يؤكد الكاتب جيمس كلير، مؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا «العادات الذرية» (Atomic Habits)، أن تحقيق التغيير المستدام لا يعتمد على قوة الإرادة أو الحماس المؤقت بقدر ما يعتمد على تغيير الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه. فمع بداية كل عام، يسعى كثيرون إلى أن يصبحوا أكثر صحة وقوة وإبداعًا، أو أن يطوروا مهاراتهم ويحسنوا علاقاتهم بالآخرين، لكنهم غالبًا ما يجدون صعوبة في الاستمرار على سلوكيات جديدة. ويطرح كلير سؤالًا جوهريًا: لماذا يصعب الالتزام بالعادات الجديدة، وكيف يمكننا جعل التغيير أكثر سهولة واستمرارًا؟
وفي مقاله المنشور على موقع جيمس كلير، يشرح الكاتب أن مفتاح بناء العادات طويلة الأمد يكمن في تحديد الشخص الذي نريد أن نصبحه، ثم إثبات هذه الهوية لأنفسنا من خلال خطوات صغيرة ومتكررة. ويستند المقال إلى فصل من كتابه «العادات الذرية»، موضحًا أن السلوكيات التي نمارسها يوميًا تعكس، بصورة واعية أو غير واعية، اعتقاداتنا بشأن أنفسنا، وأن تغيير السلوك بصورة دائمة يبدأ من تغيير هذه الاعتقادات.
تغيير الهوية.. الخطوة الأولى لبناء عادات تدوم
يروي كلير موقفًا من حياة زوجته التي تتميز بقدرتها على تذكر أسماء الأشخاص الذين تقابلهم. ففي أول يوم لها بالمدرسة الثانوية، طلب المعلم من الطلاب أن يعرّف كل منهم بنفسه، ثم سألهم في نهاية الجولة عما إذا كان أحدهم يستطيع تذكر أسماء الجميع.
رفعت زوجته يدها، وبدأت تذكر أسماء نحو ثلاثين طالبًا في الفصل بدقة، الأمر الذي أدهش بقية الطلاب. والتفت إليها أحد زملائها قائلًا إنه لم يستطع حتى تذكر اسمها هي.
وتوضح زوجة كلير أن هذه اللحظة عززت ثقتها بنفسها، وجعلتها تنظر إلى نفسها باعتبارها شخصًا يجيد تذكر أسماء الآخرين. واستمرت هذه الصورة الذاتية معها حتى اليوم، إذ لا تزال تتمتع بقدرة ملحوظة على تذكر أسماء الأشخاص الذين تقابلهما.
ويستخلص كلير من هذه القصة درسًا أساسيًا: لكي نؤمن بهوية جديدة لأنفسنا، علينا أن نقدم لأنفسنا دليلًا يثبت صحتها. فالإيمان بأننا أشخاص قادرون على الالتزام أو التعلم أو الإنجاز لا يتشكل بمجرد ترديد العبارات التحفيزية، بل ينمو مع كل تجربة صغيرة تؤكد هذا الاعتقاد.
ومن هنا، يوضح الكاتب أن السلوكيات الحالية ليست سوى انعكاس لهويتنا الراهنة، وأن ما نفعله يعبر عن نوع الشخص الذي نعتقد أننا عليه. فإذا أردنا تغيير سلوكنا بصورة دائمة، فعلينا أن نبدأ بتبني اعتقادات جديدة عن أنفسنا، وبناء ما يسميه «العادات القائمة على الهوية».
ولفهم هذا المفهوم، يقارن كلير بين طريقتين شائعتين لتحديد الأهداف. فقد يقول شخص إنه يريد إنقاص وزنه أو زيادة قوته البدنية، ثم يحدد هدفًا أكثر دقة، مثل خسارة تسعة كيلوجرامات أو رفع وزن معين أثناء التمرين. ورغم أهمية هذه الأهداف، فإنها تركز على النتائج التي يرغب الشخص في تحقيقها، لا على الهوية التي يحتاج إلى بنائها للوصول إليها.
ويشرح كلير أن التغيير يحدث على ثلاثة مستويات تشبه طبقات البصلة. يتعلق المستوى الأول بالنتائج، مثل إنقاص الوزن أو نشر كتاب أو الفوز ببطولة. أما المستوى الثاني، فيتعلق بالعمليات، أي العادات والأنظمة التي تساعدنا على تحقيق النتائج، مثل الالتزام ببرنامج رياضي أو تنظيم مكان العمل أو ممارسة التأمل بانتظام.
