سخر الله سبحانه وتعالى لعباده ما في هذا الوجود الفسيح من موارد طبيعية وثروات باطنية ومواد أولية مما تنبت الأرض وتخرج البحار، ليتخذ منها الإنسان وسيلة لإدامة حياته وإعمار كونه بما يرضي خالقه.
وإن أهل الإيمان هم أحق الخلق بالنهوض بهذه الأمانة واستثمار تلك الهبات الربانية؛ فإن إعلاء كلمة التوحيد في الأرض لا يقوم بالأماني المجردة، بل بالاستخلاف الواعي الذي يحول نعم الكون إلى أدوات نصر وشواهد عمارة وركائز للقوة.
ومن هذا المنطلق الواضح، ترتقي الصناعات التحويلية واستثمار الخامات الأرضية لتغدو في ميزان الإسلام من أسمى سبل التمكين وأوثق عرى بناء القوة المادية؛ إذ لا تنفك القوة المعنوية الإيمانية عن درع مادي يحميها ومضاء دنيوي يدعمها.
فالأمة التي تمتلك زمام التصنيع وتملك أسباب الإنتاج هي وحدها القادرة على تحقيق استقلالها وصيانة بيضتها وحسم الصراع مع قوى البغي، متخذة من العمل وسيلة للتكامل الحضاري وإحقاق الحق.
وقد وجه القرآن الكريم بصائر المؤمنين إلى إدراك عمق الارتباط بين سنن الدين وسنن التمكين، حيث تشابكت آيات الوحي مع فنون التصنيع وتطويع المعادن القاسية لصياغة السلاح وأدوات السلم على حد سواء.
وإن التفات المسلم إلى هذه الموارد وتطوير تقنيات استخراجها وتشكيلها ليس مجرد كسب دنيوي عابر، بل هو عبادة استخلافية تقتضي شكر المنعم، وتدفع بالأمة لتقف في صدارة المشهد الحضاري بقوة الردع ورعاية العدل وبناء الدول الراشدة.
صُنعة اللبوس وكرامة الحرفة وبلاغ الشكر
لقد ارتقى الإسلام بقيمة الحرف والصنائع حتى جعلها من هدي الأنبياء وسبيل المتقين، مبرزًا براعة نبي الله داود عليه السلام حين ألهمه الله ابتكار الدروع الواقية وسرد حلقاتها؛ وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) [الأنبياء:80].
فقد كان الناس قبله يصنعون الدروع صفائح مصمتة تثقل الكواهل وتعوق الحركة، فكان داود عليه السلام أول من حلقها وسرد عراها بمهارة فائقة ومرونة محكمة، فغدت تلك الصنعة نعمة ممتدة على سائر المقاتلين على مر العصور، توفر لهم الوقاية والأمان في ميادين الدفاع عن الحق.
وهذه النعمة تقتضي وجوب شكر المنعم سبحانه على ما يسره من أسباب الحماية والمنعة، كما تستوجب لزوم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به ونهى عنه، إذ جاء الاستفهام القرآني: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) حثًا للأفئدة على الامتنان العملي والطاعة المستمرة. كما تنهض الآية الكريمة حجة بالغة على مشروعية اتخاذ الأسباب وإتقان المهن؛ فالأسباب سنة الله المطردة في خلقه، وهي شهادة تكريم للعاملين وأصحاب الحرف بأن السعي شرف وابتغاء الكرامة في عرق الجبين فضيلة.
وفيها دعوة حاسمة لأهل الإيمان إلى الإبداع في إعداد الجيوش وتسليحها بأحدث العتاد، لتكون القوة العسكرية رديفة لقيم الإيمان وقائدة لمحاربة الفساد تحت مظلة شريعة الرحمن.
تطويع المعدن وتسييله وتكامل الإتقان بالعمل الصالح
امتد فضل الله تعالى على نبيه داود عليه السلام فوهبه ما تجاوز الملك والسلطان ومقام النبوة والاصطفاء، بأن هداه لأعظم أسرار القوة المادية، كما نطق بذلك الذكر الحكيم: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سبأ: 10-11]. إن إلانة هذا الخام الصلب وتسييله لداود، أو إلهامه كيفية صهره وتطويعه، شكل نقلة نوعية في تاريخ البناء والتشييد؛ إذ لا قيمة لوجود الثروات في باطن الأرض ما لم تصادف يدًا تعرف كيف تستخرجها وعقلاً يتقن سبكها وتوظيفها في إرساء دعائم النهضة وحسم معارك الحق والباطل.
ويقف المسلم متأملاً ذلك الربط القرآني المعجز بين إتقان الصناعة والتحلي بالتقوى؛ فقد أمره ربه بالدقة في التقدير والسرد وصناعة الدروع السابغات تامة التغطية، ثم ثنّى مباشرة بالأمر الجازم: (وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
إن هذا الاقتران يرسخ مبدأ إسلاميًا أصيلاً مؤداه أن التطور التقني والعسكري لا ينبغي أن ينفصل عن الرقابة الإلهية والمقاصد الأخلاقية، حتى لا تتحول القوة إلى أداة بطش وعدوان، بل تظل حضارة إيمانية عادلة تجمع بين التفوق الصناعي والمنهج الرباني الرشيد.
ميزان القسط وبأس الردع لبناء الحضارة ونصرة الرسالة
تتجلى أبعاد هذا المنهج الحضاري في قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحديد:25].
ويوضح المفكر الدكتور عماد الدين خليل دلالة هذه الآية وتسمية سورة كاملة باسم هذا الخام الحيوي، متسائلاً: هل ثمة أكثر دلالة على ارتباط المسلم بعمارة الأرض من هذا التنزيل؟ وهل من برهان أسطع على نزعة التحضر والإبداع التي جعلها الإسلام سلوكًا إيمانيًا من عرض هذا الخام بنعمتيه المتلازمتين: (البأس الشديد) المتمثل في الردع والتسلح العسكري لترهيب المعتدين، و(المنافع) التي يستند إليها الإنسان في كل مرافق البناء والتنمية السلمية في ميادين القوى الدولية سلماً وحرباً.
إن الدولة المعاصرة التي تستثمر خاماتها وتملك أسرار تصنيعها هي المؤهلة لتأمين سيادتها وفرض هيبتها وإرهاب أعدائها بعتادها الثقيل، وهي التي تخطو بثقة لتتبوأ مكانتها بين الأمم الصناعية الكبرى التي تجعل من هذه الصناعات عمودها الفقري.
ويبرز الترابط الوثيق بين إرسال الرسل بالكتب والموازين لإقامة القسط، وبين إنزال القوة المادية؛ إذ إن الحق الأعزل يسهل استباحته، ولا بقاء للعدل دون بأس يحميه.
ومن هنا فإن المسلم الرباني يعي يقينًا أن نصرة دينه تتطلب يدًا مؤمنة تروض المادة وتطوع أدوات العصر لحماية العقيدة وإقامة دولة الشريعة والعدل، تصديقًا لقوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).

