قال قائد الانقلاب العسكري، عبد الفتاح السيسي، خلال مشاركته في فعاليات اليوم الثالث لمنتدى مصر 2026، إن الدولة طورت السجون من منظور أخلاقي وديني وإنساني، معتبرًا أن الهدف من هذا التطوير هو عدم معاقبة السجين مرتين، لأن الحرمان من الحرية يمثل العقوبة الأساسية، على حد تعبيره. لكن شهادات وتقارير حقوقية متداولة عن أوضاع المحتجزين في السجون تطرح صورة مختلفة، تتضمن شكاوى من منع الزيارات، ومصادرة الملابس والأغطية والأدوية، والحرمان من التريض والرعاية الطبية، إلى جانب الاعتداءات والإجراءات العقابية التي يقول معتقلون إنها جاءت ردًا على احتجاجاتهم.
وتزامنت تصريحات السيسي مع استمرار تداول إفادات عن انتهاكات داخل مجمع سجون بدر وسجن برج العرب، واتساع تحركات احتجاجية في عدد من أماكن الاحتجاز، فضلًا عن القبض على ستة صحفيين يعملون في منصة «متصدقش»، وفقًا لما أعلنته المنصة. وتثير هذه الوقائع تساؤلات بشأن مدى انعكاس الحديث الرسمي عن التطوير الإنساني على الحياة اليومية للمحتجزين، ومدى توافر الضمانات التي تحمي كرامتهم وحقوقهم الأساسية خلف القضبان.
السيسي يدعو المواطنين لزيارة السجون!!
خلال كلمته في منتدى مصر 2026، قال السيسي إن الدولة عملت على تطوير السجون من منظور أخلاقي وديني وإنساني، موضحًا أن السجين لا ينبغي أن يتعرض لعقوبة إضافية إلى جانب عقوبة سلب حريته. وأضاف أن عملية التطوير كلفت الدولة مبالغ كبيرة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وتحدث السيسي عن توجيهه وزير الداخلية بالسماح للمواطنين وشباب الجامعات وممثلي المؤسسات المختلفة بزيارة السجون والاطلاع على التطوير الذي جرى داخلها.
وتكشف الإفادات الحقوقية المتداولة عن فجوة بين الصورة التي تقدمها التصريحات الرسمية والوقائع التي يقول محتجزون وذووهم إنهم يواجهونها.
بدر 3.. مصادرة البطاطين والملابس
يأتي سجن بدر 3 في مقدمة المنشآت التي ارتبط اسمها خلال الفترة الأخيرة بشكاوى حقوقية من تدهور أوضاع المحتجزين، إذ تحدث مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن حملات تفتيش وتجريد استهدفت عددًا من الزنازين، بالتزامن مع احتجاجات أعلن معتقلون مشاركتهم فيها رفضًا لظروف الاحتجاز وما وصفوه بالمعاملة غير الإنسانية.
وبحسب الإفادات التي نشرها المركز، اقتحمت قوات تابعة لمصلحة السجون عددًا من الزنازين، وصادرت البطاطين والمراتب والملابس ومستلزمات شخصية أخرى، كان المحتجزون قد حصلوا عليها من خلال الزيارات أو شرائها من كانتين السجن.
وذكرت الإفادات أن الحملة جاءت بعد أن حجب معتقلون كاميرات المراقبة داخل بعض الغرف، في خطوة احتجاجية على الأوضاع التي يعيشونها. كما تحدثت عن محاولات للاعتداء على أحد المحتجزين خلال التفتيش، واقتياد معتقلين من إحدى الزنازين إلى التأديب، مع اتهامات بتعرضهما للضرب وهما مقيدان من الخلف.
وأشار المركز إلى ارتفاع عدد المودعين في التأديب إلى 14 معتقلًا، وفقًا للمعلومات التي تلقاها، بالتزامن مع استمرار منع الزيارات عن بعض المحتجزين الذين شاركوا في الاحتجاجات.
وتكتسب هذه الشكاوى أهمية خاصة في ضوء تصريحات السيسي بشأن عدم معاقبة السجين مرتين. فمصادرة الأغطية والملابس، إذا تمت على النحو الوارد في الإفادات ومن دون توفير بدائل مناسبة، تثير تساؤلات حول مدى مراعاة الاحتياجات الأساسية للمحتجزين، خصوصًا مع انخفاض درجات الحرارة خلال فصل الشتاء.
كما أن استخدام العزل أو الحرمان من المتعلقات الشخصية في سياق الاحتجاجات يستدعي توضيح الأساس القانوني لهذه الإجراءات، والتحقق من مدى تناسبها مع أي مخالفات منسوبة إلى المحتجزين، وضمان عدم تحولها إلى عقوبات جماعية.
