إن القرآن الكريم اهتم اهتماماً بالغاً بنزعة التربية الاجتماعية في الإنسان، ووضع لها قواعد راسخة ودعائم متينة تضمن بناء مجتمع متلاحم، راشد، ومتحضّر. تأتي هذه الدعائم لتشكل خارطة طريق واضحة المعالم لكل داعية ومربي يسعى لإعداد جيل مؤمن وقادر على حمل الأمانة وتحقيق التمكين للشرع الحنيف في شتى البقاع والقرى والأرياف والحواضر والبوادي والمدن والبلديات.
ويستعرض هذا التقرير الدعوي المرتكزات الأساسية المستنباطة من هدي القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة، والتي تبين كيف نظم الإسلام العلاقات الإنسانية والمجتمعية، وربطها بالتربية الإيمانية العميقة، لتكون برنامج عمل متكاملاً يوزع على المشرفين والمربين في مراحل الإعداد والتربية المختلفة لبناء المجتمع الإسلامي المنشود.
تنمية الأخوة الإيمانية والتكافل والتراحم الاجتماعي
ترتكز الحاسة الاجتماعية في البشر عموماً على قاعدة تنمية حب الإنسان لأخيه الإنسان المؤمن؛ ويتضح هذا جلياً من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل إلى المدينة فآخى بين المهاجرين والأنصار في الله، وأصبحوا إخوة، وسجل ذلك في وثيقة مكتوبة، نقشت في قلب كل مؤمن، بل صاروا يتوارثون بمقتضى هذه الأخوة، وظل هذا التوارث سارياً حتى نزل قول الله تبارك وتعالى: {وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75]. فألغى التوارث، وبقيت الأخوة في الله على ما كانت عليه، من قوة ووثاقة، ولا تزال بين الواعين من المؤمنين حتى اليوم، ولقد تأكدت الأخوة بين المؤمنين بقوله سبحانه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
لقد كان من مقتضى فقه الأنصار للأخوة في الله، أن حملوا أعباء إخوانهم المهاجرين، ومدح الله سبحانه ذلك الفقه والعمل، وأثنى عليه بقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ تبوؤوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
ولم تقتصر التربية الاجتماعية على ذلك، بل عمل الإسلام على استجابة حاجات المجتمع كاستجابته لحاجات الفرد في إطار ما أحل الله، ومن أبرزها التعاون والتكافل استجابة لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]. بجانب التناصر والتواصي بالحق والصبر مصداقاً لقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ `إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ` إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1- 3]، حيث يدفِع التواصي بالحق كل مصيبة ويقضي على المنكرات، بينما يجعل التواصي بالصبر العدالة تسري في المجتمع لترتفع مظاهر الظلم وتزول العجلة.
إضافة إلى ذلك، حث الإسلام على التراحم بين أفراد المجتمع كما في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، وأثنى سبحانه وتعالى على المؤمنين المتراحمين في قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ` أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 17، 18]. ولم تحصر هذه الآيات حاجات المجتمع، بل شملت بمفهومها العام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجلب المصالح ودفع المفاسد، وتأمين العيش الكريم لكل أفراد المجتمع.
ترسخ الصفات الرفيعة وقيم الشورى والعدل
تحدد الدعامة الثالثة الصفات السامية التي يجب أن تسود المجتمع ليكون سعيداً راشداً؛ وقد تجلت هذه الصفات بوضوح في قول الله تعالى: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ `وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ` وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ `وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ` وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ `وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ` إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ` وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 36- 43].
تضمنت هذه الآيات الكريمة منظومة متكاملة من القيم والأخلاق؛ كالإيمان بالله والتوكل عليه، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والصفح والتسامح، والاستجابة لأوامر الله، وإقامة الصلاة، وممارسة الشورى في الشئون العامة والخاصة، والإنفاق في وجوه الخير. كما أشارت إلى الانتصاف من كل عدو وهو مقتضى العدل، والعفو والتسامح مع القدرة على الانتصاف وهو مقتضى الإحسان، والصبر على المظالم، والتجاوز عن الظالم لعل الله يهديه بشرط ألا يؤدي ذلك إلى الفساد والشر.
إن هذه المرتكزات العملية والنفسية تصوغ مجتمعاً إسلامياً فريداً وقوياً قادراً على مواجهة التحديات وتحقيق مقاصد الشريعة، شريطة أن يدرك المربون والدعاة خطورة هذه المرحلة وأهمية ترسيخ هذه الأخلاق والآداب في النفوس قبل الانتقال إلى مراحل التمكين الكبرى.
تأكيد خيرية الأمة الإسلامية وربطها بالمنهج الرباني
تتمثل الدعامة الرابعة في تأكيد خيرية هذا المجتمع الذي انصهر في تعاليم الإسلام الحنيف، ووضعه في مقدمة المجتمعات لقيادة البشرية كلها إلى الإيمان والمنهج الرباني، والحق والخير والصلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران: 110].
إن هذه الخيرية لا تقوم على أساس عرقي أو جنسي أو قومي أعمى، بل هي خيرية قائمة على الإيمان والعمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهي بذلك بعيدة كل البعد عن التعصبات المدمرة التي زعمتها أمة اليهود قديماً، أو انخدعت بها أمة الألمان بالعرقية منذ خمسة عقود فكفلتها وكلفت العالم كله حرباً دامية مات فيها ملايين من البشر.
هذه الدعائم الراسخة ينبغي أن يقوم عليها برنامج مرحلة التربية والإعداد، وأن توزع مفرداتها على كل المشرفين في القرى والأرياف والحواضر والبوادي والمدن والبلديات؛ إذ لا شك أن مرحلة الإعداد والتربية تعد من أهم المراحل التي تبنى عليها الأهداف السامية للوصول إلى التمكين وسيادة شرع الله على العالمين وإقامة دولة الإيمان والتوحيد في واقع الناس.
....................................
المراجع:
* تبصرة المؤمنين بفقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، د. علي محمد محمد الصلابي، مكتبة الصحابة – الإمارات الشارقة، ط1، 1422ه – 2001م.
* فقه الدعوة إلى الله، د. علي عبد الحليم محمود، دار الوفاء، مصر، طبعة 1410هـ، 1990م.

