تتزايد المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، مع إعداد الجيش الأمريكي خيارات جديدة للهجوم، وتحديث جيش الاحتلال الإسرائيلي بنك أهدافه تمهيدًا لشن ضربات قد تمتد عدة أيام، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تقودها قطر وباكستان لمنع التصعيد وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن واشنطن تعزز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، بالتوازي مع استعدادات إسرائيلية لاستهداف منشآت مدنية ونووية وأهداف مرتبطة بالنظام الإيراني، في وقت لا تزال فيه الخلافات قائمة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز، وسط تهديدات متبادلة قد تمتد تداعياتها إلى منشآت الطاقة والقواعد العسكرية والاقتصاد العالمي.
حشد عسكري أمريكي في الشرق الأوسط
أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، بأن الجيش الأمريكي يعمل على إعداد مجموعة من الخيارات العسكرية للتعامل مع إيران، في ظل تصاعد التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق ينهي المواجهة بين الجانبين.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين على التخطيط العسكري أن الولايات المتحدة عززت وجودها البحري في المنطقة، مع وجود مجموعتين قتاليتين لحاملتي طائرات في الشرق الأوسط، بينما تتجه مجموعة ثالثة من المحيط الهادئ، دون حسم ما إذا كانت المجموعات الثلاث ستبقى في المنطقة خلال الفترة المقبلة.
وتشمل التحركات الأمريكية أيضًا إرسال سفينة هجوم برمائي إضافية تحمل عناصر من مشاة البحرية الأمريكية، في خطوة من شأنها توسيع الخيارات المتاحة أمام القيادة العسكرية، بما في ذلك تنفيذ عمليات برمائية إذا قررت واشنطن الانتقال إلى مواجهة أوسع.
وفي الوقت نفسه، نقلت الولايات المتحدة بعض قواتها من قواعد عسكرية في المنطقة إلى مواقع أبعد عن نطاق التهديدات المحتملة، في ظل مخاوف من استهدافها بواسطة إيران أو جماعة الحوثيين، مع استمرار التوترات الأمنية المحيطة بالممرات البحرية والقواعد الأمريكية.
ووفقًا للصحيفة، يبلغ عدد القطع البحرية الأمريكية الموجودة في المنطقة نحو 20 سفينة حربية، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى أكثر من 24 سفينة مع وصول حاملة الطائرات ووحدة مشاة البحرية، ما لم تغادر سفن أخرى المنطقة خلال الفترة نفسها.
ومن شأن هذا الانتشار أن يمنح البحرية الأمريكية قدرة أكبر على تنفيذ عمليات عسكرية متواصلة، ويوفر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات إضافية في التعامل مع طهران، تشمل توجيه ضربات جوية وبحرية أو تنفيذ عمليات إنزال برمائي، بحسب طبيعة الأهداف والقرارات السياسية والعسكرية.
ولم تكشف القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» تفاصيل الخطط الجاري إعدادها، إذ رفض المتحدث باسمها، النقيب تيم هوكينز، التعليق على التحركات العسكرية، مكتفيًا بالإشارة إلى أن الجيش ينقل أصوله العسكرية بصورة منتظمة، وأنه لا يناقش تفاصيل انتشارها لأسباب أمنية.
ترامب يلوح باستهداف منشآت نووية
وتأتي التحركات العسكرية في وقت سبق أن طرح فيه ترامب علنًا فكرة استهداف موقع «جبل بيكاكس» النووي الإيراني، كما أمر في وقت سابق بتنفيذ ضربات على أهداف قرب مضيق هرمز، في إطار محاولات الحد من قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية.
ويعكس استمرار التحركات العسكرية الأمريكية احتفاظ واشنطن بخيار القوة رغم الاتصالات الدبلوماسية الجارية، لكنه لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي باستئناف الحرب، في ظل تداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية المرتبطة بمسار المفاوضات والانتخابات الأمريكية المقبلة.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، فإن الإدارة الأمريكية تدرس خيارات متعددة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي فشل المساعي الدبلوماسية إلى فتح جبهة جديدة من المواجهة، خصوصًا مع استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني والسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويشكل المضيق أحد أبرز الملفات الخلافية بين الطرفين، نظرًا لأهميته في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ما يجعل أي تصعيد عسكري في محيطه مرشحًا للتأثير في حركة السفن وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
إسرائيل تحدث بنك أهدافها العسكرية
على الجانب الإسرائيلي، ذكرت «وول ستريت جورنال» أن جيش الاحتلال أعد في وقت سابق من أكتوبر الجاري خطة لشن حملة قصف تستمر عدة أيام، تستهدف منشآت مدنية ونووية وأهدافًا مرتبطة بالنظام الإيراني، وفقًا لشخص مطلع على تفاصيل التخطيط.
لكن الهجوم لم يُنفذ بعد إعلان ترامب معارضته استئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وفق ما أوردته الصحيفة، في حين كانت صحيفة «فايننشال تايمز» قد نشرت في وقت سابق معلومات بشأن الضربات الإسرائيلية التي كانت قيد الإعداد.
وأضافت الصحيفة أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يواصل الضغط باتجاه استئناف الهجمات، بينما يعمل الجيش الإسرائيلي على تحديث قائمة الأهداف التي يمكن استهدافها، استنادًا إلى ما تصفه إسرائيل بمخاوف من تسارع إعادة بناء إيران بنيتها التحتية العسكرية وتطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة.
وفي هذا السياق، عرض مسؤولون إسرائيليون على وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، خلال لقاء عُقد الاثنين في قاعدة جوية إسرائيلية، مجموعة من الأهداف المحتملة استنادًا إلى معلومات استخبارية جديدة، بحسب المصدر الذي نقلت عنه الصحيفة.