منع الزيارات والتريض والرعاية الطبية
لم تقتصر الشكاوى المتعلقة بسجن بدر 3 على مصادرة المتعلقات الشخصية، بل تضمنت أيضًا اتهامات بمنع الزيارات العائلية، والحرمان من التريض، وإلغاء بعض جلسات المحاكمة بدعوى التعذر الأمني، ومنع محتجزين من الوصول إلى العيادات الطبية.
وفي رسالة قال مركز الشهاب إنه تلقاها من داخل السجن، تحدث معتقلون عن تجمع الأهالي أمام المنشأة بعد تعذرهم من الاطمئنان على ذويهم، مشيرين إلى أن المحتجزين لم يعرفوا أنهم ممنوعون من الزيارة إلا بعد انتظار ومطالبات استمرت لساعات.
وأضافت الرسالة أن قوات أمنية اقتحمت غرفًا عقب هتافات المحتجزين وندائهم على أسرهم، مع اتهامات بالاعتداء على عدد من كبار السن ومصادرة الملابس والبطاطين والكتب. كما تضمنت مزاعم بشأن تهديد بعض المعتقلين باعتقال ذويهم، والإشارة إلى توقيف أحد الأهالي.
وأعلن محتجزون، بحسب الرسالة، بدء إضراب عن الطعام احتجاجًا على هذه الإجراءات، مؤكدين تمسكهم بحقوقهم الأساسية ورفضهم ما وصفوه بإهدار كرامتهم وكرامة أسرهم.
محاولة انتحار بعد مصادرة أدوية نفسية
ومن الوقائع التي تثير مخاوف بشأن الأوضاع الصحية والنفسية داخل السجون، ما ورد في إفادات حقوقية عن محاولة محتجز يدعى علي فتحي إنهاء حياته داخل بدر 3، عقب مصادرة أدويته النفسية خلال حملة تفتيش، وفقًا للمعلومات المتداولة.
وتشير الرواية المنشورة إلى أن المحتجز أصاب شرايين يده، وأن تقديم الإسعافات له تأخر بسبب اشتراط تقييد المحتجزين الموجودين معه بالأصفاد قبل نقله إلى العيادة، قبل أن يتلقى العلاج اللازم وتتم خياطة الجرح بعدة غرز.
وفي واقعة أخرى، تحدثت المعلومات عن تدهور الحالة الصحية لأحد المضربين عن الطعام، بعد انخفاض مستوى السكر في الدم لديه إلى 40، ما استدعى نقله إلى العيادة وتلقيه محاليل طبية.
كما أشارت الإفادات إلى وجود 20 محتجزًا في العزل الانفرادي، مع شكاوى من الحرمان من الفرش والأغطية والملابس والأدوية.
برج العرب.. مخاوف بعد محاولات إيذاء النفس
وفي سجن برج العرب، كشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن معلومات بشأن وقوع ثلاث محاولات انتحار بين المحتجزين، بينها حالتان لقطع الشرايين، بالتزامن مع دخول معتقلي العنبر 24 في إضراب وترديد هتافات احتجاجية.
وبحسب ما أورده المركز، شملت الشكاوى قطع المياه والكهرباء عن المحتجزين في العنبر، ومنعهم من التريض، إلى جانب نقل عدد من المعتقلين من العنبر السياسي رقم 24 إلى العنبر الجنائي رقم 12.
وقال المركز إن هذه التطورات تثير مخاوف بشأن سلامة المحتجزين، مطالبًا بالتدخل لضمان توفير المياه والكهرباء والرعاية الطبية، والتحقيق في ملابسات محاولات إيذاء النفس، والتحقق من أسباب نقل المحتجزين والإجراءات التي اتخذت بحقهم.
إضرابات تمتد إلى سجون متعددة
ترافقت التطورات في بدر وبرج العرب مع إفادات عن احتجاجات داخل عدد من السجون ومقار الاحتجاز، خلال ما أطلق عليه المشاركون اسم «حراك أكتوبر»، الذي شهد امتناع محتجزين عن استلام الوجبات اليومية، المعروفة داخل السجون باسم «التعيين» أو «الجراية»، إلى جانب الهتافات والطرق على أبواب الزنازين.
وشملت المعلومات المتداولة سجون بدر 1 وبدر 3 وشديد المنيا والوادي الجديد وليمان المنيا والعاشر من رمضان وأبو زعبل ووادي النطرون، فضلًا عن أماكن احتجاز أخرى. وتفاوتت المشاركة المعلنة من منشأة إلى أخرى، وفقًا للرسائل والإفادات التي نقلتها جهات حقوقية وحملات داعمة للمعتقلين.
