حذّر الخبير الاقتصادي محمد أنيس من تصاعد مخاطر تجديد الديون قصيرة الأجل في مصر، مع ارتفاع الفائدة أو تراجع إقبال المستثمرين، بما يضاعف ضغوط السيولة ويزيد تكلفة الاقتراض على الخزانة العامة.

 

وفي المقابل، يضع استمرار هذا المسار سلطة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام مسؤوليتها عن اقتصاد تتقدم فيه التزامات الدائنين، بينما تتحمل الأسر تبعات ضيق الإنفاق العام وارتفاع تكلفة تمويل الإنتاج.

 

 

اقتراض متجدد يغذي عوائد الدائنين

 

ففي صلب الأزمة، تتحول الاستدانة المتكررة إلى وسيلة لتدبير استحقاقات سابقة، بدل توسيع الموارد المستدامة، وتصبح قدرة الحكومة على مواصلة الاقتراض شرطًا لاستمرار تمويلها، بما يمنح السوق نفوذًا متزايدًا على خياراتها.

 

وبحسب تصريحات محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، المنشورة في 10 أكتوبر، فإن تجديد الالتزامات القصيرة بصورة متكررة يزيد تعرض الخزانة لتقلب الفائدة وتراجع الطلب على أدواتها، ويرفع تكلفة الحصول على التمويل.

 

ومع ذلك، يميز أنيس بين إعادة تمويل دين مستحق وزيادة إجمالي المديونية، موضحًا أن استبدال التزام بآخر لا يرفع الدين تلقائيًا بالقيمة نفسها، وإنما تتحدد النتيجة بالتكلفة والأجل وحجم الاقتراض الجديد.

 

لكن هذا التمييز لا يمنح الحكومة شهادة براءة، فترحيل الاستحقاق لا يمحو عبئه، وقد يعيد إنتاجه بشروط أشد، خصوصًا حين يصبح تدبير السيولة العاجلة مقدمًا على بناء موارد تكفي للسداد.

 

وفي هذه المعادلة، يحصل حائزو أذون وسندات الخزانة على عوائد تمولها الموارد العامة، بينما تواجه الأنشطة الإنتاجية منافسة من مقترض حكومي ضخم يستطيع جذب السيولة بعوائد مرتفعة وشروط تبدو أكثر إغراءً.

 

وبالتوازي، قد تجد البنوك في الدين الحكومي توظيفًا أسهل من تمويل مصنع أو مشروع صغير، فتضعف الحوافز لتحمل مخاطر الإنتاج، وتزداد صعوبة حصول الشركات على تمويل يسمح بالتوسع والتشغيل.

 

غير أن عائد الأذون ليس ربحًا مصرفيًا صافيًا، إذ تتحمل البنوك تكلفة الودائع والتشغيل والضرائب، ولذلك تبقى مساءلة السياسة الحكومية أقوى حين تنطلق من توزيع الموارد، دون تضخيم حسابي للأرباح.

 

كذلك، لا يثبت استفادة الدائنين وجود اتفاق خفي لفرض الفائدة، لكن استمرار المنفعة يفرض شفافية بشأن هيكل حائزي الدين وتكلفته وآجاله، بدل حجب التفاصيل خلف عبارات الثقة وجاذبية السوق.

 

ومن ثم، تصبح إطالة آجال الاستحقاق وتحسين كفاءة الإنفاق ضرورة للمحاسبة، لا شعارًا يتكرر مع كل أزمة، فالحكومة مطالبة بإظهار ما تغير فعليًا في مخاطر التمويل، لا الاكتفاء بإعلان النوايا.

 

 

فوائد الديون تزاحم حقوق المواطنين

 

أما الوجه الاجتماعي للأزمة، فيظهر حين تضيق الموارد المتاحة للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية بسبب الفوائد، فتتحول قرارات التمويل إلى قيود على الخدمة العامة، ويتحمل المواطن أثرها حتى دون امتلاك قرض.

 

وفي هذا السياق، حذّر بيار الخوري، الخبير الاقتصادي، في 12 أكتوبر، من أن ارتفاع تكلفة خدمة الدين بالدول النامية يقلص قدرتها على تمويل الصحة والتعليم والبنية الأساسية، ويضغط على الإنفاق العام.

 

وأضاف الخوري، في حديثه عن أزمة الدول المدينة، أن إعطاء السداد أولوية على الاحتياجات الاجتماعية قد يضعف الاستقرار، مؤكدًا ضرورة توزيع الأعباء بصورة تراعي استمرار الخدمات وقدرة المجتمعات على التحمل.

 

وعلى هذا الأساس، لا يجوز التعامل مع الموازنة باعتبارها دفترًا لطمأنة الدائنين وحدهم، فالتعليم والعلاج ليسا فائضًا يؤجل صرفه، وإنما حقوق ينبغي أن تحكم ترتيب الالتزامات وأولويات استخدام المال العام.

