تواجه منصات التواصل الاجتماعي اتهامات بالسماح بتضخيم مشاهد العنف والاضطرابات التي شهدتها فرنسا ودول أوروبية أخرى، وسط شبهات بشأن تورط حسابات مرتبطة بروسيا واليمين المتطرف في نشر مقاطع مصورة وروايات مضللة تستهدف تأجيج الغضب وإثارة الفوضى. وتحقق أجهزة استخبارات أوروبية في احتمال وجود تدخلات أجنبية أكثر فاعلية في الأحداث، بينما تتزايد الضغوط على شركات التكنولوجيا للتعاون مع السلطات والحد من انتشار المحتوى التحريضي.
وتشير تقديرات مسؤولين أمنيين أوروبيين، نقلتها صحيفة فايننشال تايمز، إلى أن حسابات موالية لروسيا وشبكات مرتبطة باليمين المتطرف، سبق الاشتباه في مشاركتها بحملات تضليل، نشرت مقاطع فيديو عن أعمال الشغب بهدف تضخيم حجم الاضطرابات وتوسيع نطاق تأثيرها. كما تثار شبهات بشأن مشاركة جهات مرتبطة بإيران والجزائر في بعض عمليات التأثير، دون أن يعني ذلك ثبوت مسؤوليتها عن اندلاع الاحتجاجات أو أعمال العنف.
شبهات حول حملات تضليل روسية
وبحسب فايننشال تايمز، نقلت تقارير أمنية أوروبية مخاوف من أن تكون حسابات موالية لروسيا قد استغلت مشاهد العنف والنهب في فرنسا لتوسيع انتشار روايات تستهدف إثارة الانقسام داخل المجتمعات الأوروبية. وترتبط بعض هذه الحسابات، وفق ما أورده التقرير، بحملات تضليل سابقة، ما دفع الجهات المعنية إلى فحص طبيعة نشاطها والرسائل التي نشرتها خلال الاضطرابات الأخيرة.
وفي هذا السياق، تحدث ديفيد كولون، الباحث في معهد سيانس بو الفرنسي والمتخصص في التضليل الإعلامي، عن نشاط مؤثرين مؤيدين للكرملين يرتبطون بالحملة الروسية المعروفة باسم «ستورم-1516»، مشيرا إلى أنهم عملوا على تضخيم الأحداث ونشر روايات وصفها بالكاذبة.
وأوضح كولون أن هذه الأنشطة لا تثبت أن الجهات المذكورة كانت وراء اندلاع الاحتجاجات أو أنها امتلكت القدرة على توجيه مسارها ميدانيا، لكنها تشير إلى محاولة استغلال الأحداث بعد وقوعها لتحقيق أهداف سياسية وإعلامية.
وتبرز هذه النقطة باعتبارها فارقا أساسيا في تقييم دور حملات التضليل؛ إذ يمكن لجهة خارجية أن تستغل اضطرابات قائمة بالفعل، وتعيد نشر مشاهدها بصورة انتقائية، أو تربطها بادعاءات غير مثبتة، من دون أن تكون هي التي تسببت في اندلاعها.
كما أشار الباحث إلى شبكة التأثير الروسية المعروفة باسم «ماتريوشكا»، التي يشتبه في مشاركتها بتضخيم مشاهد العنف ونشر محتوى مضلل. ويعكس ذكر هذه الشبكة مخاوف أوروبية أوسع من استخدام حسابات منظمة وعمليات نشر متزامنة لإضفاء انطباع بأن رواية معينة تحظى بانتشار واسع أو بتأييد أكبر من حجمها الحقيقي.
وأوضح المسؤول أن أنشطة التضليل الروسية التي رصدتها الجهات المعنية بدت في معظمها ردود فعل عبر الإنترنت، أي إنها استغلت الأحداث القائمة لتوسيع انتشار رسائل معينة، بدلا من إثبات وجود دور مباشر لها في تنظيم الاضطرابات أو تحريك المشاركين فيها.
