاً مالية متصاعدة نتيجة تعدد الاشتراكات الشهرية، والاضطرار المتكرر لشراء سعات إضافية بأسعار باهظة بعد نفاد الباقات الأساسية قبل نهاية الشهر بأسابيع.

 

 

مناورات حكومية تلتف على أزمة الغلاء
​
​
وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يوم الأحد بدء الإجراءات التنفيذية لمضاعفة سعة الباقة الأساسية للإنترنت الأرضي من 50 إلى 100 غيغابايت بسعر 150 جنيهاً.
​
​
وجاء هذا الإعلان تنفيذاً لتصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يوم السبت خلال الجلسة الختامية لمنتدى مصر 2026، والتي وعد فيها بمضاعفة سعة الباقة الأساسية بنفس السعر الحالي البالغ 150 جنيهاً.
​
​
ورغم هذا الترويج الرسمي، تأتي هذه الخطوة في وقت هوى فيه الجنيه المصري ليصل سعر الدولار الواحد إلى 55.08 جنيه، ما يعكس تآكلاً غير مسبوق في الدخول الحقيقية للمواطنين.
​
​
علاوة على ذلك، يتجاهل القرار الحكومي توصيات لجنة الاتصالات بمجلس النواب الصادرة في نهاية يونيو الماضي، والتي طالبت بتوفير باقات مخفضة حقيقية للمواطنين لا يتجاوز سعرها 150 جنيهاً شهرياً.
​
​
وفي هذا السياق، ترى وكيلة لجنة الاتصالات بمجلس النواب مها عبد الناصر أن مضاعفة الباقة الأساسية خطوة لتخفيف الأعباء، لكنها لا تعني انتهاء المشكلات المرتبطة بتكلفة خدمات الإنترنت وجودتها المتراجعة.
​
​
وتشدد البرلمانية المصرية على ضرورة المراجعة الشاملة لأسعار الإنترنت وسعات الباقات وجودة الخدمة، بما يتناسب فعلياً مع احتياجات المواطنين اليومية ومعدلات استهلاكهم المتزايدة، بدلاً من الاكتفاء بحلول جزئية قاصرة.
​
​
وفضلاً عن ذلك، تؤكد وكيلة اللجنة للشرق الأوسط أن الإنترنت بات ضرورة أساسية ترتبط بالتعليم والعمل والحصول على الخدمات، ولم يعد وسيلة ترفيه، ما يفرض توفيره بأسعار تناسب دخول المستخدمين.
​
​
وعلى صعيد متصل، يوضح خبير اقتصاديات التكنولوجيا الدكتور أحمد عبدربه أن منح 100 غيغابايت لأسرة كاملة لا يكفي سوى أيام معدودة، ويجبر المواطن على الدخول في دوامة شراء الباقات الإضافية المكلفة.
​
​
ويضيف الخبير الاقتصادي أن الشركات تستفيد من نفاد هذه السعات المحدودة لبيع الغيغابايت الإضافي بأسعار مضاعفة، مما يحول التخفيض المعلن إلى مصيدة مالية ترفع إجمالي الفاتورة الشهرية على رب الأسرة.

 

 

نزيف شهري يرهق ميزانيات الأسر المصرية
​
​
ومن زاوية الواقع المعيشي، تتجلى وطأة هذه السياسات في معاناة الموظف الأربعيني محمود إسماعيل القاطن في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، والذي يعمل في شركة خاصة ويعول 3 أبناء بمراحل تعليمية مختلفة.
​
​
ونتيجة لتعدد المتطلبات، يضطر إسماعيل شهرياً إلى تسديد فاتورة هاتفه الجوال إلى جانب باقتي نجليه في المرحلة الإعدادية، فضلاً عن سداد اشتراك الإنترنت المنزلي الذي لا يصمد أمام الاستهلاك الضروري.
​
​
وبفعل هذه الأعباء المتراكمة، يخصص رب الأسرة المصري ما لا يقل عن 2000 جنيه شهرياً لبند الاتصالات، علاوة على فاتورة الإنترنت الأرضي التي ترتفع تباعاً مع اضطراره للتجديد المبكر المستمر.
​
​
ولا تقتصر هذه المعاناة على أسرة واحدة، بل تمتد لتشمل قاعدة ضخمة من المصريين الذين باتوا أسرى لشركات الاتصالات، وسط غياب أي بدائل حقيقية أو رقابة تحمي المستهلك من تغول الأسعار.
​
​
ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في يونيو الماضي، بلغ عدد اشتراكات الهاتف الجوال النشطة نحو 125.6 مليون اشتراك بنهاية مارس 2026، ما يوضح حجم السوق المستهدف.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، اقتربت اشتراكات الإنترنت الثابت في مصر من حاجز 13 مليون اشتراك منزلي، وهو ما يعني أن ملايين العائلات تواجه المصير المالي ذاته مع منتصف كل شهر ميلادي.
​
​
وإزاء هذا الواقع، تشير عضوة مجلس النواب إيرين سعيد إلى أن أعباء خدمات المحمول والإنترنت أصبحت تمثل بنداً مرهقاً لميزانيات الأسر، وباتت تفوق القدرة الشرائية المتآكلة للمواطن المصري بشكل واضح.
​
​
وتوضح البرلمانية للشرق الأوسط أن الأزمة تتجاوز السعر المعلن للباقة إلى سرعة نفادها المريبة والحاجة لتجديدها عدة مرات شهرياً، ما يضاعف التكلفة الشهرية الحقيقية ويرهق كاهل الأسر المصرية المتوسطة والفقيرة.
​
​
ومن جانبه، يبين الباحث في السياسات الاقتصادية وحقوق المستهلك الدكتور هاني توفيق أن استقطاع أكثر من 2000 جنيه شهرياً لخدمات الاتصالات يلتهم حصة الغذاء والصحة في ميزانية الأسرة المصرية المتوسطة.