وفي سجن بدر 1، تحدثت إفادات عن مشاركة نحو 100 غرفة من إجمالي يقارب 250 غرفة في التحركات، بينما أشارت معلومات أخرى إلى مشاركة عشرات الغرف في سجن شديد المنيا. كما وردت تقارير عن رفض معتقلين في منشآت أخرى استلام الطعام أو الخروج للتريض، احتجاجًا على ظروف الاحتجاز والقيود المفروضة على الزيارات.
وتضمنت الرسائل المتداولة مطالب بتحسين ظروف المعيشة داخل السجون، وضمان الرعاية الطبية، ووقف الاعتداءات، والسماح بالزيارات والتريض، إلى جانب الاعتراض على نقل بعض المحتجزين إلى منشآت أخرى.
غير أن تقدير الحجم الإجمالي للإضرابات يظل صعبًا في ظل غياب إحصاء مستقل وشامل، واختلاف المعلومات الواردة من مكان إلى آخر. كما أن بعض التفاصيل لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
وفي جميع الأحوال، فإن اللجوء إلى الإضراب عن الطعام يمثل مؤشرًا على وجود أزمة تستحق الفحص، خصوصًا عندما تتكرر المطالب المتعلقة بالاحتياجات الأساسية والتواصل مع الأسر والرعاية الصحية.
القبض على ستة صحفيين من متصدقش
وفي سياق أوسع يتعلق بأوضاع الحقوق والحريات في مصر، كانت منصة «متصدقش» قد أعلنت إلقاء القبض على ستة صحفيين يعملون لديها، بعد مداهمة منازل عدد منهم خلال وقت متأخر خلال الأيام الماضية.
وقالت المنصة إن المقبوض عليهم هم محمد أشرف وعبدالله قدري وإسلام بركات ومحمد عادل ومحمد محمود وعمر هلال، مشيرة إلى أن القوات تحفظت على هواتفهم وأجهزة الحاسوب الخاصة بهم.
وأضافت المنصة أن القبض على الصحفيين الستة أدى إلى احتجاز كامل فريق التحرير، بينما لم تكن قد تمكنت، وفقًا لما أعلنته، من معرفة أماكن احتجازهم أو الجهة التي تتولى التحقيق معهم أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.
من جانبها، أعلنت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين تضامنها مع الصحفيين وطالبت بالإفراج الفوري عنهم والكشف عن أسباب توقيفهم وأماكن احتجازهم، فيما كلف نقيب الصحفيين خالد البلشي الإدارة القانونية للنقابة بمتابعة القضية واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتضيف القضية إلى التساؤلات بشأن حدود حرية العمل الصحفي، ومدى ضمان الإجراءات القانونية عند توقيف الصحفيين، في وقت تتصاعد فيه شكاوى حقوقية مرتبطة بأوضاع السجون والاحتجاز.
التطوير لا يقاس بالمباني وحدها
تطرح الوقائع الواردة من السجون تساؤلًا جوهريًا حول المعايير التي ينبغي اعتمادها لتقييم التطوير الذي تحدث عنه السيسي. فوجود منشآت حديثة أو تغيير مسمى السجون إلى مراكز للإصلاح والتأهيل لا يكفي وحده لإثبات تحسن ظروف الاحتجاز، ما لم ينعكس ذلك على معاملة المحتجزين واحترام حقوقهم اليومية.
وتشمل هذه المعايير توفير الغذاء والمياه والملابس والأغطية المناسبة، وإتاحة الرعاية الصحية والنفسية دون تأخير، وضمان الزيارات العائلية والتواصل مع المحامين، ومنع الاعتداءات والعقوبات الجماعية، إلى جانب إخضاع الإجراءات التأديبية لرقابة قانونية فعالة.
كما يتطلب التقييم الجاد السماح بزيارات رقابية مستقلة، وفحص الشكاوى المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من العلاج، وإعلان نتائج التحقيقات بشأن الوقائع الخطيرة، مع ضمان حماية المحتجزين من الانتقام بسبب تقديم الشكاوى أو المشاركة في الاحتجاجات.
وكان السيسي قد دعا المواطنين وشباب الجامعات والمؤسسات المختلفة إلى زيارة السجون والاطلاع على التطوير الذي جرى فيها، لكن التحقق من الأوضاع لا ينبغي أن يقتصر على زيارات تنظمها الجهات الرسمية، بل يتطلب آليات رقابة تستطيع الوصول إلى المحتجزين والاستماع إليهم بحرية، وفحص سجلات الرعاية الصحية والزيارات والعقوبات، ومقارنة ما يقال داخل المنشآت بما يرد في الشكاوى الحقوقية.

