توصلت أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة إلى خلاصات خطيرة تفيد بأن إيران كثفت بشكل كبير جهودها الرامية لاغتيال مسؤولين ودبلوماسيين أمريكيين يعملون في منطقة الشرق الأوسط وخارجها خلال الفترة الراهنة.
واستندت هذه التقديرات الأمنية الدقيقة إلى مذكرة رسمية غير سرية صدرت يوم الجمعة، حيث وُجهت مباشرة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو واطلع على تفاصيلها ومضمونها موقع أكسيوس الإخباري الأمريكي.
تحذيرات استخباراتية لتوسيع دائرة المعرفة
وأكدت الوثيقة الاستخباراتية أن مخططات الاغتيال التي تديرها طهران قد وصلت بالفعل إلى مراحل متقدمة للغاية، مما يضع البعثات الدبلوماسية في دائرة الخطر المباشر ويستوجب تحركاً وقائياً سريعاً.
وفي سياق متصل، تضمنت المذكرة المكونة من صفحة نصية وحيدة تحذيراً مباشراً وشديد اللهجة من مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية جاي كلايتون، موجهاً إلى وزير الخارجية لبحث سبل التعامل مع التهديد.
وشدد المسؤول الاستخباراتي الرفيع على ضرورة أن تصل المعلومات المتعلقة بخطط الاغتيال الإيرانية إلى شريحة أوسع من الموظفين الأمريكيين، لضمان اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر في تحركاتهم اليومية.
علاوة على ذلك، أوضح كلايتون أن هذه البيانات الحيوية يجب أن تُتاح للموظفين الذين لا يملكون في الوقت الحالي تصريحاً أمنياً يخوّلهم الاطلاع على الوثائق الاستخباراتية الحساسة داخل أروقة الدولة.
ومن ناحية أخرى، لم تحدد المذكرة المسربة أهدافاً بشرية بعينها أو دولاً محددة قد تشهد تنفيذ تلك العمليات، كما أغفلت ذكر الطبيعة التكتيكية للمخططات التي ترسمها الأجهزة الإيرانية حالياً.
بيد أن الوثيقة أشارت بوضوح تام إلى أن المعلومات الاستخباراتية الأساسية قد تمت مشاركتها بالفعل على نطاق ضيق مع كبار المسؤولين وصناع القرار داخل وزارة الخارجية الأمريكية لاتخاذ اللازم.
وبناءً على تلك المعطيات، أشار مسؤولون أمريكيون مطلعون إلى أن هذه التهديدات الجدية كانت أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت وزارة الخارجية إلى اتخاذ إجراءات احترازية عاجلة لحماية طواقمها البشرية.
ونتيجة لذلك، شرعت الوزارة فعلياً في تقليص عدد موظفيها العاملين في بعض السفارات والبعثات الدبلوماسية المنتشرة في الشرق الأوسط، تحسباً لأي هجمات مباغتة قد تستهدف المقرات أو الأفراد.
ويأتي هذا الاستنفار الدبلوماسي غير المسبوق وسط مخاوف أمريكية وإقليمية متزايدة من احتمالية اندلاع صراع إقليمي أوسع نطاقاً، قد يجر المنطقة بأسرها إلى مواجهة شاملة لا تُحمد عقباها.
تهديدات الحوثيين وتصاعد التوتر الإقليمي
وبالتزامن مع تلك التطورات، يخشى المسؤولون في الإدارة الأمريكية من تحركات موازية تقودها الأذرع الإقليمية الموالية لطهران، والتي قد تستغل حالة الفوضى لتنفيذ هجمات منسقة تخدم الأجندة الإيرانية.
وفي هذا الصدد، تبرز مخاوف جدية من أن تقدم جماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران على توسيع نطاق هجماتها المسلحة خلال المرحلة المقبلة، لفرض واقع أمني جديد يربك الحسابات.
وترجح التقديرات الأمنية أن تتجاوز الهجمات الحوثية المحتملة حدود المملكة العربية السعودية، لتطال دولاً أخرى في المنطقة كانت تعتبر في مأمن نسبي من تلك الضربات العابرة للحدود.
فضلاً عن ذلك، تزداد تعقيدات الوضع الأمني المتقلب في الشرق الأوسط نتيجة تداخل الملفات الميدانية والسياسية، مما يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث أو احتواء التداعيات العسكرية المحتملة.
ومما يزيد من خطورة المشهد الإقليمي، بروز احتمالات قوية تشير إلى إمكانية تجدد العمليات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية ذاتها.
ووفقاً للمصادر ذاتها، فإن هذا التحرك العسكري المحتمل قد يرى النور في أعقاب انتهاء استحقاقين سياسيين بارزين، وهما انتخابات الكنيست الإسرائيلي وانتخابات التجديد النصفي داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن ثم، فإن ربط التوقيت العسكري بالاستحقاقات الانتخابية يعكس رغبة صناع القرار في واشنطن وتل أبيب في تأجيل المواجهة الكبرى لحين ترتيب البيت الداخلي وتأمين الغطاء السياسي اللازم.
ترامب يلوح بعملية الغضب الملحمي
وعلى صعيد المواقف الرئاسية، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة بتصريحات نارية أطلقها يوم الجمعة، رسم من خلالها ملامح المرحلة المقبلة في التعامل مع الملف الإيراني الشائك.
فخلال تجمع انتخابي حاشد أقيم في ولاية فلوريدا، خاطب ترامب أنصاره ملوحاً باستخدام القوة العسكرية المحدودة كخيار مطروح على الطاولة لإجبار طهران على الرضوخ للمطالب والشروط الأمريكية.
وصرح الرئيس الأمريكي بلهجة حاسمة قائلاً إن بلاده قد تقوم بتنفيذ عملية عسكرية صغيرة أخرى ضد إيران، مشبهاً إياها بعملية سابقة أطلق عليها وصف الغضب الملحمي في خطابه السياسي.
واستدرك ترامب في حديثه مشيراً إلى وجود مخرج دبلوماسي لتجنب هذا السيناريو الصدامي، يتمثل في احتمالية أن يوافق المسؤولون الإيرانيون في نهاية المطاف على إبرام اتفاق ينهي الأزمة.
عقب ذلك، وجه الرئيس الأمريكي رسالة مبطنة بالسخرية إلى القيادة الإيرانية، ربط فيها بين التحلي بالذكاء السياسي وبين القبول الفوري بالجلوس إلى طاولة المفاوضات الجادة مع الإدارة الأمريكية.
وأوضح ترامب في معرض حديثه أنه إذا كان القادة في طهران أذكياء بالفعل، فسيقولون ببساطة دعونا نبدأ العمل الجاد الآن للتوصل إلى تسوية، بدلاً من المضي في طريق التصعيد.
غير أن الرئيس الأمريكي سرعان ما أعرب عن تشاؤمه الشديد إزاء إمكانية استجابة طهران لهذا الطرح، مؤكداً أنه يشك كثيراً في أنهم سيفعلون ذلك أو يختارون مسار التهدئة.
وبرر ترامب تشاؤمه هذا بعبارة لاذعة ختم بها تصريحاته الانتخابية في فلوريدا، حيث أرجع رفضهم المحتمل للتفاوض الجاد إلى كونهم ليسوا أذكياء بما يكفي لإدراك عواقب الأمور.
وهكذا، تظل منطقة الشرق الأوسط معلقة بين مطرقة المخططات السرية للاغتيالات التي تديرها طهران، وسندان الضربات العسكرية التي تلوح بها واشنطن، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة.