ويأتي المستوى الثالث، وهو الأعمق، ليشمل تغيير الهوية نفسها. ويتعلق هذا المستوى بالمعتقدات والصورة الذاتية والنظرة إلى العالم والأحكام التي نصدرها على أنفسنا وعلى الآخرين.
وبعبارة أخرى، تتعلق النتائج بما نحصل عليه، والعمليات بما نفعله، بينما تتعلق الهوية بما نؤمن به. ولا يعني ذلك أن أحد مستويات التغيير أفضل بالضرورة من غيره، فجميعها مفيد، لكن المشكلة تكمن في الاتجاه الذي نبدأ منه.
فكثيرون يبدأون بتحديد النتائج التي يريدون تحقيقها، ثم يحاولون تغيير سلوكهم للوصول إليها، وهو ما يطلق عليه كلير «العادات القائمة على النتائج». أما البديل، فيتمثل في البدء بالشخص الذي نرغب في أن نصبحه، ثم بناء العادات التي تتفق مع هذه الهوية الجديدة.
من الأهداف إلى الممارسات اليومية.. كيف تثبت هويتك الجديدة؟
يرى كلير أن تغيير معتقداتنا عن أنفسنا ليس بالصعوبة التي قد نتصورها، وأن بناء هوية جديدة يعتمد على خطوتين أساسيتين: تحديد نوع الشخص الذي نريد أن نكونه، ثم إثبات ذلك لأنفسنا من خلال إنجازات صغيرة ومتكررة.
ولا يقتصر هذا المبدأ على الأفراد، بل ينطبق أيضًا على الفرق والمجتمعات والدول. فالسؤال الأساسي هو: ما المبادئ والقيم التي نريد أن نمثلها؟ وما الصورة التي نرغب في أن نكون عليها؟
قد تبدو هذه الأسئلة كبيرة أو مربكة، وقد لا يعرف كثيرون من أين يبدأون، لكنهم غالبًا ما يستطيعون تحديد النتائج التي يتمنون تحقيقها، مثل الحصول على لياقة بدنية أفضل، أو تقليل القلق، أو مضاعفة دخلهم.
وينصح كلير بالبدء من هذه النتائج ثم التفكير في الاتجاه المعاكس، عبر طرح سؤال أكثر عمقًا: «ما نوع الشخص القادر على تحقيق النتيجة التي أريدها؟». ومن خلال الإجابة، يتحول الهدف من مجرد نتيجة مستقبلية إلى هوية يمكن ترجمتها إلى سلوكيات يومية.
فمن يرغب في إنقاص وزنه، يمكنه أن يبدأ بتبني هوية الشخص الذي يتحرك أكثر كل يوم. ولا يتطلب ذلك الانطلاق مباشرة إلى برنامج رياضي مرهق، بل يمكنه شراء عداد للخطوات والمشي خمسين خطوة عند العودة إلى المنزل من العمل، ثم زيادة العدد إلى مئة خطوة في اليوم التالي، ومئة وخمسين في اليوم الذي يليه.
ومع زيادة عدد الخطوات بمقدار خمسين خطوة يوميًا، على مدار خمسة أيام في الأسبوع، يمكن أن يصل الشخص بحلول نهاية العام إلى المشي لأكثر من عشرة آلاف خطوة يوميًا. وتكمن أهمية المثال في أن التغيير يبدأ بخطوة صغيرة يسهل تنفيذها، ثم يتوسع تدريجيًا حتى يصبح جزءًا من نمط الحياة.
أما من يرغب في أن يصبح كاتبًا أفضل، فيمكنه تبني هوية الشخص الذي يكتب ألف كلمة يوميًا، والبدء عمليًا بكتابة فقرة واحدة كل يوم خلال الأسبوع الأول. وبالنسبة إلى من يسعى إلى بناء القوة البدنية، فيمكنه أن يرى نفسه باعتباره شخصًا لا يفوّت تمارينه، وأن يبدأ بممارسة تمارين الضغط أيام الاثنين والأربعاء والجمعة.
ويقدم كلير مثالًا آخر يتعلق بالعلاقات الاجتماعية. فمن يريد أن يصبح صديقًا أفضل، يمكنه تبني هوية الشخص الذي يحافظ باستمرار على التواصل مع أصدقائه، والبدء بالاتصال بصديق واحد كل يوم سبت. وإذا أعاد التواصل مع الأشخاص أنفسهم كل ثلاثة أشهر، فسيحافظ على قربه من اثني عشر صديقًا قديمًا على مدار العام.
