تبتلع المؤسسات الحكومية في مصر نصيب الأسد من مخصصات الدعم التي يفترض توجيهها للفقراء، بينما تروج سلطة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي منذ يوليو الماضي لخطاب التقشف، مكتفية بمنح الأسر التموينية الفتات من الزيت والسكر والأرز المعمول بها منذ الحرب العالمية الثانية.
وبينما تحصر بيانات موازنة العام المالي 2026/2027 تكلفة البطاقات التموينية لخدمة 61 مليون مواطن في 36 مليار جنيه فقط، فإن إجمالي الدعم المعلن يقفز إلى 837 مليار جنيه، مما يعني حصول بطاقات التموين على 4% وتبخر 801 مليار جنيه في دهاليز أخرى.
الوزارات والهيئات تقتسم كعكة الدعم الحكومي
وفي هذا الصدد، تستحوذ الوزارات والأجهزة الحكومية على 128 مليار جنيه من كعكة الدعم، في مفارقة يتجاهلها البرلمان والإعلام والوزراء وصندوق النقد الدولي، حيث تحصل هيئة تنشيط السياحة وحدها على 4.420 مليار جنيه، ومصلحة الضرائب على 1.686 مليار جنيه.
وعلاوة على ذلك، تمتد قائمة المستفيدين لتشمل الهيئة الوطنية للصحافة بنحو 1.232 مليار جنيه، والمجلس الأعلى للإعلام بمبلغ 338 مليون جنيه، ومصلحة الجمارك بقيمة 547 مليون جنيه، وهيئة الرقابة المالية بنصيب 251 مليون جنيه، ودار الأوبرا بنحو 135 مليون جنيه، ومصلحة السجون بمبلغ 101 مليون جنيه.
ومن زاوية أخرى، تتجلى الفجوة حين يحصل الفرد بالبطاقة التموينية على 50 جنيها شهريا لأول 4 أفراد بالأسرة و25 جنيها لما زاد عن ذلك، في حين تلتهم مكاتب التمثيل التجاري بالخارج 100 مليون جنيه، وهو مبلغ يعادل مخصصات 2 مليون مواطن فقير شهريا.
وبالنظر إلى تفاصيل الوزارات، تتصدر وزارة التضامن الاجتماعي المشهد باقتناص 47.5 مليار جنيه موجهة لإعانات تكافل وكرامة، تليها وزارة الصحة بنصيب 26 مليار جنيه للعلاج على نفقة الدولة، ثم وزارة الإسكان بمبلغ 9 مليارات جنيه لصندوق الإسكان الاجتماعي، والتربية والتعليم بنحو 7 مليارات جنيه.
وفضلا عن ذلك، تحصد وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية 5.4 مليار جنيه لدعم المصدرين من رجال الأعمال عبر صندوق تنمية الصادرات، وتنال وزارة الطيران المدني 5 مليارات جنيه لصندوق دعمها، بينما تحصل وزارة السياحة والآثار على 4.4 مليار جنيه لتحفيز الطيران العارض وتخفيض تكلفة رحلات السياح الأجانب.
وبالإضافة إلى ما سبق، تنتزع وزارة الداخلية 3.8 مليار جنيه، ووزارة المالية 2.5 مليار جنيه، ووزارة الأوقاف 2.3 مليار جنيه، بينما تحصل وزارة الشباب والرياضة على 1.6 مليار جنيه، وتتقاسم وزارتا التعليم العالي والأزهر 1.2 مليار جنيه لكل منهما، وتنال الخارجية 1.1 مليار جنيه.
أما على صعيد المخصصات الأقل من مليار جنيه، فتتصدرها وزارة التنمية المحلية بنصيب 634 مليون جنيه، تليها وزارة العدل بمبلغ 601 مليون جنيه، ثم وزارة الثقافة بنحو 435 مليون جنيه، ووزارة الزراعة بقيمة 383 مليون جنيه، ووزارة التموين ذاتها بمبلغ 182 مليون جنيه فقط.
وإلى جانب ذلك، تتساوى وزارتا الري والبيئة في الحصول على 140 مليون جنيه لكل منهما، وينال البحث العلمي 62 مليون جنيه، والكهرباء 19 مليون جنيه، والتخطيط 18 مليون جنيه، والصناعة 16.5 مليون جنيه، والاتصالات 11 مليون جنيه، والعمل 8 ملايين جنيه.
