تواصل البورصة المصرية نزيف الخسائر للجلسة الثانية على التوالي خلال منتصف تعاملات اليوم الإثنين، وسط موجة تراجعات حادة طالت 135 سهمًا من إجمالي 224 سهمًا جرى التداول عليها، نتيجة اتساع الضغوط البيعية وهروب السيولة من السوق.
وبالتزامن مع هذا التراجع المتكرر، تجاوزت خسائر 10 أسهم حاجز 5%، في دلالة واضحة على استمرار حالة الذعر البيعي التي تضرب التعاملات منذ الجلسات الماضية، رغم تباطؤ وتيرة الهبوط نسبيًا مقارنة بالجلسة السابقة تحت وطأة التوترات الإقليمية.
هبوط جماعي للمؤشرات وتآكل المكاسب السوقية
وفي مستهل هذه الموجة الهابطة، انزلق المؤشر الرئيسي EGX30 خلال منتصف التعاملات الصباحية بنسبة 1.43% ليهبط إلى مستوى 48,528 نقطة، بعد فشل الأسهم القيادية في الصمود أمام عمليات التخلص السريع من المراكز المالية المفتوحة بالجلسات الأخيرة.
وعلى المنوال ذاته، تراجع مؤشر EGX70 للأسهم الصغيرة والمتوسطة بنحو 0.84% ليسجل 15,155 نقطة، متأثرًا باندفاع المستثمرين الأفراد نحو البيع العشوائي لتقليص الخسائر المتراكمة التي لحقت بمحافظهم الاستثمارية على مدار أكثر من جلسة تداول متتالية.
كما امتدت الضغوط البيعية لتشمل مؤشر EGX100 الأوسع نطاقًا، الذي خسر نحو 1.02% من قيمته ليتراجع إلى مستوى 20,849 نقطة، وسط غياب المحفزات الاقتصادية الحقيقية القادرة على وقف التدهور المستمر في قيم الأصول المقيدة.
ومن جانبه، يرى الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي ومستشار أسواق المال، أن استمرار نزيف المؤشرات لعدة جلسات يعكس هشاشة البنية المالية للسوق، واعتماد السياسات الحكومية على التدفقات الساخنة قصيرة الأجل بدلًا من بناء قاعدة إنتاجية مستقرة.
إلا أن هذا الهبوط الجماعي لا يرتبط فقط بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية كما تروج البيانات الرسمية، بل يرتبط جذريًا بأزمة الثقة العميقة بين المتعاملين والإدارة الاقتصادية التي عجزت عن حماية السوق من الصدمات المتكررة منذ شهور.
وفضلًا عن ذلك، يوضح الدكتور وائل النحاس أن القرارات المالية المتخبطة ورفع تكلفة الاقتراض دفعت المستثمرين إلى سحب أموالهم من الأسهم القيادية والمتوسطة على حد سواء، والبحث عن ملاذات آمنة خارج دائرة الأصول المحلية المتآكلة.
وبناءً على تلك المعطيات، تحولت جلسات التداول الأخيرة إلى مسرح لعمليات تصفية واسعة النطاق، حيث فقدت السوق قدرتها على التماسك السعري أمام أي هزة خارجية نتيجة غياب صانع السوق الحقيقي وتراجع دور المؤسسات المحلية الداعمة.
ومع تفاقم هذه الأوضاع، باتت الارتفاعات التي تسجلها البورصة في بعض الفترات مجرد قفزات ورقية ناتجة عن تراجع قيمة العملة المحلية، سرعان ما تتبخر مع أول موجة جني أرباح أو ضغوط بيعية تمتد لأكثر من جلسة.
وبالتالي، فإن استمرار اللون الأحمر على شاشات التداول يبرهن على أن المعالجات النقدية والمالية الحالية تفتقر إلى الرؤية طويلة الأمد، وتترك صغار المستثمرين فريسة لتقلبات حادة تلتهم مدخراتهم دون وجود مظلة حماية تنظيمية فعالة.
انهيارات حادة تضرب قطاعات الطاقة والصناعة
وفي سياق متصل، تصدر حق اكتتاب «قرة لمشروعات الطاقة» قائمة الأوراق المالية الأكثر تراجعًا خلال الجلسة بعد هبوطه الحاد بنسبة 15.82%، ليعكس حجم العزوف عن ضخ سيولة جديدة في الاكتتابات وزيادة رؤوس الأموال بالوقت الراهن.
علاوة على ذلك، لحق سهم «إم بي للهندسة» بركب الخسائر الفادحة مسجلًا انخفاضًا قدره 13.72%، تلاه سهم «العربية للصناعات المعدنية» الذي هوى بنسبة 10.08%، في ضربة موجعة لأسهم القطاعين الهندسي والصناعي داخل المقصورة.
