تتصاعد حدة الأزمة المعيشية في مصر مع استبعاد مئات الآلاف من الأسر من منظومة الدعم التمويني، استناداً إلى معايير مالية متقادمة لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي المتردي وتآكل القوة الشرائية للعملة المحلية.
وتواجه وزارة التموين والتجارة الداخلية مطالبات برلمانية وشعبية واسعة لرفع الحد الأدنى لتقييم الدخل الشهري ومصروفات المدارس والكهرباء إلى 50 ألف جنيه، لإنقاذ الطبقة المتوسطة من السقوط خارج شبكة الحماية الاجتماعية.
معايير مالية متقادمة تقصي المستحقين
تعتمد لجان الفرز بوزارة التموين على قواعد بيانات مالية قديمة لتحديد مستحقي الدعم، مما أدى إلى تجميد واستبعاد بطاقات نحو 850 ألف مواطن بدعوى ارتفاع قدرتهم المالية وعدم تطابق بياناتهم المسجلة.
وعلاوة على ذلك، تصنف الوزارة الأسر التي تسدد مصروفات مدرسية تتجاوز 20 ألف جنيه سنوياً ضمن الفئات المقتدرة، متجاهلة القفزات السعرية الهائلة التي ضربت قطاع التعليم والخدمات الأساسية خلال الأشهر الماضية.
ومن جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور زهدي الشامي أن تثبيت الحدود المالية للاستحقاق عند مستويات ما قبل موجات التعويم المتتالية يفرغ منظومة الحماية من مضمونها، ويحول التضخم إلى أداة لإقصاء المستحقين الفعليين.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن تآكل القيمة الشرائية للجنيه جعل مبلغ 20 ألف جنيه بالكاد يغطي الاحتياجات الأولية للأسرة المصرية، ولا يمكن اعتباره مؤشراً على الرفاهية أو الملاءة المالية المرتفعة.
موجة تظلمات واسعة ومطالبات بالتصحيح
وبالتوازي مع قرارات الحذف الواسعة، تدفقت آلاف الشكاوى الشعبية إلى المكاتب الرقمية والميدانية، حيث سجلت منصة مصر الرقمية ومراكز الخدمة نحو 5000 تظلم رسمي من المواطنين المستبعدين الباحثين عن استعادة حصصهم التموينية.
وفي هذا السياق، دفعت هذه الأزمة نواباً في البرلمان، بينهم النائبة نانسي نعيم، إلى تقديم طلبات إحاطة عاجلة لرئيس الوزراء ووزير التموين للمطالبة بوقفة حاسمة تضمن مراجعة محددات الاستبعاد الجائرة فوراً.
ومن ناحيته، يرى الباحث في السياسات الاجتماعية والاقتصادية إلهامي الميرغني أن ربط الدعم بمؤشرات استهلاك الكهرباء أو حيازة سيارات قديمة يتجاهل الأعباء المعيشية المركبة، ويقوض استقرار الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة.
وفضلاً عن ذلك، تشدد المذكرات البرلمانية على ضرورة البت في التظلمات خلال أسبوعين كحد أقصى، مع إلزام الوزارة بالرد الفوري عبر الرسائل النصية وإعادة كافة الأسر التي تثبت أحقيتها دون تباطؤ إداري.
التحول للدعم النقدي ومخاطر التطبيق
وعلى صعيد متصل، تتجه وزارة التموين نحو تغيير جذري في آلية توزيع الدعم عبر استبدال الحصص السلعية العينية بمبالغ نقدية تودع في حسابات المستفيدين، بزعم تقليل الفاقد ورفع كفاءة الإنفاق العام.
ومع ذلك، يثير هذا التوجه مخاوف واسعة في الأوساط الاقتصادية حول مدى قدرة المبالغ النقدية الثابتة على الصمود أمام الارتفاعات المستمرة في أسعار السلع الغذائية الأساسية داخل الأسواق المحلية والمنافذ التجارية.
وفي هذا الإطار، يؤكد أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور عبد الخالق فاروق أن التحول إلى الدعم النقدي في ظل بيئة تضخمية غير مستقرة يؤدي عملياً إلى تقليص القيمة الحقيقية للدعم المقدم للمواطن بمرور الوقت.
وبناءً على هذه المعطيات، يبقى استقرار الأمن الغذائي للأسر المصرية مرهوناً بتحديث شامل وعادل لمعايير الاستحقاق المالي، وربط أي منظومة دعم جديدة بمعدلات التضخم الفعلية لحماية الفئات الهشة من التهميش الاقتصادي.

