تواجه مصر تحديات اقتصادية ومؤسسية متفاقمة تهدد قدرتها على أداء دورها بوصفها ركيزة للاستقرار الإقليمي، رغم استمرار قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في تقديم نظامه باعتباره ضامنًا أساسيًا للأمن، وقادرًا على احتواء التطرف في شبه جزيرة سيناء، وإدارة التوترات الحدودية، والحفاظ على السلام مع إسرائيل. ويكشف تحليل بعنوان «الحجر المحوري الهش: سوء إدارة مصر وأمن إسرائيل والشرق الأوسط بعد الانتخابات»، أن هيمنة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد، وتراكم الديون السيادية، واتساع نطاق القمع الداخلي، أضعفت الأسس الاقتصادية والمؤسسية للدولة، بما يثير مخاوف بشأن مستقبل الاستقرار في المنطقة.
وبحسب تحليل نشره ميدل إيست فوريوم، تحت عنوان «الحجر المحوري الهش: سوء إدارة رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي وأمن إسرائيل والشرق الأوسط بعد الانتخابات»، فإن الاعتماد على استمرارية نظام السيسي باعتبارها ضمانة دائمة لأمن الحدود الجنوبية لإسرائيل ينطوي على مخاطر استراتيجية طويلة الأجل. ويحذر التحليل من الخلط بين قدرة النظام على البقاء في السلطة واستقرار الدولة، مشيرًا إلى أن الأنظمة السلطوية قد تفرض سيطرة أمنية مشددة، بينما تتآكل في الوقت نفسه القواعد الاجتماعية والمالية والمؤسسية التي تستند إليها.
الاقتصاد المصري بين هيمنة الجيش وأعباء الديون والاعتماد الخارجي
على مدار أكثر من أربعة عقود، شكلت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979 إحدى الركائز الأساسية للاستقرار في الشرق الأوسط. وتنظر واشنطن وتل أبيب والعواصم الغربية إلى القاهرة باعتبارها طرفًا محوريًا في المعادلة الأمنية الإقليمية، فيما يقدم السيسي نظامه بوصفه شريكًا لا غنى عنه في احتواء التهديدات الأمنية وإدارة التوترات في المنطقة. لكن التحليل يرى أن هذه الصورة الدبلوماسية تخفي واقعًا أكثر هشاشة، إذ لم تعد مصر ركيزة للقوة الإقليمية بقدر ما أصبحت حلقة ضعيفة قد تؤثر أزماتها في استقرار المنطقة بأكملها.
ويرجع التحليل جانبًا أساسيًا من هشاشة مصر إلى السياسات الاقتصادية التي وسعت نفوذ القوات المسلحة داخل قطاعات حيوية. إذ تدير المؤسسة العسكرية نحو 80 شركة تعمل في مجالات التصنيع والزراعة والبنية التحتية والخدمات، وتستفيد هذه الشركات من إعفاءات ضريبية وامتيازات في الحصول على الأراضي ومزايا تنظيمية، ما يخل بتكافؤ المنافسة ويحد من فرص نمو القطاع الخاص، فضلًا عن زيادة حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
وبدلًا من تنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز اقتصاد السوق وتدعم الإنتاجية، أنفقت الحكومة عشرات المليارات من الدولارات على مشروعات ضخمة كثيفة رأس المال. وتبرز العاصمة الإدارية الجديدة، الواقعة شرق القاهرة، مثالًا على ذلك، إذ قُدرت تكلفتها بنحو 58 مليار دولار، بالتزامن مع ارتفاع الاقتراض السيادي وتزايد الالتزامات المتعلقة بإعادة تمويل الديون، ما فرض قيودًا كبيرة على المالية العامة للدولة.
ولمواجهة ضغوط التمويل ونقص العملات الأجنبية، اعتمدت القاهرة على تدفقات رؤوس الأموال الخارجية والقروض الدولية. وأشارت مراجعات حديثة لصندوق النقد الدولي إلى تحقيق مصر قدرًا ملموسًا من الاستقرار الاقتصادي الكلي بعد تعديل سعر الصرف، وإعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي، وخفض الاحتياجات التمويلية الإجمالية.
وفي هذا السياق، قدمت الإمارات حزمة استثمارية بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة رأس الحكمة على ساحل البحر المتوسط في الصحراء الغربية. وشملت الصفقة 24 مليار دولار من الأموال الجديدة، إلى جانب تحويل ودائع إماراتية بقيمة 11 مليار دولار لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات.
لكن الصفقة تعكس أيضًا تحولًا في طبيعة الدعم الخليجي لمصر، إذ اتجهت الدول الخليجية بصورة متزايدة من الودائع التقليدية والمساعدات المالية المباشرة إلى الاستثمارات التجارية وشراء الأصول. ورغم أن هذه التدفقات ساعدت على احتواء الأزمات الفورية، فإنها لا تعالج بالضرورة الاختلالات الهيكلية التي أدت إليها.
