تلتهم نيران الحرب الإسرائيلية مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، متجاوزة تدمير المحاصيل الحقلية لتطال أشجار النخيل الشامخة التي تمثل ركيزة معيشية أساسية للمزارعين وعنواناً للصمود الاقتصادي الفلسطيني المتوارث منذ عقود طويلة.
وتتفاقم المعاناة الإنسانية يومياً نتيجة تعطل شبكات الري الحيوية وانقطاع مصادر الطاقة الكهربائية، بالتزامن مع الحصار المشدد الذي يمنع تدفق الأسمدة والمستلزمات الطبية الزراعية لإنقاذ ما تبقى من أشجار مثمرة تواجه الموت المحقق.
كارثة بيئية تطحن بساتين النخيل
وفي هذا السياق، يستعيد المزارع قاسم فياض بمرارة ذكريات الماضي القريب قبل اندلاع العمليات العسكرية، حين كانت بساتين غزة تنتج أجود أنواع التمور بفضل استقرار عمليات الري الدورية وتوفر العلاجات والمبيدات الحشرية بانتظام.
لكن الواقع الراهن انقلب رأساً على عقب بصورة غير مسبوقة، إذ أدى توقف إمدادات الوقود إلى شلل كامل في الآبار ومحطات الضخ، مما جعل رعاية الأشجار مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الميدانية المعقدة.
وبناءً على ذلك، تراجعت معدلات إنتاج البلح بدرجات قياسية لم يعهدها السكان من قبل، بعدما أصاب الجفاف مساحات شاسعة وعجزت المزارع عن تلبية احتياجات السوق المحلي الذي اعتاد الاعتماد كلياً على هذا المحصول الوطني.
ومن ثم، يصف المزارعون مشهد التدمير بالمأساوي والواسع النطاق، لا سيما في المناطق والقرى الشرقية المحاذية للشريط الحدودي، حيث تحولت الحقول الخضراء المزدهرة إلى أراضٍ جرداء تملؤها الحفر ومخلفات القصف الجوي والمدفعي المتواصل.
وعلاوة على هذا التخريب، تسبب القصف المباشر في اقتلاع نحو 120,000 نخلة كانت تُمثل ثروة إنتاجية كبرى، تاركة وراءها فراغاً زراعياً هائلاً يستحيل تعويضه بسهولة على المدى القريب في ظل الأوضاع الراهنة القاسية.
إضافة إلى ذلك، تشير التقديرات الميدانية المؤلمة إلى بقاء ما بين 15,000 و 17,000 نخلة فقط على قيد الحياة، بينما تكابد هذه الأشجار القليلة المتبقية ظروفاً مناخية وبيئية مدمرة تهددها بالانهيار في أي لحظة.
وبهذا المعنى، فإن التقديرات الميدانية تؤكد تدمير نحو 90% من بساتين النخيل في تلك المناطق الحدودية المنكوبة، الأمر الذي يشكل مسحاً شبه تام لقطاع شجري تاريخي ارتبط بوجدان الفلسطينيين واقتصادهم لسنوات طويلة.
بناءً عليه، يواجه المزارعون أزمة خانقة في الحفاظ على هذا المحصول الإستراتيجي، الذي طالما شكّل مصدر رزق دائم لآلاف الأسر الفقيرة التي تجني قوت يومها من موسم قطاف البلح وتصنيعه سنوياً.
وعلى ضوء ذلك، لم تتوقف الخسائر عند فقدان الأشجار نفسها بل شملت البنية التحتية بالكامل، حيث تدمرت شبكات التنقيط وجرفت الطرق الزراعية، مما ضاعف صعوبة الوصول إلى المزارع الناجية وإصلاح أضرارها المتراكمة.
معاناة مركبة تلاحق مزارعي القطاع
وفي الوقت نفسه، تتصاعد المخاوف من انتشار كارثي لسوسة النخيل الحمراء الفتاكة، التي تنخر في جذوع الأشجار المتبقية بسرعة جنونية، في ظل الغياب المطلق لأي مبيدات كيميائية أو مصائد فرمونية مخصصة للمكافحة.
ونتيجة لذلك الإهمال القسري، يحذر المزارع فياض من سيناريو مرعب يتمثل في اختفاء ما تبقى من ثروة النخيل بالكامل خلال السنوات 3 المقبلة، إذا استمر منع دخول الأدوية واللقاحات والمستلزمات الوقائية العاجلة للقطاع.
والجدير بالذكر أن الأزمة الحالية تجاوزت نطاق الخسائر المادية المباشرة للمحاصيل المتلفة، لتترك آثاراً نفسية واجتماعية بالغة التعقيد لدى أصحاب الأراضي الذين شاهدوا شقاء أعمارهم يندثر أمام أعينهم في لحظات قليلة دون نجدة.
