وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

انتهت في مصر خمسة أيام من الكذب الفخم، تطلبت إنفاقًا يتجاوز في حدوده الدنيا عشرات الملايين من الجنيهات، لكي يحدّث المؤتمرون عموم الشعب المصري عن الظروف الاقتصادية الصعبة، وضرورة احتضان الشعب الحكومة، رفعًا لمعنوياتها، كي تمرّ الأزمة العاصفة التي هبطت بقيمة الجنية أمام الدولار الأميركي إلى حدود مقلقة. كان المتصوّر والحال كذلك أن تستثمر السلطة وجود عشرات الكفاءات النادرة في الاقتصاد والسياسة التي دعيت إلى ذلك "المنتدى"، فيتحدّثون عن حلول وبرامج وخطط للمواجهة، غير أن المدعوين الذين ذهبوا على نفقتهم الخاصة اكتشفوا أنهم ليسوا سوى قطع من الديكور لاستكمال تجهيز مسرح النجم الأوحد، من دون أن يسمح لهم بالكلام.

 

انفضّ السامر عن نتيجة واحدة، تعديل في اسم نجم الحفلة إلى" فخامة الزعيم الرئيس" الذي حوّل المناسبة إلى شيءٍ يشبه حفلات إشهار نسخة من "الأعمال الكاملة" للشخص الواحد بين غلافي كتاب واحد، بعد أن كانت متناثرةً 14 عامًا، من خلال مناسبات ومنابر مختلفة، من دون تغيير في الأداء، إذ بدا طوال هذه السنوات مثل مثل مطرب يردد أغنية وحيدة، يتيمة، في كل ما يدعو و يُدعى إليه، أو يحضره، من فعاليات، بلا تغييرٍ في الكلمات والألحان والتوزيع، مع مضمونٍ واحد لا يخرُج عن صبّ اللعنات علي ثورة يناير، والتحذير من المؤامرات الكونية التي يشارك فيها تنظيم الإخوان المسلمين، ثم إغراق المسرح بسيول من الأرقام الدالّة علي عبقرية النظام وحكومته وروعة إنجازاته غير المسبوقة في تاريخ الأمم، والتي صار منها أنه أكثر من تحدّث وخطب في الجمهور.

 

المفاجأة الصادمة هنا أن كل ذلك الحديث، قديمه وجديده، كان حرثًا في البحر وكتابةً على الهواء، إذ لا يزال المتحدّث يشكو، بعد كل هذه الأعوام، من الشعب لا يصدّق ما يسمع، ويسخر من كل ما يلقى عليه من بياناتٍ عن الإبداع الحكومي الرهيب. وبدلًا من أن يحاول التفكير بعقلانيةٍ في ردم هذه الفجوة يلجأ إلى إثارة مزيدٍ من السخرية، حين يرجع الأمر إلى الأشرار الذين يحوّلون بين حكاوى الزعيم وعقول الناس وقلوبهم.

 

استباقًا للمنتدى، نفذ أصحابه عملية خاطفة لإغلاق نوافذ وإسكات منصّات مهمّة مشهود لها بالمهنية والمصداقية، تخصّصت في كشف الأكاذيب وتمحيص الأرقام والبيانات الوهمية التي يطاردون بها الناس، والكلام هنا عن منصّة "متصدقش" التي جرت عملية اعتقال كامل هيئتها التحريرية، وأيضًا موقع "مدى مصر" والذي أحيلت رئيس تحريره إلي المحاكمة العاجلة، مع بدء انعقاد منتدى "الشهد والدموع"، حيث البيانات والأكاذيب الفخيمة، ولكي يتسنّى لهم قصف الوعي العام برشقات من الأرقام والإنجازات من دون أن يراجعهم أحد، ولكي يخرُج رئيس الوزراء علي الناس في دور درامي جديد، يذرف فيه الدموع ساخنة علي سيارة السيد الوالد التي استولت عليها ثورة يناير عام 2011 ولم تردّها بعد، ثم يبكي مرّة أخرى حبًا في "فخامة الرئيس جابر خواطر الناس"، قبل أن يضع بين يديه كتابًا لا يقلّ فخامةً بعنوان"للتاريخ" يرصد ويؤرّخ فيه لإنجازات فخامته، تمامًا مثلما فعلها أستاذه ومعلمه أحمد نظيف في سنة حسني مبارك الأخيرة في الحكم، حين وضع كتابًا ضخمًا اختار له عنوانًا يقول "ستون إنجازًًا في ستين شهرًا"، لم يغادر كبيرة ولا صغيرة فى ذلك العصر إلا واعتبرها إنجازًا، بدءًا من استيقاظ الرئيس والحكومة باكرًا، إلى إصلاح الأجور و إنعاش الدور الريادى لمصر، مرورًا بالإنجازات العملاقة فى التعليم والصحة والإسكان والمياه والصرف الصحي، وهي الإنجازات الهائلة التي لم يتحملها الشعب المصري، فخرج في ثورة شعبية، هي الأكبر في تاريخها، انتهت بإسقاط النظام الذي ألهب ظهور الجماهير بإنجازاته.