تواجه عدة دول أوروبية موجة متصاعدة من الاحتجاجات التي تجمع بين المطالب الاقتصادية والاجتماعية والاعتراض على السياسات الحكومية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة، بينما تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب، ما وضع الحكومات أمام ضغوط متزايدة لاحتواء الغضب الشعبي واستعادة الاستقرار.

 

وتتصدر فرنسا المشهد مع اتساع الاحتجاجات المرتبطة بأوضاع المدارس وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بالتزامن مع انتقادات لطريقة تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين، فيما شهدت إيطاليا اشتباكات في عدد من المدن، وخرج محتجون في البرتغال للمطالبة بإجراءات تحد من ارتفاع الإيجارات وتكاليف الحياة.

 

وفي ألبانيا، امتدت المطالب من قضايا التعليم والفساد إلى مستقبل الشباب وفرص العمل، بينما برزت في بلجيكا مناقشات بشأن تعزيز الاستعداد الأمني لمواجهة أعمال الشغب. وتكشف هذه التحركات، رغم اختلاف أسبابها المباشرة، عن ضغوط متراكمة تواجه الحكومات الأوروبية، وعن مخاوف من استغلال الأزمات المعيشية في تصعيد الاستقطاب السياسي وصعود التيارات الشعبوية.

 

وتزامن هذا المشهد مع انتشار حملات رقمية ربطت احتجاجات فرنسا بالتضامن مع فلسطين والهجرة، مستندة إلى صور ومقاطع فيديو مضللة.

 

وفي أستراليا، أثار تحقيق رسمي في تعامل الشرطة مع متظاهرين احتجاجا على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى سيدني تساؤلات بشأن استخدام القوة وحدود التعامل الأمني مع الاحتجاجات.

 

 

فرنسا في صدارة الغضب الأوروبي

 

سلطت صحيفة ليبراسيون الفرنسية الضوء على الانتقادات الموجهة إلى إدارة احتجاجات 17 أكتوبر، مشيرة إلى أن حجم المشاركة تجاوز توقعات السلطات، إذ تراوحت التقديرات بين 500 ألف و800 ألف متظاهر في مختلف أنحاء البلاد.

 

ورغم أن غالبية المشاركين خرجوا في مسيرات سلمية، شهدت عدة مدن أعمال نهب وتخريب وحرائق واشتباكات مع الشرطة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن استعداد الأجهزة الأمنية وقدرتها على التعامل مع الحشود ومنع تحول التجمعات إلى مواجهات.

 

وتناولت التغطية أربعة محاور رئيسية لفهم ما جرى، شملت اختيار مسار المسيرة في باريس، وتوقيت استخدام الغاز المسيل للدموع، ومدى كفاية أعداد قوات الأمن، وهوية المجموعات التي شاركت في أعمال العنف.

 

ونقلت الصحيفة انتقادات من متظاهرين ومختصين في شؤون الشرطة بشأن طريقة التعامل مع الحشود، في مقابل دفاع مسؤولين نقابيين عن التدخلات الأمنية، معتبرين أن مجموعات من المخربين استغلت التجمعات السلمية لتنفيذ أعمالها.

 

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استخلاص الدروس من الأحداث في مجالي الاستخبارات والاستعداد المسبق، بينما تعهدت السلطات بمراجعة أوجه القصور المحتملة في التعامل مع الاضطرابات.

 

ولم يعد الجدل في فرنسا مقتصرا على أسباب الاحتجاجات، بل امتد إلى مدى جاهزية قوات الأمن، وحدود استخدام القوة، والمسؤولية عن تفاقم المواجهات. وزادت هذه التساؤلات بعدما أقر وزير الداخلية لوران نونييز بوجود ثغرات في استباق الأحداث، مشيرا إلى أن الشرطة فقدت السيطرة على الأوضاع في بعض المدن خلال أعمال العنف.

 

وبحسب تقرير نشرته صحيفة غارديان، جاءت الاحتجاجات امتدادا لتحركات طلابية بدأت أواخر سبتمبر، اعتراضا على نقص المدرسين وتهالك الفصول الدراسية وطول ساعات الدراسة وغموض نظام القبول الجامعي، قبل أن تتسع لتشمل شرائح متضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات الاجتماعية.

 

وتداخلت الأزمة مع الحسابات السياسية في البلاد، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الاستياء الشعبي إلى تعزيز فرص اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

حظر تجول وقيود على المظاهرات

 

وفي مواجهة تصاعد أعمال العنف، اتخذت السلطات الفرنسية إجراءات أمنية شملت فرض حظر تجول جزئي في مدن شمالي البلاد وليون، إلى جانب تقييد المظاهرات والحركة في مناطق من باريس، وفرض حظر تجول على القاصرين في أجزاء من مدينة نيس.