ولم تتوقف التراجعات عند هذا الحد، إذ هبط سهم «دلتا للطباعة والتغليف» بنسبة 9.45%، بينما خسر سهم «مطاحن ومخابز جنوب القاهرة والجيزة» نحو 9.03% من قيمته، مما يظهر امتداد النزيف إلى القطاعات السلعية والخدمية الأساسية.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل، أن التراجعات القاسية التي طالت أسهم الصناعة والطاقة والمطاحن تبرهن على حجم الأعباء التشغيلية والتمويلية التي تثقل كاهل الشركات المقيدة جراء السياسات الاقتصادية الراهنة.
كما يشير الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج، إلى جانب القيود المفروضة على التمويل الصناعي، أضعف المراكز المالية للشركات وجعل أسهمها عرضة للانهيار السريع مع أي موجة بيعية.
ومن ناحية أخرى، يعكس هبوط حقوق الاكتتاب وأسهم الشركات الصناعية بنسب تتجاوز 10% حالة اليأس التي تسيطر على المتعاملين إزاء قدرة هذه الكيانات على تحقيق هوامش ربحية حقيقية في ظل الركود التضخمي الذي يضرب الأسواق.
وإلى جانب ذلك، فإن غياب الحوافز الضريبية والاستثمارية الموجهة للشركات الإنتاجية المدرجة بالبورصة جعل الاستثمار في الأسهم الصناعية مغامرة محفوفة بالمخاطر، لا سيما مع تآكل القوة الشرائية في السوق المحلية وتراجع معدلات الطلب الكلي.
لذلك، يدفع المستثمرون ثمن التوجهات الحكومية التي ركزت على الجباية وتحصيل الرسوم دون النظر إلى عواقب ذلك على تنافسية الشركات المقيدة، وهو ما ترجمته شاشات التداول إلى خسائر متتالية استمرت على مدار الجلسات الماضية.
وهكذا، أصبحت الأسهم الإنتاجية التي يفترض أن تشكل عصب الاقتصاد الحقيقي في مقدمة الخاسرين، بعد أن تخلت السياسات العامة عن دعم القطاع الصناعي وتركته يواجه أزمات التضخم وارتفاع تكاليف التمويل بمفرده.
ضغوط بيعية تطال القطاعين العقاري والمالي
وعلى صعيد متصل، طالت موجة الهبوط أسهم القطاعين العقاري والمالي، حيث تراجع سهم «الاستثمار العقاري العربي إليكو» بنسبة 9.43%، وسط مخاوف متزايدة من تباطؤ المبيعات العقارية وتفاقم أزمة السيولة لدى شركات التطوير العقاري بالسوق.
وبالمثل، انخفض سهم «العالمية للاستثمار والتنمية» بنسبة 8.77%، فيما تراجع سهم «بنك التعمير والإسكان» بنسبة 8.40%، لتؤكد هذه الأرقام أن الضغوط البيعية لم تستثنِ المؤسسات المصرفية والشركات الاستثمارية الكبرى خلال تعاملات منتصف الجلسة.
وحول هذه التطورات، يوضح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق، أن تراجع الأسهم العقارية والمصرفية بهذه النسب يعكس فشل الرهان الحكومي على الاقتصاد الريعي والمشروعات العقارية كقاطرة وحيدة للنمو.
إضافة إلى ذلك، يبين وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق أن مزاحمة الجهات الحكومية للقطاع الخاص في الأنشطة العقارية والمالية أدت إلى تشويه آليات السوق، وأفقدت البورصة جاذبيتها كمنصة عادلة لتعبئة المدخرات وتمويل التوسعات الاستثمارية.
ومن ثم، فإن استمرار الضغوط على السوق خلال الجلسة الحالية والسابقة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بارتفاع الدين العام وتوجيه الجزء الأكبر من السيولة المصرفية لتمويل عجز الموازنة، بدلًا من ضخها في شرايين السوق المالي والقطاعات الإنتاجية.
ورغم محاولات تبرير هذا التراجع بالحذر السائد بين المستثمرين جراء التوترات الجيوسياسية في المنطقة، فإن عمق الخسائر واتساعها ليشمل 135 سهمًا يؤكدان أن الأزمة هيكلية وتنبع من اختلالات السياسة الاقتصادية الداخلية بالأساس.
غير أن استمرار التباطؤ في معالجة هذه الاختلالات الهيكلية ينذر بمزيد من موجات التخارج خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع غياب أي برنامج إصلاحي جاد يعيد هيكلة بيئة الأعمال ويمنح المستثمرين ضمانات حقيقية لاستقرار السوق.
وفي ضوء هذه المؤشرات السلبية، تظل البورصة المصرية رهينة لسياسات اقتصادية تفتقر إلى الكفاءة والشفافية، حيث تتوالى الجلسات الخاسرة التي تستنزف رؤوس الأموال السوقية وتعمق من حالة الركود والارتباك في المشهد المالي.
وأخيرًا، فإن وقف هذا النزيف المتواصل يتطلب تغييرًا جذريًا في فلسفة الإدارة الاقتصادية الحالية، عبر إنهاء هيمنة المشروعات غير ذات الجدوى وتخفيف الأعباء المالية، قبل أن تفقد سوق المال وظيفتها الاستثمارية بشكل كامل.