وكذلك تحصل وزارة النقل على 7 ملايين جنيه، ووزارة الدفاع على أقل من 5 ملايين جنيه، والشؤون النيابية على 3 ملايين جنيه، بينما تذهب مخصصات خارج الوزارات لهيئة سلامة الغذاء بقيمة 120 مليون جنيه، ورئاسة الجمهورية بنحو 85 مليون جنيه، والرقابة الإدارية بمبلغ 70 مليون جنيه.
ومن ناحية أخرى، يقتنص مركز معلومات مجلس الوزراء 41 مليون جنيه، والمجلس القومي للمرأة 15 مليون جنيه، في حين يتوزع نصيب وزارة المالية البالغ 2.514 مليار جنيه ليمول الأندية الاجتماعية للمصالح الضريبية، بواقع 1.686 مليار جنيه للضرائب، و547 مليون جنيه للجمارك، و137 مليون جنيه لديوان الوزارة.
واستكمالا لهذا التوزيع، تحصل الضرائب العقارية على 124.5 مليون جنيه، والخزانة العامة على 10 ملايين جنيه، وهيئة الخدمات الحكومية على 6 ملايين جنيه، وجهاز الأموال المستردة على 3 ملايين جنيه، بينما تقسم وزارة العدل نصيبها البالغ 601 مليون جنيه ليخص ديوانها العام 225 مليون جنيه.
وفي السياق ذاته، ينال القضاء والنيابة العامة 185 مليون جنيه، وهيئة قضايا الدولة 113 مليون جنيه، ودار الإفتاء 37.5 مليون جنيه، وصندوق أبنية المحاكم 30 مليون جنيه، ومجلس الدولة 6 ملايين جنيه، والنيابة الإدارية 4 ملايين جنيه من كعكة وزارة العدل.
وعلى المنوال نفسه، تفتت وزارة الثقافة مخصصها البالغ 435 مليون جنيه بين دار الأوبرا بنصيب 135 مليون جنيه، ومكتبة الإسكندرية بمبلغ 53 مليون جنيه، وديوان الوزارة بقيمة 49 مليون جنيه، وصندوق مكتبات مصر وهيئة قصور الثقافة بواقع 32 مليون جنيه لكل منهما.
كما يذهب 31.5 مليون جنيه للمجلس الأعلى للثقافة، و20 مليون جنيه لكل من البيت الفني للمسرح وهيئة الكتاب، و11 مليون جنيه للبيت الفني للفنون الشعبية، و9 ملايين جنيه لأكاديمية الفنون، و7 ملايين جنيه لدار الكتب، ويتوزع الباقي على جهات أخرى بالوزارة.
وتعليقا على هذا المسار، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق، أن إدراج نفقات تسيير الدواوين الحكومية والأندية الفئوية تحت مظلة الدعم يزيف حقيقة الموازنة، ويحول أموال الحماية الاجتماعية إلى امتيازات بيروقراطية تحرم الطبقات المسحوقة من حقوقها.
الهيئات الاقتصادية تستحوذ على مخصصات الطاقة والغذاء
وعلى صعيد متصل، تلتهم الهيئات الاقتصادية والشركات القابضة التي تشرف عليها الوزارات نحو 438 مليار جنيه من الدعم، وهو ما يفسر حصول ديوان وزارة الكهرباء على 19 مليون جنيه فقط، بينما توجه الموازنة 104 مليارات جنيه للشركة القابضة للكهرباء لتوزيعها على شركات الإنتاج.
وبالمثل، تغيب وزارة البترول عن قائمة الوزارات المدعومة مباشرة، في حين تقتنص هيئة البترول 15.8 مليار جنيه لدعم المنتجات البترولية، وتحصل الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي على 5 مليارات جنيه، وتنال الشركة القابضة للغاز 3.5 مليار جنيه لتوصيل الغاز للمنازل.
علاوة على ما تقدم، تستحوذ هيئة التأمين الاجتماعي على 241 مليار جنيه لدعم المعاشات، وتوجه الموازنة 178 مليار جنيه لهيئة السلع التموينية لدعم البطاقات والخبز معا، بينما تحصل هيئة الأنفاق على 1.7 مليار جنيه للمترو، والسكة الحديد على 5.6 مليار جنيه، ونقل القاهرة على 2 مليار جنيه.