وأضاف أن التحقيقات الفرنسية لا تزال في مراحلها الأولى، وأن الأجهزة المختصة تعمل على تحديد الجهات التي تقف وراء حملات التضليل، وطبيعة الروابط المحتملة بين الحسابات التي نشرت المحتوى والجهات الأجنبية المشتبه في دعمها.
وكانت حكومات أوروبية، من بينها الحكومة الفرنسية، قد طلبت من أجهزة الاستخبارات التحقق مما إذا كان عملاء روس قد اضطلعوا بدور أكثر فاعلية في تأجيج العنف داخل الشوارع، بما يتجاوز النشاط الدعائي على منصات التواصل.
اتهامات تطول حسابات مرتبطة بإيران
ولا تقتصر الشبهات على روسيا واليمين المتطرف، إذ تحدث كولون عن مؤشرات على وجود عمليات تأثير إيرانية وجزائرية تستهدف الرأي العام في فرنسا.
وأشار الباحث إلى المؤثر الفرنسي الإيراني شاهين هازامي، باعتباره أحد الأمثلة على الحسابات التي أثيرت تساؤلات بشأن ارتباطها بإيران. ونشر هازامي مقاطع متعددة تتناول الاحتجاجات الفرنسية، تضمنت مشاهد لشرطة وهي تعتدي على متظاهرين، وحصد أحد منشوراته نحو 4 ملايين مشاهدة على منصة إكس.
من جانبه، نفى هازامي بشدة الاتهامات الموجهة إليه بشأن العمل لصالح جهة أجنبية، معتبرا أن هذه الادعاءات تأتي ضمن محاولات لتشويه صورته بسبب مواقفه السياسية.
وقال إن موقفه الداعم لفلسطين يُستغل بصورة متكررة للطعن في مصداقيته، مضيفا أن بعض من يروجون الاتهامات، على حد قوله، تربطهم هم أيضا صلات بدول أجنبية.
ويؤكد هذا الجدل صعوبة الفصل بين النشاط السياسي المشروع وعمليات التأثير المنسقة، خاصة عندما تتداخل المواقف السياسية مع التغطية الرقمية للاحتجاجات. كما يبرز مخاطر إطلاق الاتهامات استنادا إلى طبيعة المحتوى أو هوية صاحبه دون تقديم أدلة كافية على وجود ارتباطات خارجية.
إيطاليا تحذر من حرب هجينة
وامتدت المخاوف من تأثير المنصات الرقمية إلى دول أوروبية أخرى، بعدما شهدت إيطاليا احتجاجات عنيفة خلال عطلة نهاية الأسبوع، دفعت وزير الدفاع غويدو كروسيتو إلى التحذير من احتمال تعرض الدول الأوروبية لما وصفه بـ«حرب هجينة».
وربط كروسيتو هذه الحرب باستخدام أدوات غير تقليدية، من بينها منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك ويوتيوب، معتبرا أن هذه الوسائل قد تستخدم في التأثير على المجتمعات وإثارة الاضطرابات دون أن تنتبه الحكومات إلى طبيعة العمليات التي تستهدفها.
الاتحاد الأوروبي يضغط على المنصات
وفي مواجهة هذه المخاوف، عقدت المفوضية الأوروبية اجتماعات مع السلطات الفرنسية لمناقشة التعاون مع شركات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك منصة إكس المملوكة للملياردير إيلون ماسك، والتي شهدت انتشار رسائل وصفت بأنها عنصرية وعنيفة خلال الاضطرابات.
وتسعى السلطات الأوروبية إلى معرفة مدى استعداد الشركات للاستجابة للمخاوف الأمنية، والتعامل مع المحتوى الذي قد يحرض على العنف أو يساهم في نشر معلومات مضللة. كما تركز المناقشات على مسؤولية المنصات عن طريقة عرض المحتوى وتوصيته للمستخدمين، وليس فقط عن المنشورات التي يرفعها الأفراد.
وقال متحدث باسم وزارة الداخلية البلجيكية إن بلاده، التي شهدت بدورها تحول الاحتجاجات إلى أعمال شغب خلال عطلة نهاية الأسبوع، كانت تستعد لمناقشة دور منصة تيك توك الصينية.
