يُحذّر الخبير العسكري والاستراتيجي خالد حمادة من تداعيات الانقسام السياسي الحاد في لبنان، مؤكدًا أن استمرار تعثر تنفيذ الالتزامات الدستورية والميدانية قد يدفع البلاد نحو منزلقات بالغة الخطورة، بالتزامن مع استمرار جولات التفاوض.
وفي هذا السياق، تتواصل المحادثات العسكرية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في مدينة تامبا الأمريكية، وسط تصاعد لافت في تبادل الاتهامات بين الجيشين بشأن التقاعس عن تنفيذ المهام الموكلة إليهما في الميدان.
مسار مفاوضات تامبا وآليات التحقق
وبناءً على ذلك، يرى الخبير العسكري أن جوهر الأزمة الراهنة يتجاوز مجرد الخلاف الفني حول الإجراءات التنفيذية المباشرة، ليرتبط بغياب قرار وطني جامع وموحد حيال بنود اتفاق الإطار ومسألة حصرية السلاح.
إلى جانب ذلك، يشير حمادة إلى ضعف ممارسة مجلس الوزراء اللبناني لصلاحياته الدستورية الأصيلة، وتخليه الواضح عن دوره في توجيه المؤسسات العسكرية والأمنية ومتابعة خططها ومراقبة أدائها ومحاسبتها بشكل مؤسسي فاعل.
واستنادًا إلى الدستور، يستعرض المحلل العسكري نصوص المادتين 49 و65 اللتين تحددان بوضوح أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الخاضعة دستوريًا وقانونيًا لسلطة مجلس الوزراء مجتمعًا دون غيره.
ومن هذا المنطلق، يوضح حمادة أن المؤسسات العسكرية والأمنية مسؤولة مسؤولية مباشرة أمام الحكومة، غير أن هذه المسؤولية لا تترجم عمليًا إلى تقييم حقيقي للمخاطر وتحديد الاحتياجات الضرورية لطلب المساعدة والدعم الدولي.
واتصالًا بهذه التطورات، تتجه الأنظار نحو مقترح آلية التحقق الدولية الذي طرحه المبعوث كليرفيلد، والمتمثل في تشكيل لجنة عسكرية متخصصة تضم أطرافًا دولية فاعلة لمراقبة وضبط المشهد الأمني في الجنوب اللبناني.
ومن هذا الباب، تضم اللجنة المقترحة ممثلين عسكريين عن بريطانيا وألمانيا وإيطاليا والمملكة الأردنية، حيث تهدف أساسًا إلى رصد ومتابعة جدية عمليات الجيش اللبناني، وضمان التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة.
وبالنظر إلى المواقف الرسمية، يستبعد الخبير العسكري رفض الدولة اللبنانية لهذه المشاركة الرباعية، مستحضرًا مباحثات سابقة أجراها رئيس الجمهورية مع دول أوروبية لنشر قوات مراقبة متخصصة ترافق الترتيبات الأمنية الراهنة ميدانيًا.
وفي ضوء ذلك، تأتي هذه الطروحات بالتزامن مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان، مما يفرض ضرورة إيجاد ترتيبات جديدة بديلة تضمن منع الانزلاق نحو فراغ رقابي ميداني.
وفي معرض تحذيره، يُنذر حمادة بأن الالتفاف على آلية التحقق أو رفضها قد يدفع واشنطن إلى التخلي عن مسار المفاوضات وترك الساحة للميدان، مما يفتح الباب واسعًا أمام تفاقم الأزمات ودخول أطراف جديدة.
معضلة حصرية السلاح والازدواجية السياسية
ومن جهة أخرى، يبرز تباين سياسي عميق داخل الساحة اللبنانية حيال تأييد اتفاق الإطار؛ حيث تكتفي بعض التيارات بدعمه الشكلي، بينما يطالب آخرون بتطبيقه الحقيقي شكلًا ومضمونًا لفرض السيادة الوطنية الشاملة والناجزة.
وتبعًا لهذا الانقسام، يتعرض مفهوم حصرية السلاح لتفسيرات متناقضة، إذ تفهمه قوى نافذة بأنه مجرد جمع للسلاح دون مصادرته الفعلية، مع إبقاء منظومة السيطرة والقرار الاستراتيجي خاضعة بشكل كامل لهيمنة حزب الله الميدانية.
ومن شأن هذا الفهم، تعطيل الوصول إلى رؤية وطنية موحدة تكرس احتكار الدولة للقوة المسلحة، وتمنع بناء مؤسسات أمنية قادرة على حماية الحدود بمفردها بعيدًا عن سطوة الميليشيات والمراكز الموازية في البلاد.