 

ووفقا للقرارات المعلنة، تقرر تطبيق حظر التجول من الثامنة مساء حتى السادسة صباحا خلال ليلتين في مدن ليل وواتيني ودواي ودينان، بينما أعلنت شرطة باريس قيودا على التجمعات في عدد من الأحياء، من بينها محيط ساحة الجمهورية.

 

وقال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إنه مصمم على استعادة النظام، لكنه اعتبر أن إعلان حالة الطوارئ يظل إجراء شديد الخطورة، موضحا أن فرض حظر التجول يبدو أكثر ملاءمة للظروف القائمة، مع استبعاد تطبيقه على العاصمة بأكملها.

 

كما رفض ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونييز، في ظل الحاجة إلى استمرار قيادة الأجهزة الأمنية خلال الأزمة، وكلفه بمراجعة أساليب عمل قوات الأمن وتعزيز قدرتها على التعامل مع المخربين، إلى جانب الكشف عن أوجه القصور في الاستعداد وجمع المعلومات الاستخبارية.

 

وطالب رؤساء بلديات كبرى المدن الفرنسية الحكومة بتقديم تفسيرات بشأن ما وصفوه بعدم جاهزية قوات الأمن، في حين أعلنت السلطات توقيف أعداد كبيرة من المشاركين في الاحتجاجات، وسط استمرار الجدل بشأن التوازن بين حماية الممتلكات العامة وضمان الحق في التظاهر.

 

 

أزمة السكن تشعل الاحتجاجات

 

وفي البرتغال، اتخذ الغضب الشعبي مسارا يركز بصورة أساسية على أزمة السكن وارتفاع تكاليف الحياة، إذ نصب محتجون خياما في ساحة روسيو وسط لشبونة للمطالبة بإجراءات تحد من ارتفاع الإيجارات وتوفر مساكن بأسعار تتناسب مع دخول السكان.

 

وذكرت تقارير صحفية أن التحركات جاءت امتدادا لاحتجاجات سكنية في بورتو، بالتزامن مع مسيرات للمطالبة بتحسين الأجور والمعاشات والخدمات العامة. وأظهرت البيانات الرسمية ارتفاع أسعار المساكن في البرتغال بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، ما زاد الضغوط على الشباب والأسر محدودة الدخل، خصوصا في العاصمة لشبونة.

 

وتعكس هذه الأزمة صعوبة حصول شرائح من العاملين على مساكن مناسبة، حتى مع استمرارهم في العمل والمساهمة في الاقتصاد، بينما أصبحت تكاليف الإيجارات عبئا متزايدا على ميزانيات الأسر.

 

وفي إسبانيا، تركزت الاحتجاجات كذلك على ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات، وسط غضب بسبب حالات إخلاء مستأجرين من منازلهم بعد زيادات كبيرة في الإيجارات. كما واجهت الحكومة صعوبات في تمرير تشريعات طارئة لحماية المستأجرين، ما زاد الضغوط السياسية بشأن قدرتها على معالجة الأزمة.

 

وتكشف الاحتجاجات في البلدين عن تحول السكن من قضية اقتصادية إلى أزمة اجتماعية وسياسية، خصوصا مع اتساع الفجوة بين دخول السكان وأسعار العقارات، وصعوبة انتقال الشباب إلى حياة مستقلة في المدن الكبرى.

 

 

إيطاليا تواجه اشتباكات عنيفة

 

وفي إيطاليا، تحولت مسيرات احتجاجية في ميلانو ومدن أخرى إلى مواجهات بين الشرطة ومجموعات من المحتجين، بعدما ألقى ملثمون الحجارة والألعاب النارية والزجاجات، وأقاموا حواجز وأضرموا النار في بعض المتاريس.

 

وشهدت ساحة بيازا دومو في ميلانو مواجهات دفعت الشرطة إلى الانسحاب مؤقتا وانتظار التعزيزات، قبل استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود. وامتدت الاشتباكات إلى تورينو وبولونيا وبيرجامو، مع ورود تقارير عن إصابة أفراد من الشرطة ومتظاهرين وتوقيف عشرات الأشخاص.

 

وأدانت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني أعمال العنف، مؤكدة أن حق التظاهر لا يبرر إحراق المدن أو الاعتداء على قوات الأمن. وفي المقابل، أقر رئيس بلدية ميلانو بأن دوافع الاحتجاج مفهومة، لكنه رفض تبرير الاعتداءات والأضرار التي لحقت بالمدينة.