ومن هذا المنطلق، بات المزارع الفلسطيني عاجزاً عن استصلاح حقله المدمر بمفرده، مع فقدانه الكامل للمدخرات المالية وتراكم الديون الثقيلة التي أثقلت كاهله إثر توقف عجلة الإنتاج الزراعي بصورة مفاجئة وشاملة.
لذلك، يشدد فياض على ضرورة توفير تدخل إغاثي عاجل يزود المزارعين بالأسمدة العضوية والأدوية، بجانب تأمين ألواح طاقة شمسية ومولدات كهربائية لتشغيل مضخات المياه وضمان استمرار ري ما تبقى من بساتين حية.
وإلى جانب الدعم المادي، تبرز حاجة ماسة لتقديم المساندة النفسية التخصصية للعاملين في الأرض، بهدف تعزيز صمودهم ومساعدتهم على تجاوز الصدمات الحادة التي خلفتها الحرب ودمار الممتلكات الشخصية ومصادر الرزق الأساسية.
وتأسيساً على ذلك، يؤكد خبراء الزراعة أن حماية ما تبقى من نخيل القطاع يمثل سباقاً مصيرياً مع الزمن، لا سيما أن شجرة النخيل تتطلب سنوات طويلة من التربية والرعاية لتبدأ في طرح ثمارها.
فضلاً عن ذلك، يجد مزارعو غزة أنفسهم أمام معادلة بالغة الصعوبة بين تكاليف الرعاية الباهظة في السوق السوداء، وبين تراجع العائد المالي المتوقع في ظل ضعف القوة الشرائية العامة وتدهور الظروف المعيشية.
وعلى هذا الأساس، فإن إعادة تأهيل هذا القطاع تتطلب رؤية إنقاذ شاملة تتضافر فيها الجهود الأهلية والدولية، لحماية التنوع البيئي وتأمين فرص عمل مستدامة للأيدي العاملة الزراعية التي تعاني شبح البطالة القسرية.
خسائر القطاع بلغت أكثر من 3 مليارات دولار
وفي مسار موازٍ، لا تنفصل نكبة بساتين النخيل عن الانهيار الشامل الذي أصاب منظومة الزراعة عموماً، بعدما تعرضت مساحات واسعة من الحقول والبيوت البلاستيكية للتجريف الممنهج والتدمير الشامل بآليات الاحتلال العسكرية.
واستناداً إلى البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة، فقد بلغت الخسائر الإجمالية للقطاع الزراعي نحو 3.49 مليارات دولار، جراء تداعيات الهجمات العسكرية الإسرائيلية الممتدة بين عامي 2023 و 2025 في محافظات القطاع.
وتفصيلاً لتلك الأرقام، تضمنت الحصيلة ما قيمته 1.90 مليار دولار كأضرار مادية مباشرة لحقت بالأراضي والمنشآت، إلى جانب 1.59 مليار دولار من الخسائر غير المباشرة المترتبة على شلل حركة التجارة والتسويق.
وجاء ذلك التوثيق الدقيق وفق بيان رسمي نشرته الوزارة في 13 يوليو 2026، لتسليط الضوء على حجم الدمار الهائل الذي أصاب مصادر الغذاء المحلي وأدى لتقويض الأمن الغذائي للمواطنين بصورة خطيرة.
وفي سياق متصل، أكد تقييم حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع مركز الأقمار الصناعية ونُشر رسمياً في 18 أغسطس 2026، أن الكارثة بلغت مستويات غير مسبوقة عالمياً.
وحول واقع المساحات المنتجة، أظهرت نتائج التقييم الأممي أن 3% فقط من إجمالي الأراضي المزروعة في قطاع غزة بقيت متاحة وسليمة للوصول الزراعي والعمل الميداني حتى تاريخ 24 يونيو 2026.
وانطلاقاً من هذه الإحصاءات الصادمة، تتفاقم الأزمة المعيشية لتطال آلاف الأسر الفلسطينية الكادحة التي تعتمد كلياً على العمل الحقلي وجني المحاصيل، لتدبير نفقات الحياة اليومية وتأمين المتطلبات الأساسية لأطفالها المحرومين.
وبالإضافة إلى تلك الأبعاد المعيشية، يتطلب استئناف النشاط الزراعي توفير حماية دولية عاجلة للمزارعين، وتسهيل استيراد الآلات الحديثة والمعدات الثقيلة لإزالة الركام وردم الحفر العميقة التي شوهت تضاريس الأراضي الزراعية.
وفي نهاية هذا المشهد المأساوي، تبقى شجرة النخيل في غزة رمزاً للمقاومة والتشبث بالأرض، غير أن إنقاذها من خطر الاندثار الشامل يستدعي تحركاً عاجلاً يوقف نزيف الخسائر ويعيد الحياة لبساتين البلح الأصيلة.