وفي هذا الصدد، لا يحصر حمادة مسؤولية التعطيل في تحالف حزب الله وحركة أمل، بل يوجه الاتهام لقوى حزبية أخرى تورطت في شبكات مصالح معقدة، شملت التعيينات الإدارية والفساد السياسي وتقاسم مقدرات المال.
وانطلاقًا من تلك المعطيات، يتساءل الخبير عن الدور الذي يلعبه التيار الوطني الحر في تغطية هذه الترتيبات، مشددًا على أن الثنائي الشيعي لا يمتلك منفردًا الأكثرية النيابية الكافية لإدارة القرار وإلغاء فاعلية الدولة.
وبالرجوع إلى الوراء، يستحضر المحلل تجربة قوات الطوارئ الدولية، موضحًا أن التفسيرات المتباينة لبنود القرار الأممي رقم 1701 وقواعد الاشتباك، إلى جانب التفاهمات الجانبية مع الأهالي، قيدت فاعلية القوات وأضعفت مهامها الميدانية.
وفي الإطار ذاته، يرى حمادة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري سعى جاهدًا إلى إخضاع تفاهمات اتفاق 27 نوفمبر لتأويلات متعددة، متهمًا جهات رسمية بمحاولة استدعاء قوات دولية للتهرب من تحمل واجباتها الوطنية.
وبالتوازي مع ذلك، ينتقد الخبير بشدة السياسات الفرنسية والأوروبية التي اتسمت بالمهادنة مع حزب الله حفاظًا على مصالحها ونفوذها، مستشهدًا بمسار التقارب السياسي الذي نسجته باريس عقب كارثة انفجار مرفأ بيروت مباشرة.
وفي مفارقة لافتة، يلفت حمادة إلى تناقض صارخ في المشهد اللبناني؛ إذ تدعو الرئاسة إلى التفاوض المباشر، بينما تُحال السفيرة اللبنانية في واشنطن إلى القضاء العسكري بدعوى التخابر والتواصل غير المصرح مع الخصوم.
مخاطر الميدان والتحولات الإقليمية والدولية
ومن زاوية قانونية، يرتبط هذا التناقض القضائي بمدى التنسيق المسبق بين السفيرة والسلطات العليا؛ حيث يثير التساؤل عما إذا كانت قد نالت موافقة مسبقة، مجسدًا حالة الازدواجية والتخبط التي تصيب القرار الدبلوماسي والأمني.
وعلى الصعيد الدولي، يرجح حمادة تصاعد احتمالات المواجهة الميدانية، مدفوعة بحسابات الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة والتقارب المتزايد والدعم اللامحدود الذي يقدمه الرئيس دونالد ترامب لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي التوقف بجدية عند التحذيرات الصريحة التي أطلقها رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، والتي نبه فيها إلى أن واشنطن لن تبادر للجم الطموحات العسكرية الإسرائيلية في حال انزلاق لبنان نحو التصعيد.
وفي الاتجاه نفسه، تتقاطع تلك الرسائل الدولية الحازمة مع تصريحات أدلى بها وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي، والتي حذر فيها من خطورة ترك المنطقة لمسارات الانهيار، داعيًا إلى قراءة التحولات الإقليمية بحذر.
ومن جانب آخر، يقرأ الخبير العسكري التحركات الروسية والباكستانية المتصلة بإيران باعتبارها انعكاسًا لمساعٍ أمريكية لبناء طوق استراتيجي وشبكة مصالح واسعة، تهدف بالأساس إلى تضييق خيارات طهران الدبلوماسية وأوراقها الإقليمية في الشرق الأوسط.
وعلى ضوء تلك التطورات، يجد لبنان نفسه مهددًا بمواجهة مصير العزلة التامة عن محيطه العربي والدولي، إذا ما استمرت نخبته السياسية في التناحر الداخلي، وعجزت الحكومة عن الإيفاء بتعهداتها المتعلقة بفرض السيادة ونزع السلاح.
ومن هنا يتضح، أن استمرار المناورات السياسية حول مفهوم السلاح الشرعي سيعيق فرص التوصل إلى تهدئة مستدامة، ويمنح جيش الاحتلال الإسرائيلي ذرائع مستمرة لتوسيع نطاق اعتداءاته وتكريس احتلاله الميداني لقرى الجنوب.
وخلاصة القول، يشدد حمادة على أن ساعة الحسم الدبلوماسي قد اقتربت في فلوريدا، محذرًا من أن تضييع فرصة التوافق على آليات التحقق الصارمة سيجر الدولة بأسرها إلى مواجهة مفتوحة غير محسوبة العواقب.
وختامًا، تؤكد كافة المؤشرات الاستراتيجية أن لبنان يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ إما استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم الدستوري، أو ترك الساحة فريسة للأجندات الإقليمية ومغامرات التصعيد العسكري المدمر.