ويقدم قطاع الطاقة مثالًا واضحًا على اعتماد مصر المتزايد على الشركاء الخارجيين. فمع تراجع إنتاج بعض الحقول المحلية، ارتفعت أهمية واردات الغاز الطبيعي الإسرائيلي عبر خطوط الأنابيب لتلبية الطلب المحلي، وتوفير الإمدادات اللازمة لمحطات إسالة الغاز في إدكو ودمياط، بما يتيح إعادة تصديره عند توافر الكميات المناسبة.
وعندما أدت التوترات الإقليمية إلى انقطاع مؤقت لإمدادات الغاز الإسرائيلي، اضطرت مصر إلى البحث سريعًا عن شحنات غاز طبيعي مسال من الأسواق الفورية بأسعار مرتفعة، فيما واجهت مصانع الأسمدة ومنشآت صناعية أخرى توقفات مفاجئة في التشغيل.
وكشفت هذه التطورات عن مدى تعرض شبكة الطاقة المصرية والإنتاج الصناعي لأي اضطرابات في إمدادات الغاز الإسرائيلي، وهو ما يؤثر مباشرة في حسابات القاهرة الأمنية على الحدود مع سيناء وممر فيلادلفيا. ويجد السيسي نفسه أمام معادلة معقدة؛ إذ يرفع سقف خطابه العلني المنتقد للعمليات العسكرية الإسرائيلية على حدود غزة تحت ضغط داخلي، بينما يظل معتمدًا على إمدادات الطاقة الإسرائيلية والتعاون الأمني الذي لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام العلني.
أمن إسرائيل والمساعدات الأمريكية أمام اختبار الاستقرار المصري
تضع هذه المعادلة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أمام معضلة استراتيجية. فمن الناحية العملية، تظل قنوات التنسيق الأمني مع القاهرة ضرورية على المدى القصير، إذ تؤدي المخابرات المصرية دورًا مهمًا في احتواء التوترات الحدودية، ومتابعة الأوضاع الأمنية في سيناء، وإدارة الترتيبات اللوجستية.
وعلى مدار سنوات من العمليات الأمنية لمكافحة الإرهاب في سيناء، اعتمدت القاهرة على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق بشأن انتشار القوات بما يتجاوز الحدود الأصلية التي حددتها معاهدة السلام، بهدف منع تحول شبه الجزيرة إلى ملاذ دائم للجماعات الجهادية. كما يمنح دور مصر في ترتيبات رفح القاهرة نفوذًا دبلوماسيًا مؤثرًا في إدارة الوصول إلى قطاع غزة، وتسهيل المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير الجماعي للفلسطينيين إلى سيناء.
لكن التركيز على احتواء المخاطر الأمنية المباشرة قد يحجب تهديدات أعمق على المدى الطويل. فقد فضلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عمومًا استمرار النظام المصري على احتمالات الفوضى التي قد تصاحب زعزعة استقرار الدولة. غير أن الاعتماد على نظام يستند إلى إجراءات نقدية مؤقتة، وعمليات إنقاذ مالية خارجية، وقمع المعارضة لاحتواء الاحتقان الشعبي، ينطوي على مخاطر كبيرة.
ولا يعني ذلك بالضرورة اقتراب انهيار الدولة المصرية، بل إن الخطر يكمن في احتمال استمرار النظام سياسيًا بالتزامن مع تفاقم أزمة اقتصادية تضعف المؤسسات المسؤولة عن تأمين سيناء والحدود مع غزة. ويرى التحليل أن إضعاف الأجهزة الأمنية المصرية بفعل الأزمة الاقتصادية قد يشكل تهديدًا أكبر لإسرائيل من التعامل مع شريك سلطوي مستقر نسبيًا.
ولذلك، يتعين على تل أبيب الحفاظ على التنسيق العملياتي مع القاهرة في الوقت الراهن، مع الاستعداد لاحتمالات التدهور الاقتصادي والمؤسسي التي قد تهدد الأمن القومي المصري وتنعكس على الحدود الجنوبية لإسرائيل.
ويمتد هذا التحدي إلى واشنطن، حيث تدفع الانتخابات الفيدرالية المرتقبة، وما يصاحبها من مراجعات داخل الكونجرس والسلطة التنفيذية، نحو إعادة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية. وعلى مدى عقود، قدمت الولايات المتحدة نحو 1.3 مليار دولار سنويًا لمصر في صورة تمويل عسكري خارجي، باعتباره عنصرًا أساسيًا للحفاظ على إطار معاهدة كامب ديفيد. وارتفع هذا المخصص إلى 1.375 مليار دولار بموجب قانون الاعتمادات المالية للسنة المالية 2026.
لكن الافتراض القائل إن تمويل نظام السيسي عسكريًا يضمن الاستقرار الإقليمي يواجه تدقيقًا متزايدًا. فقد أظهرت واشنطن تناقضًا في سياستها تجاه القاهرة؛ إذ تستطيع ربط المساعدات بسجل حقوق الإنسان، لكنها قد تتراجع عن هذه الشروط عندما ترى أن المصالح الأمنية الإقليمية تستدعي ذلك.