وتشير هذه التحركات إلى استمرار التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب، رغم وجود تباينات بشأن توقيت استئناف الحرب وحدود التصعيد المقبول، خصوصًا في ظل سعي الإدارة الأمريكية إلى إبقاء المجال مفتوحًا أمام المفاوضات.
كما أفادت الصحيفة بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يزال في حالة تأهب قصوى منذ أسابيع، مع استمرار وجود أعداد كبيرة من العسكريين الأمريكيين في إسرائيل، وتمركز طائرات للتزود بالوقود في المطار الرئيسي وقواعد جوية في جنوب البلاد.
ولم يرد مكتب نتنياهو على طلب الصحيفة التعليق على المعلومات المتعلقة بخطط القصف، فيما لم تتضح بصورة مستقلة طبيعة الأهداف التي شملتها الخطط الإسرائيلية أو الجدول الزمني المحتمل لتنفيذها.
قطر وباكستان تتحركان لمنع التصعيد
في مقابل الاستعدادات العسكرية، تكثف أطراف إقليمية جهودها لمنع انهيار المسار الدبلوماسي، مع تزايد المخاوف من عودة المواجهة بين واشنطن وطهران واتساع نطاقها إلى دول أخرى في المنطقة.
وقالت «وول ستريت جورنال» إن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير توجه إلى طهران الثلاثاء، أعقبه وصول وفد من الدبلوماسيين القطريين، في إطار محاولات كسر الجمود الذي يحيط بالمفاوضات منذ أشهر.
وتأتي هذه التحركات في ظل تباعد مواقف الطرفين بشأن القضايا المطروحة للتفاوض؛ إذ تضغط واشنطن من أجل إجراء محادثات تتناول البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران حصر المفاوضات في ملف إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمثل محورًا رئيسيًا في الأزمة الحالية.
ونقلت الصحيفة عن وسطاء أن المقترحات المطروحة تشمل الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، إلى جانب عوائدها، مقابل تقديم طهران تنازلات في الملف النووي، من بينها السماح بعودة المفتشين الدوليين إلى المنشآت النووية الإيرانية.
كما تتضمن الأفكار المتداولة إمكانية نقل مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني إلى روسيا، باعتبار ذلك أحد الخيارات التي يمكن أن تساعد في معالجة المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي، وإنهاء جانب من الخلافات بين واشنطن وطهران.
وبحسب الوسطاء، أبدى دبلوماسيون إيرانيون انفتاحًا أوليًا على عودة المفتشين الدوليين، قبل أن تواجه الفكرة رفضًا من جهات داخل إيران، وهو ما يعكس استمرار الخلافات بشأن طبيعة التنازلات التي يمكن تقديمها في أي اتفاق جديد.
مقترح وساطة بشأن الأموال المجمدة
وفي تطور متصل، كشفت مصادر مطلعة على جهود الوساطة القطرية والباكستانية لصحيفة «العربي الجديد»، الثلاثاء، عن تقديم مقترح وصفته بالوسطي، يستهدف تلبية جزء من المطالب الأمريكية والإيرانية، ومنع عودة المواجهة العسكرية، تمهيدًا لاستئناف المفاوضات.
وقالت المصادر إن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير حمل المقترح إلى المسؤولين الإيرانيين خلال زيارته طهران، مشيرة إلى أنه حظي، وفقًا للمعلومات التي نقلتها، بموافقة أمريكية وتجاوب إيراني مسبق.
ويتضمن المقترح استجابة جزئية للمطلب الإيراني المتعلق بالأموال المجمدة، من خلال طرح الإفراج عن فوائد مبلغ قدره 6 مليارات دولار، وهي أموال إيرانية مجمدة في البنوك القطرية.
وفي المقابل، يتضمن المقترح معالجة أحد المطالب الأمريكية المرتبطة بالبرنامج النووي، من خلال السماح بزيارة سرية وغير معلنة للمواقع النووية الإيرانية من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحسب المصادر ذاتها.
وكانت مصادر أخرى قد رجحت، إمكانية الإعلان عن انفراجة خلال الأسبوع الجاري، في إطار الاتصالات التي تقودها قطر وباكستان لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مؤكدة استمرار الجهود الرامية إلى تضييق نقاط الخلاف ودفع الطرفين إلى تقديم تنازلات متبادلة.
عراقجي يحذر من حرب إقليمية
في المقابل، شددت طهران على رفضها التفاوض في ظل التهديدات العسكرية الأمريكية، إذ كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقال رأي نشرته «فايننشال تايمز» أن بلاده لن تدخل مفاوضات ما دامت واشنطن متمسكة بخياراتها العسكرية.
وحذر عراقجي من أن أي تصعيد جديد في محيط مضيق هرمز أو في المنطقة قد يعرض المدنيين ودول الإقليم والاقتصاد العالمي لمخاطر كبيرة، مؤكدًا أن إيران سترد بقوة إذا تعرضت لهجوم جديد.
وبحسب الوسطاء، نقل مسؤولون إيرانيون خلال جلسات مغلقة تهديدات باستهداف منشآت الطاقة الخليجية وأصول اقتصادية أخرى، إلى جانب القواعد الأمريكية، إذا تجددت المواجهة العسكرية.
وتسعى قطر وباكستان إلى البناء على اتصالاتهما السابقة مع القيادة الإيرانية، والتي تناولت خفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز وتسريع الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع، كما تتزامن هذه التحركات مع زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران.
وكانت الوساطتان القطرية والباكستانية قد شاركتا في التوصل إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد بين واشنطن وطهران في يونيو الماضي، لكنها لم تنجح في وضع حد للتصعيد.