ويؤكد الباحث الاقتصادي أن تسعير الخدمات الرقمية في مصر يفتقر إلى العدالة الاجتماعية، حيث تُفرض رسوم وضرائب مركبة تحول خدمة أساسية للتعليم والعمل إلى عبء مالي يعجز المواطن عن تحمله.

 

 

فوضى التسعير واستنزاف جيوب ملايين المشتركين
​
​
وبالعودة إلى جذور الأزمة، لم تكن هذه الأعباء وليدة الصدفة، بل نتجت عن قرارات رسمية متلاحقة سمحت لشركات الاتصالات برفع أسعارها، وإلقاء تبعات التدهور الاقتصادي الكلي على كاهل المستهلك وحده.
​
​
ففي مايو الماضي، وافق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات رسمياً على تحريك أسعار باقات الإنترنت والهاتف الجوال بنسبة تراوحت بين 9% و15%، مستجيباً لضغوط الشركات ومطالبها المستمرة بزيادة عوائدها المالية.
​
​
وبرر الجهاز الحكومي قراره حينها بارتفاع سعر الصرف وزيادة تكاليف الطاقة والتشغيل والعمالة، إلى جانب ارتفاع كلفة إنشاء الشبكات واستيراد معدات الاتصالات، متجاهلاً تجميد دخول المواطنين وتآكل مدخراتهم.
​
​
ورغم طرح الباقة الاقتصادية بسعة 50 غيغابايت قبل أشهر ثم مضاعفتها إلى 100 غيغابايت، يؤكد مراقبون أن هذه السعة لا تكفي أسرة تستخدم المنصات التعليمية ومقاطع الفيديو والتحديثات التلقائية للأجهزة.
​
​
وفي هذا الإطار، يوضح خبير الاتصالات محمد مصطفى أن التكلفة الفعلية للخدمة لا تتوقف عند السعر المعلن للباقة، بل تتحدد في نهاية الشهر بعد نفاد السعة والاضطرار الحتمي للتجديد المبكر.
​
​
ويشير الخبير التقني إلى أن هذه المعادلة المختلة تجعل فاتورة الاتصالات واحدة من الفواتير الأساسية للمنزل، لكنها تظل الوحيدة التي يستحيل على رب الأسرة توقع قيمتها المالية بدقة مطلع الشهر.
​
​
ومن ناحية أخرى، يفند مهندس الشبكات وخبير البنية التحتية للاتصالات الدكتور طارق كامل حجة السعات المحدودة، مؤكداً أن الكلفة التشغيلية لتمرير البيانات عبر الألياف الضوئية ثابتة ولا تبرر نظام الكوتا.
​
​
ويشدد خبير الشبكات على أن استمرار فرض سقف للتحميل في مصر، بينما يعتمد العالم الإنترنت غير المحدود، يهدف حصرياً إلى تعظيم أرباح الشركات على حساب حق المواطن في المعرفة والتعلم.
​
​
وفي المحصلة، تظل قرارات مضاعفة الباقات الدنيا مجرد مسكنات إعلامية عاجزة عن إيقاف النزيف المالي للأسر المصرية، طالما استمرت سياسات التسعير الاحتكارية وغياب باقات الإنترنت غير المحدود بأسعار عادلة.