وحتى في بيئة العمل، يمكن تطبيق الفكرة على من يرغب في أن يحظى بجدية أكبر واحترام زملائه. فبدلًا من الاكتفاء بتمني الالتزام بالمواعيد، يمكنه تبني هوية الشخص الذي يصل دائمًا في الوقت المحدد، وإضافة فاصل زمني قدره خمس عشرة دقيقة بين الاجتماعات حتى يتمكن من الانتقال من اجتماع إلى آخر والوصول مبكرًا.
وتوضح هذه الأمثلة أن بناء الهوية لا يتطلب تغييرات ضخمة منذ اليوم الأول، بل يعتمد على ممارسات بسيطة ومتكررة تقدم دليلًا عمليًا على أننا أصبحنا الأشخاص الذين نرغب في أن نكونهم. فكل خطوة صغيرة تنفذها تعزز الاعتقاد الجديد، وتزيد احتمالية استمرار السلوك مستقبلًا.
النجاح المستدام يبدأ بالهوية لا بالحماس المؤقت
يشدد كلير على أن إثبات الهوية الجديدة لأنفسنا أهم، خصوصًا في المراحل الأولى، من تحقيق نتائج استثنائية أو سريعة. فقد يشعر الإنسان بحماس شديد يدفعه إلى مشاهدة مقاطع تحفيزية على يوتيوب، أو الاستماع إلى أغنيته المفضلة، أو بدء برنامج رياضي مكثف مثل «P90X»، لكنه قد يفقد حماسه بعد أسبوع واحد.
والسبب أن الدافع النفسي لا يمكن الاعتماد عليه وحده لبناء عادات تدوم. فالحماس يتغير من يوم إلى آخر، بينما يحتاج التغيير المستدام إلى نظام من الممارسات التي يستطيع الإنسان الالتزام بها حتى في الأيام التي لا يشعر فيها بالرغبة أو النشاط.
ولهذا، يدعو الكاتب إلى التوقف عن الاعتماد على التحفيز المؤقت، والتركيز بدلًا من ذلك على أن يصبح الإنسان نوع الشخص القادر على تحقيق ما يريده. فإذا أراد أن يكون أكثر نشاطًا، فعليه أن يبدأ بالتصرف كشخص يجعل الحركة جزءًا من يومه. وإذا أراد أن يصبح كاتبًا، فعليه أن يكتب بانتظام، حتى لو بدأ بفقرة قصيرة.
ويشير كلير إلى أن كثيرين، بمن فيهم هو نفسه، يرغبون في تطوير حياتهم مع بداية العام، لكنهم غالبًا ما يضعون أهدافًا ترتبط بالأداء أو المظهر، على أمل أن تدفعهم هذه الأهداف إلى تغيير سلوكهم. غير أن التركيز المفرط على النتائج قد يجعلهم يغفلون عن الأساس الذي يساعدهم على الاستمرار.
ولذلك، ينصح كلير من يسعى إلى التغيير بألا يجعل النتائج شغله الشاغل، بل أن يركز على هويته الجديدة، وأن يبني منذ الآن عادات تتفق مع الشخص الذي يريد أن يصبحه. فالنتائج يمكن أن تأتي لاحقًا، لكن البداية الحقيقية تحدث عندما تتغير الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه.
ويختتم الكاتب فكرته بالتأكيد على أن العادات المستدامة لا تُبنى بمجرد وضع أهداف طموحة أو انتظار اللحظة المناسبة للشعور بالحماس، وإنما تنشأ من تراكم الأدلة اليومية الصغيرة التي تعزز الهوية الجديدة. وكلما كرر الإنسان سلوكًا يتفق مع الصورة التي يريدها لنفسه، أصبح من الأسهل عليه الاستمرار فيه.
وبذلك، لا يعود السؤال الأهم هو: «ما الذي أريد تحقيقه هذا العام؟»، بل يصبح: «ما نوع الشخص الذي أريد أن أكونه، وما الخطوة الصغيرة التي يمكنني اتخاذها اليوم لأثبت ذلك لنفسي؟». فحين تصبح العادات تعبيرًا عن الهوية، لا مجرد وسيلة للوصول إلى هدف مؤقت، تزداد فرص استمرارها وتحولها إلى جزء ثابت من الحياة.
https://jamesclear.com/identity-based-habits