وفي الأول من أكتوبر، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية إعفاءً رسميًا تجاوزت بموجبه شروطًا متعلقة بحقوق الإنسان مرتبطة بمساعدات عسكرية مصرية بقيمة 320 مليون دولار، مستندة إلى مصالح الأمن القومي الأمريكي الحيوية وإلى دعم القاهرة خلال الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. ويجسد هذا القرار المعضلة الأمريكية؛ فواشنطن تقر بممارسات النظام السلطوية، لكنها ترى مرارًا أن الأهمية الاستراتيجية لمصر تحول دون عزلها أو معاقبتها بصورة واسعة.
وفي المقابل، يشكك منتقدون من اتجاهات سياسية مختلفة في العائد الأمني الفعلي للمساعدات العسكرية الأمريكية، التي تمول شراء معدات ثقيلة ومقاتلات متقدمة وفرقاطات بحرية من شركات الدفاع الأمريكية. ويرى هؤلاء أن هذه القدرات تركز على الحرب التقليدية أكثر مما تخدم التحديات الأمنية اليومية، مثل تأمين الحدود ومكافحة التهريب والإرهاب.
ويخلص التحليل إلى أن الهدف الأمريكي لا ينبغي أن يكون التخلي عن القاهرة، بل توظيف النفوذ الأمريكي لتعزيز المؤسسات المصرية التي قد يؤدي ضعفها إلى تهديد أمن إسرائيل الجنوبي، وفي مقدمتها قوات الحدود وقدرات مكافحة الإرهاب، إلى جانب تحسين الحوكمة المالية وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
تحولات الدعم الخليجي ومخاطر إعادة تشكيل النظام الإقليمي
أدت الهشاشة الاقتصادية والمؤسسية في مصر إلى إعادة حسابات أوسع في الشرق الأوسط، حيث بدأت عواصم رئيسية، من بينها الرياض وأبوظبي وعمان، في مراجعة مدى تعرضها لعدم الاستقرار الإقليمي وموثوقية شراكاتها الأمنية.
وأوضحت دول الخليج أن طبيعة انخراطها المالي في مصر تغيرت بصورة جوهرية. فقد تبنت أبوظبي نهجًا يقوم على الاستثمار التجاري والاستحواذ على الأصول، بدلًا من الاستمرار في تقديم ودائع نقدية مفتوحة الأجل، كما ظهر في صفقة رأس الحكمة.
واتجهت السعودية بدورها بصورة متزايدة إلى الاستثمار عبر صندوق الاستثمارات العامة وقنوات تجارية أخرى، في انعكاس لتفضيل خليجي أوسع للأصول والعوائد الاقتصادية على الدعم المالي غير المحدد المدة.
أما الأردن، فيتابع مسار مصر بقلق بالغ، إذ تدرك عمان أن الدولة المثقلة بالديون أو التي تعاني ضعفًا مؤسسيًا لن تستطيع أداء دورها بفاعلية بوصفها ركيزة عربية أساسية أو قوة موازنة يمكن الاعتماد عليها في مواجهة مصادر زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وفي الوقت الذي تدرس فيه القيادات الإقليمية مستقبل المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط، بما يشمل احتمالات توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام، تقدم مصر مثالًا واضحًا على أن المعاهدات الدبلوماسية الرسمية تحتاج إلى دولة مستقرة داخليًا حتى تحتفظ بفاعليتها. فإذا استمرت القاهرة في استنزاف مواردها لسداد الديون ومواجهة التضخم والتدهور الاقتصادي، فقد تتراجع قدرتها على الإسهام في مشروعات التكامل الإقليمي، وتتحول بدلًا من ذلك إلى عبء مستمر على رؤوس الأموال الإقليمية والجهود الدبلوماسية.
ويؤكد التحليل أن البيئة الإقليمية الراهنة تتطلب وضوحًا استراتيجيًا بدلًا من الركون إلى افتراضات مطمئنة بشأن استقرار الأنظمة. فليس من الضروري أن تنهار مصر حتى يتحول ضعفها إلى مشكلة أمنية؛ إذ إن التوازن السياسي والاقتصادي الذي أقامه نظام السيسي يفتقر إلى الاستدامة، وقد يهدد الاستقرار الإقليمي الذي يقول إنه يحميه.
ولا تسعى إسرائيل، وفق هذا التقييم، إلى إضعاف مصر لمجرد إضعاف السيسي، بل تتمثل مصلحتها في الحفاظ على التعاون الحيوي مع القاهرة، مع الاستعداد لاحتمال أن تخفي قدرة النظام على البقاء هشاشة متزايدة أمام الصدمات الاقتصادية والمؤسسية.
ويخلص التحليل إلى أن ضمان الأمن على الحدود الجنوبية لإسرائيل لا يتحقق بالمبالغة في تقدير قوة نظام سلطوي هش، بل بالاستعداد الواقعي لتعقيدات شرق أوسط يتغير بسرعة، وبالعمل على حماية المصالح الأمنية المشتركة دون تجاهل التحديات الداخلية التي قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
The Fragile Keystone: Egypt’s Mismanagement, Israel’s Security, and the Post-Election Middle East