 

في المقابل، يزيد ارتفاع الفائدة تكلفة شراء المعدات وتمويل المخزون وتوسيع المصانع، وقد يدفع الشركات لتأجيل استثماراتها، فتنتقل آثار إدارة الدين من الحسابات الحكومية إلى فرص العمل والدخول وقدرة الأسر على الإنفاق.

 

وبينما تستهدف الفائدة كبح التضخم، فإنها لا تنتج سلعة ناقصة ولا تزيل اختناقات الاستيراد، ما يجعل الاعتماد عليها دون معالجة أسباب ارتفاع التكلفة تحميلًا للنشاط الاقتصادي أعباء إضافية قد تطيل الركود.

 

فضلًا عن ذلك، لا يعني انخفاض معدل التضخم عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل تباطؤ ارتفاعها، ولذلك لا يكفي الاحتفاء بالمؤشر لإثبات تحسن المعيشة أو تعويض الدخول عما فقدته.

 

ومن ناحية أخرى، تستطيع عوائد الدين المرتفعة جذب استثمارات المحافظ الأجنبية، لكنها لا تضمن بقاءها، إذ يتغير قرار المستثمر مع توقعات العملة والمخاطر والعائد، بما يجعل الاعتماد المفرط عليها مصدر هشاشة.

 

وبذلك، لا يصح تقديم تدفق الأموال القصيرة باعتباره بديلًا عن الإنتاج والتصدير، فتمويل الالتزامات اليوم مقابل عوائد مرتفعة غدًا قد يمنح السلطة مهلة، لكنه لا يمنح المجتمع أساسًا مستدامًا لتحسين معيشته.

 

 

بيع الأصول يؤجل سؤال المحاسبة

 

وعندما تضيق خيارات التمويل، يتقدم بيع الأصول باعتباره مخرجًا سريعًا، لكن تحويل الملكية العامة إلى سيولة لا يثبت إصلاح الاقتصاد، خصوصًا إذا استُهلكت الحصيلة في سداد التزامات دون تغيير أسباب تراكمها.

 

وفي تصريحات منشورة في 8 أكتوبر، أكد حسن الصادي، الخبير الاقتصادي، أن تقييم الاستثمار يتوقف على نوعيته وقدرته على إنشاء طاقات إنتاجية، وأن حجم الأموال الداخلة وحده لا يحدد قيمته الاقتصادية.

 

كما فرّق الصادي بين إنشاء مصانع ومزارع ومرافق منتجة جديدة، وبين الاستحواذ على أصول قائمة مقابل سيولة تستخدم للسداد، معتبرًا أن زيادة الإنتاج والتشغيل والصادرات هي المعيار الفعلي للعائد الاقتصادي.

 

وبناءً عليه، يصبح الاحتفاء بحصيلة البيع دون إعلان تكلفة التخلي عن الأصل تسويقًا لجزء من الصورة، فالمواطن يحتاج معرفة الإيرادات المستقبلية المفقودة، وطريقة التقييم، والبدائل التي جرى استبعادها قبل إتمام التصرف.

 

كذلك، لا تعني مبادلة الديون بأصول تحسنًا مساويًا في ثروة الدولة، لأن خفض الالتزام يقابله نقل ملكية أو حقوق اقتصادية، وتظل المحصلة مرهونة بقيمة الأصل وعوائده وتكلفة الدين الذي جرت تسويته.

 

أما تحصيل الضرائب المستقبلية مقدمًا مقابل خصم، فيمنح الخزانة سيولة عاجلة على حساب تدفقات لاحقة، ولذلك يجب قياس تكلفته الفعلية، بدل تقديمه كموارد جديدة لا تحمل الموازنة التزامات أو تنازلات.

 

وفي الحالتين، يمكن للحلول الاستثنائية تخفيف ضغط قريب، لكنها لا تمنع العودة للاقتراض إذا بقي الإنفاق ضعيف الجدوى، واستمرت فجوة الموارد، وظل توسيع الإنتاج أقل أولوية من تدبير السداد التالي.

 

ولهذا، تبدأ المحاسبة بإعلان تكلفة المشروعات وعوائدها الفعلية ومصادر تمويلها، وربط أي اقتراض جديد بمنفعة قابلة للقياس، بدل ترك المجتمع يدفع فوائد قرارات لم تتح له فرصة فحص جدواها.

 

وبدل تحميل الأسر مسؤولية الأزمة عبر دعوات الترشيد وحدها، تقع على السلطة مسؤولية مراجعة أولوياتها، وحماية الإنفاق الأساسي، وتوسيع المنافسة والإنتاج، ونشر بيانات تسمح بتقييم النتائج بعيدًا عن الدعاية الحكومية.

 

وفي النهاية، لن تنتهي دائرة الديون بتغيير اسم أداة التمويل أو نقل أصل من جهة لأخرى، بل بتغيير سياسة تجعل السداد غاية والإنتاج مؤجلًا، وتطالب المواطنين بتمويل الفشل مرة بعد أخرى.