تتصاعد أزمة حجز الوحدات السكنية المخصصة للموظفين المنتقلين إلى العاصمة الإدارية الجديدة، عقب استيلاء الجهات الحكومية على أموال 11 ألف موظف سددوا 5.5 مليار جنيه، وسط تلاعب واضح بالقواعد التعاقدية المنظمة لعملية التخصيص.
​
​
وتفرض وزارة الإسكان والمرافق واقعاً قسرياً بإلغاء نظام التخصيص الإلكتروني المعتمد مسبقاً، واللجوء المباشر إلى نظام القرعة العلنية، مما يطيح بحقوق آلاف المتقدمين الذين التزموا بسداد دفعات مقدمة بلغت 500 ألف جنيه لكل موظف.
​
​
احتجاز مليارات الجنيهات دون عوائد
​
​
وفي هذا السياق، تحتجز الحكومة داخل خزائن بنك التعمير والإسكان مبالغ ضخمة تصل إلى 5.5 مليار جنيه منذ نحو 9 أشهر كاملة، دون منح الموظفين المتضررين أي عوائد بنكية تعوض تآكل القيمة الشرائية لمدخراتهم.
​
​
علاوة على ذلك، يتجاهل المسؤولون في حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي المطالبات المتكررة بتحرير هذه الأموال المجمدة، ليبقى 11 ألف موظف رهائن لقرارات إدارية متخبطة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية المالية والمحاسبية.
​
​
ومن ناحية أخرى، يستفيد القطاع المصرفي الحكومي من تشغيل هذه السيولة النقدية الضخمة طوال 9 أشهر متواصلة، بينما يتحمل الموظفون وحدهم أعباء القروض والديون التي تكبدوها لتدبير مبلغ 500 ألف جنيه كشرط أساسي للحجز.
​
​
وبناءً على ذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالحافظ الصاوي، الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية، أن تجميد 5.5 مليار جنيه لمدة 9 أشهر دون فوائد يمثل استغلالاً مالياً غير مشروع، واقتراضاً إجبارياً مجانياً لصالح الخزانة الحكومية.
​
​
فضلاً عن ذلك، يوضح الدكتور عبدالحافظ الصاوي أن حرمان 11 ألف موظف من عوائد أموالهم في ظل التضخم المرتفع، يعكس سياسة الجباية التي تنتهجها المؤسسات الرسمية لتغطية عجز السيولة على حساب مدخرات العاملين بالدولة.
​
​
ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل تواصل الجهات المعنية المماطلة في حسم مصير الوحدات السكنية، رافضة تقديم جدول زمني واضح لإنهاء الأزمة أو تعويض المتضررين عن الخسائر المالية الناتجة عن تجميد أموالهم.
​
​
إهدار المراكز القانونية وكراسة الشروط
​
​
ومن جهة أخرى، تضرب وزارة الإسكان عرض الحائط ببنود كراسة الشروط التي طرحتها كمرجعية تعاقدية أساسية، والتي نصت بشكل قاطع على أن تخصيص الوحدات السكنية يتم وفقاً لقاعدة أسبقية الحجز الإلكتروني عبر المنصة الرسمية.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، فوجئ المتقدمون بقرار منفرد يلغي التخصيص الإلكتروني ويفرض نظام القرعة، رغم إتمامهم كافة الإجراءات القانونية وسداد مبلغ 500 ألف جنيه بناءً على الشروط المعلنة التي تحظر التعديل الانفرادي لبنود التعاقد.
​
​
وفي السياق ذاته، تقدمت النائبة إيرين سعيد، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة رسمي موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الإسكان ووزير الاتصالات، لمساءلة الحكومة حول الأساس القانوني لإلغاء الحجز الإلكتروني والتلاعب بحقوق الموظفين.
​
​
ومع ذلك، يواجه طلب الإحاطة تجاهلاً متعمداً داخل أروقة البرلمان، حيث لم يُطرح الملف للمناقشة أمام اللجنة المختصة حتى الآن، مما يعزز الشكوك حول وجود توجه رسمي للتغطية على المخالفات القانونية والإدارية لوزارتي الإسكان والاتصالات.
​
​
وفي هذا الصدد، يبين المستشار القانوني الدكتور ثروت نافع، الخبير في القانون الدستوري والإداري، أن تغيير آلية التخصيص بعد سداد الأموال وإتمام الإجراءات، يشكل اعتداءً صارخاً على المراكز القانونية المستقرة التي نشأت بموجب كراسة الشروط.
​
​
وعلى صعيد متصل، يشدد الدكتور ثروت نافع على أن امتناع الحكومة عن الالتزام بقاعدة أسبقية الحجز يبطل قرار التحول إلى القرعة، ويمنح 11 ألف موظف الحق القانوني الكامل في مقاضاة الجهات الإدارية والمطالبة بالتعويض.
​
​
غياب الشفافية حول الأعطال التقنية
​
​
وعلى المستوى التقني، تتذرع الجهات الحكومية بوقوع أعطال فنية لتبرير قرار إلغاء التخصيص الإلكتروني، دون أن تصدر أي تقرير فني مستقل يثبت صحة هذه المزاعم، أو يحدد طبيعة الخلل ونطاق تأثيره على عملية الحجز.
​
​
ورغم تلك المزاعم، تلقى آلاف الموظفين رسائل نصية رسمية عبر منصة مصر الرقمية تؤكد نجاح عمليات الحجز الخاصة بهم، كما حصلوا على أكواد مرجعية تثبت إتمام الإجراءات بنجاح وفقاً للقواعد التقنية المقررة سلفاً.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، تلتزم وزارتا الإسكان والاتصالات صمتاً مطبقاً إزاء مصير هذه الأكواد الرسمية، وترفضان تقديم أي إيضاحات فنية للبرلمان أو الرأي العام حول كيفية صدور تأكيدات حجز رسمية من منصة تدعي الحكومة تعطلها.
​
​
ومن زاوية أخرى، يشير المهندس تامر محمد، خبير تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي، إلى أن غياب تقرير فني محايد يفسر أسباب إلغاء الحجز الإلكتروني، يفرغ ادعاءات الأعطال التقنية من مضمونها ويجعلها مجرد مبرر لإلغاء النتائج الفعلية.

 

واستكمالاً لهذا الطرح، يؤكد المهندس تامر محمد أن صدور أكواد تأكيد عبر منصة مصر الرقمية يعني اكتمال الدورة المستندية إلكترونياً، وأن التراجع عنها يهدم الثقة في البنية التحتية الرقمية للدولة ويثبت غياب الحوكمة التقنية.
​
​
ونتيجة لكل هذه الممارسات، يقف 11 ألف موظف في العاصمة الإدارية الجديدة أمام مصير مجهول، بعدما تحولت وعود الاستقرار السكني إلى أزمة مالية وقانونية خانقة، وسط تعنت حكومي يرفض الاعتراف بالحقوق المكتسبة أو رد الاعتبار للمتضررين.