تتجلّى عظمة الله تعالى وكرمه في إسباغ نعمه الظاهرة والباطنة على عباده، تلك النعم التي تتنوع بين هداية الدّين التي تُمثّل أعظم المنن الربانية باختيار الإسلام منهجاً للخلق، وبين نعم الدّنيا التي تشمل خلق الإنسان في أحسن تقويم، وتوفير مقومات حياته من مأكل ومشرب وملبس، وتسخير الكون والحواس لخدمته.
وأمام هذا الفيض الإلهي، يتقلب المؤمن بين مقامي الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، ليدرك أن الشكر ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو ضرورة إيمانية ومفتاح للزيادة والبركة.
وتتعاظم مكانة الشكر في الإسلام لكونه نصف الإيمان وأعلى منازل السائرين إلى الله، بل هو الغاية التي خُلق لأجلها العباد، وركيزة لا تقوم إلا بتواطؤ القلب بالمعرفة والمحبة، واللسان بالثناء والحمد، والجوارح بالطاعة والانقياد.
وقد جسّد النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح هذا المفهوم واقعاً عملياً، مؤكدين أن الشكر هو الحصن الحصين الذي تُقيّد به النعم الموجودة وتُستجلب به النعم المفقودة، وأن الإعراض عنه إلى الكفر والعصيان هو السبب المباشر لزوال العطايا وتبدل الأحوال.
إن الشكر يتربع على رأس الأعمال الصالحة لاشتماله على ذكر الله الذي هو روح العبادات، وهو البوابة الواسعة لتحقيق الحياة الطيبة في الدنيا؛ تلك الحياة التي لا تُقاس بوفرة المال فحسب، بل بطمأنينة القلب، والاتصال بالله، وحلول البركة والرضا في البيوت.
وفوق ذلك كله، يدّخر الله للشاكرين جزاءً أوفى وأبقى في الدار الآخرة، مما يجعل المداومة على الحمد والشكر في كل شؤون الحياة سبيلاً للارتقاء في مدارج الإيمان ونيل السعادة الأبدية.
نِعَمُ الله بين الدّين والدّنيا وأهمية الشكر
أنعم الله تعالى وتفضّل على عباده بالكثير من النّعم والأفضال؛ فمنها ما هو متعلّق بالدّين ومنها ما هو متعلّق بالدّنيا.
وقد أكد العلماء أن أعظم نِعَم الله -عزّ وجلّ- على الإنسان هي نعمة الهداية إلى الإسلام، وهو دين الله الذي اختاره وارتضاه للخَلْق في رسالة الرّسول محمّد ﷺ.
أما نِعَم الله تعالى الدنيويّة فتتمثل في توفير الطّعام والشّراب والمأكل والملبس، وخَلْق الإنسان في أحسن تقويم، وتسخير جميع المخلوقات لخدمة العباد، فضلاً عن نعمة الجسد والسمع والبصر وباقي الحواسّ.
ولأن حال المسلم يدور بين أن يكون شاكراً لنِعَم الله تعالى أو صابراً على ابتلائه، فإن لشكر الله أهمية كبرى في حياته، خاصة حين يعلم أن الله وعده بالمزيد إن أقبل عليه بالشكر؛ قال الله تعالى: ((وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم)).
حقيقة الشكر ومنزلته العليّة في الإيمان
الشكر في جوهره هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده قولاً وعملاً، وقيل هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع.
وقد فصّل ابن القيم (رحمه الله) هذا المعنى بقوله: "الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة" (مدارج السالكين، ابن القيم ج2 ص244).
وتُعدّ منزلة الشكر من أعلى المنازل، فهي فوق منزلة الرضا؛ لأن الرضا مندرج في الشكر ويستحيل وجود الشكر بدونه.
كما أن الإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر. وقد أمر الله به ونهى عن ضدّه، وأثنى على أهله ووصف به خواصّ خلقه، وجعله غاية خلقه وأمره، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سبباً للمزيد بفضله، واشتق لهم اسماً من أسمائه، فإنه سبحانه هو "الشكور"، وهو موصل الشاكر إلى مشكوره، وأهله هم القليلون من عباده، قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]، وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152] (مدارج السالكين، ابن القيم ج2 ص586).