وتكتسب هذه المناقشات أهمية في ظل اعتماد المنصات على أنظمة توصية آلية تحدد ما يظهر للمستخدمين بناء على تفاعلهم مع المحتوى. فقد يؤدي الانتشار المتكرر لمقاطع العنف إلى زيادة مشاهداتها، حتى من دون وجود دليل على أن الشركة تتعمد دعم رواية سياسية بعينها.
وفي هذا الإطار، شدد مسؤول أوروبي على ضرورة معرفة مدى تعاون المنصات مع الجهات المعنية، محذرا من أن الخوارزميات قد تسهم في تضخيم حملات إعلامية روسية بدلا من الحد من انتشارها.
ولا تقتصر الضغوط على المحتوى الرقمي، بل تمتد إلى التجارة الإلكترونية التي قد تتحول إلى منفذ لبيع السلع المسروقة خلال أعمال الشغب.
ملاحقة السلع المنهوبة عبر الإنترنت
وطالبت الجهات التنظيمية الأوروبية منصات التجارة الإلكترونية، ومن بينها أمازون وفينتيد، باتخاذ إجراءات لمنع بيع السلع التي جرى الاستيلاء عليها خلال أعمال الشغب.
وقال متحدث باسم شركة فينتيد إن المنصة اتخذت إجراءات فورية منذ نهاية الأسبوع لإزالة الإعلانات المرتبطة بالنهب، مؤكدا أن بيع السلع المسروقة محظور بصورة قاطعة وفق قواعد الشركة.
وأضاف المتحدث أن الشركة تتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون والسلطات الفرنسية بهدف ملاحقة المتورطين ومحاسبتهم.
وأكدت المفوضية الأوروبية أن إدارة الوضع تقع حاليا على عاتق السلطات الوطنية، لكنها أشارت إلى أن بروكسل قد تتدخل إذا أصبح الخطر ذا طابع منظومي، وفشلت المنصات الإلكترونية في التعاون المطلوب.
ومع ذلك، لم تحسم الجهات الأوروبية بعد حجم التأثير الفعلي لحملات التضليل على أعمال العنف، كما لم تثبت مسؤولية جهة أجنبية بعينها عن اندلاعها.
الغضب الداخلي يظل عاملا أساسيا
وفي خضم التحقيقات والاتهامات المتبادلة، يحذر مسؤولون استخباراتيون أوروبيون من المبالغة في تقدير دور التدخلات الأجنبية، أو التعامل معها باعتبارها التفسير الوحيد للاضطرابات.
وقال مسؤول استخباراتي أوروبي إن هناك تعبئة حقيقية لأشخاص يشعرون بالغضب تجاه المؤسسات نتيجة معاناتهم ومظالمهم، وإن جهات أجنبية تحاول استغلال هذه المشاعر وتضخيمها.
ويشير هذا التقييم إلى أن حملات التأثير الخارجية قد تحقق أهدافها عبر استغلال أزمات موجودة بالفعل، بدلا من خلقها من البداية. فالمحتوى المضلل يمكن أن يوسع الانقسامات، ويزيد انتشار الروايات المتطرفة، ويمنح بعض الأحداث حجما أكبر من نطاقها الفعلي، لكنه لا يلغي بالضرورة الأسباب الاجتماعية والسياسية التي دفعت الناس إلى الاحتجاج.
وفي المقابل، تظل مسؤولية المنصات الرقمية موضع نقاش، خاصة فيما يتعلق بقدرتها على اكتشاف الحملات المنسقة، والتحقق من المحتوى المتداول، والحد من التوصيات التي تدفع المشاهد الصادم إلى الانتشار الواسع.
وتواجه الحكومات الأوروبية معادلة معقدة بين حماية الأمن العام ومواجهة التدخلات الأجنبية من جهة، وضمان عدم استخدام هذه المخاوف لتقييد التعبير السياسي المشروع من جهة أخرى.