وفي هذا الإطار، يوضح الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن توجيه مئات المليارات للهيئات الاقتصادية يمثل تغطية لعجزها الهيكلي وفشل إدارتها، مما يحمل المواطن فاتورة الترهل المؤسسي تحت لافتة الدعم الزائفة.
اختلال الأولويات وتهميش التعليم والصحة في الموازنة
ومن جهة أخرى، تفضح الأرقام خللا فادحا في عدالة التوزيع، حيث يغدق النظام على صندوق مباني وزارة الخارجية بالخارج بنحو 282 مليون جنيه، بينما لا تحصل هيئة الأبنية التعليمية المسؤولة عن بناء الفصول الدراسية بالبلاد إلا على 50.5 مليون جنيه فقط.
وبينما تحصد مصلحة الري 123 مليون جنيه، تكتفي هيئة الخدمات البيطرية بنحو 3 ملايين جنيه، وينال الجهاز المركزي للتعمير 125 مليون جنيه مقابل أقل من 3 ملايين جنيه لهيئة الإسعاف، وتحصل هيئة تطوير الأحوال المدنية بالداخلية على 120 مليون جنيه مقابل 11 مليون جنيه لأكاديمية البحث العلمي.
وإضافة إلى هذه المفارقات، تقتنص وكالة الشراكة من أجل التنمية 207 ملايين جنيه مقابل 8 ملايين جنيه للمركز القومي للبحوث، وتستحوذ مديريات الشباب والرياضة بالمحافظات البالغ عددها 27 محافظة على 130 مليون جنيه، مقابل 7 ملايين جنيه للطب البيطري، و6 ملايين جنيه لمديريات الزراعة.
وكذلك تتقزم مخصصات مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات عند 5.5 مليون جنيه، ومديريات العمل عند 5 ملايين جنيه، والإسكان عند 3 ملايين جنيه، والتموين عند 2 مليون جنيه، والطرق عند 1 مليون جنيه، بينما تمنح المستشفيات الجامعية الفتات، حيث يحصل مستشفى كفر الشيخ الجامعي على 15 ألف جنيه فقط.
وفي نفس السياق المهين للصحة، ينال مستشفى السويس الجامعي 50 ألف جنيه، ومعهد الكبد القومي بالمنوفية 70 ألف جنيه، ومستشفى بنها الجامعي 110 آلاف جنيه، ومستشفى أسوان التعليمي 140 ألف جنيه، ومستشفيات جامعة قناة السويس 200 ألف جنيه، ورمد كفر الشيخ 220 ألف جنيه، وبني سويف الجامعي 270 ألف جنيه.
وبالنظر إلى الصورة الكلية، يبلغ إجمالي الاستخدامات بالموازنة 8.2 تريليون جنيه، تلتهم أقساط الديون منها 2.8 تريليون جنيه، وفوائد الديون 2.4 تريليون جنيه، ليقتنص الدائنون 64% من الإنفاق، بينما يحل الدعم ثالثا بقيمة 837 مليار جنيه بنسبة 10.2%، تليه أجور العاملين بنحو 823 مليار جنيه.
وإلى جانب ذلك، تخصص الموازنة 554 مليار جنيه للاستثمارات الحكومية، و294 مليار جنيه لشراء السلع والخدمات، و261 مليار جنيه للمصروفات الأخرى شاملة الدفاع والمجالس النيابية والضرائب الحكومية، و190 مليار جنيه لمساندة الهيئات الاقتصادية، ليتضح أن دعم الغذاء والخبز البالغ 178 مليار جنيه يمثل 21% فقط من الدعم.
ونتيجة لهذه السياسات، يتضاءل الدعم الغذائي الشامل لبطاقات التموين البالغة 36 مليار جنيه والخبز البالغ 142 مليار جنيه، ليصبح 2.2% فقط من إجمالي إنفاق الموازنة، و5% فقط من حصيلة الضرائب والرسوم التي يسددها المصريون والبالغة 3.5 تريليون جنيه خلال العام المالي الحالي.
وحول هذه الأرقام، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور إلهامي الميرغني، الباحث في العدالة الاجتماعية والموازنات العامة، أن تحصيل 3.5 تريليون جنيه ضرائب من جيوب المواطنين ثم رد 2.2% فقط من الإنفاق كغذاء يكشف انحياز السلطة للدائنين ومؤسساتها على حساب بطون الجائعين.