أركان الشكر وهَدْيُ النّبي ﷺ في تحقيقه
يدور شكر العبد على ثلاثة أركان لا يكون شكراً إلا بمجموعها، وهي: الاعتراف بالنعمة باطناً، والتحدث بها ظاهراً، والاستعانة بها على طاعة الله. وبذلك يتعلق الشكر بالقلب واللسان والجوارح؛ فالقلب للمعرفة والمحبة، واللسان للثناء والحمد، والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه.
ولعظم هذا المقام، ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) [البخاري برقم (3/40) ومسلم برقم: (17/162)].
كما وجّه النبي ﷺ أمته للاستعانة بالله على تحقيق هذه العبادة، حيث ثبت عنه ﷺ أنه قال لمعاذ (رضي الله عنه): ((والله إني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) [رواه أبو داود برقم: 1508].
الشكر قيدٌ للنعم وحصنٌ لها من الزوال
يُمثّل الشكر قيد النعم وسبب زيادتها، كما قال عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه): "قيدوا نعم الله بشكر الله".
وذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه قال لرجل من همذان: "إن النعمة موصولةٌ بالشكر، والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد" (البحر الرائق، أحمد فريد، ص216).
وقال الحسن البصري (رحمه الله): "أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر"، وقد أمر الله نبيه أن يحدّث بنعمة ربه فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث﴾ [الضحى: ١١]، فالله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لأن ذلك شكرها بلسان الحال.
وبهذا يملك الإنسان استبقاء نعمة الله عليه وزيادتها بمعرفة صاحبها وشكره، ومن أقبل على الله بملاحظة إحسانه وجب عليه شكر ما أسدى من لطائف كرمه وامتنانه، وإلا زالت عنه بسبب كفره وعصيانه؛ فمن لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها (في ظلال القرآن، سيد قطب، ج3 ص1535 - 1563).
ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: 11]، أي لا يغير ما بقوم من النعم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الشكر باشتغالهم بالمعاصي والكفر (الشكر في القرآن، كاملة حجاب، ص349).
ثمرات الشكر في الدنيا والآخرة
إن الشكر هو رأس الأعمال الصالحة؛ لأنه يشمل ذكر الله عز وجل الذي هو روح العبادات جميعها، قال تعالى مشيراً إلى ذلك: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
وبالأعمال الصالحة مع الإيمان يسعد الإنسان في دنياه وأخراه معاً، ويكون جزاؤه الحياة الطيبة في هذه الأرض؛ والتي لا يُشترط أن تكون ثرية بالمال، بل تطيب في حدود الكفاية بأشياء كثيرة كالاتصال بالله، والثقة به، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وبالصحة والهدوء والرضى والبركة التي تسكن البيوت، دون أن ينقص ذلك من الأجر الحسن في الآخرة (في ظلال القرآن، سيد قطب، ج4 ص2193).
أما في الآخرة، فللشكر أجرٌ عظيم؛ قال تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]، وهم الذين يعرفون قيمة النعمة فيشكرون الله عليها حق شكرها، فيسعدون بالحياة الطيبة والمزيد في الدنيا، وبجزاء الله الأكبر والأبقى في الآخرة (في ظلال القرآن، مرجع سابق، د1 ص486).
لذا، فمن داوم على شكر الله زاده وبارك له، وكل أمر يبدأ بالحمد لله -كالحمد عند الأكل والشرب- فهو خير وبركة، فالشكر من أعظم العبادات المقربة لله، وكلما زاد شكرنا زادت سعادتنا وارتقينا في مراتب الإيمان.
.............................
المراجع:
1- البحر الرائق في الزهد والرقائق، جمع وترتيب: أحمد فريد، (مكتبة الصحابة - جدة)، الطبعة الثانية 1411هــ - 1991م.
2- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، للإمام ابن قيم الجوزية، دار الصميعي للنشر – الرياض، الطبعة الأولى 1432هــ - 2011م.
3- في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق – مصر، ط1.
4- الشكر في القرآن، د. كاملة الأنوار حجاب، دار الأفاق العربية، ط1.