 

وتبرز هذه التطورات التحدي الذي تواجهه الحكومة الإيطالية في التعامل مع المطالب الاجتماعية من جهة، ومنع تحول الاحتجاجات إلى أعمال عنف من جهة أخرى، خصوصا مع ارتباط الغضب الشعبي بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على تحمل النفقات الأساسية.

 

 

ألبانيا بين الفساد ومستقبل الشباب

 

وفي ألبانيا، اتسعت الاحتجاجات ضد رئيس الوزراء إيدي راما، مع مشاركة طلاب وشبان وتوسع التحركات خارج العاصمة تيرانا، وسط مطالب تتعلق بالتعليم والفساد وارتفاع الإيجارات وتراجع فرص العمل.

 

وأشارت صحيفة لوفيغارو الفرنسية إلى أن الغضب تجاوز القضايا التعليمية، ليشمل شعور قطاعات من الشباب بانسداد الآفاق الاقتصادية وصعوبة بناء مستقبل داخل البلاد. كما أثار مشروع سياحي ساحلي مثير للجدل اعتراضات، في ظل مخاوف بشأن الأولويات الحكومية ومستقبل المناطق المستهدفة بالتطوير.

 

وشهدت الاحتجاجات مواجهات استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي، بينما ألقى بعض المحتجين الحجارة والألعاب النارية والقنابل الحارقة، بحسب التقارير المنشورة.

 

ورفض راما الاستقالة، واتهم أطرافا خارجية بمحاولة عرقلة مسار بلاده نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في حين ربط المحتجون مطالبهم بالفساد وغياب الفرص الاقتصادية وتراجع الثقة في المؤسسات.

 

وتشير التطورات إلى أن الأزمة الألبانية لا تتعلق بغلاء المعيشة وحده، بل ترتبط أيضا بالثقة السياسية وقدرة الدولة على توفير فرص العمل والتعليم وتحسين الظروف التي تدفع الشباب إلى التفكير في مغادرة البلاد.

 

 

بلجيكا تعيد تقييم الاستعداد الأمني

 

وفي بلجيكا، تناولت صحيفة براسلز تايمز مناقشات بين وزارتي الدفاع والداخلية بشأن إنشاء احتياط من عناصر الشرطة المدربين عسكريا، يمكن الاستعانة بهم عند اندلاع أعمال شغب واسعة تتجاوز قدرة الأجهزة المعتادة على التعامل معها.

 

ونقلت الصحيفة عن وزير الدفاع ثيو فرانكن رغبته في إنشاء قوة وصفها بأنها «درك حديث»، تعمل تحت سلطة وزير الداخلية، بهدف تعزيز الاستجابة الأمنية في الظروف الاستثنائية.

 

وأكد مكتب وزير الداخلية برنار كوينتان إجراء مناقشات لتعزيز التعاون القائم بين الشرطة والدفاع، بما يشمل حماية مواقع معينة وتنفيذ دوريات مشتركة.

 

وتفتح هذه المقترحات نقاشا بشأن حدود الدور العسكري في التعامل مع الاضطرابات الداخلية، ومدى ضرورة تعزيز القدرات الأمنية دون المساس بحقوق المحتجين أو توسيع استخدام القوة في مواجهة التجمعات السلمية.

 

 

حملات رقمية تربط الاحتجاجات بفلسطين

 

وبالتوازي مع الاحتجاجات، رصدت وحدة مصادر مفتوحة حملة رقمية حاولت ربط الاضطرابات في فرنسا باعتراف باريس بدولة فلسطين، عبر نشر صور ومقاطع فيديو قُدمت على أنها مشاهد حديثة من الاحتجاجات.

 

ووفقا للتحليل، تضمنت المواد المتداولة صورا ثبت أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب مقاطع قديمة من مظاهرات داعمة لفلسطين أعيد نشرها خارج سياقها الأصلي، في محاولة لإظهار أن المتضامنين مع الفلسطينيين يقودون الاحتجاجات الاجتماعية الفرنسية.

 

وأظهر تحليل عينة من المنشورات خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026 أن إعادة النشر شكلت 89.3% من المحتوى المرصود، بواقع نحو 81.1 ألف عملية إعادة نشر، مقابل 846 منشورا أصليا فقط.

 

كما رصد التحليل شبكة ضمت 2893 حسابا، ارتبطت فيما بينها بآلاف الصلات القائمة على إعادة النشر والاقتباس والرد والإشارة، مع حضور حسابات إسرائيلية وأخرى يمينية أوروبية تتبنى خطابا مناهضا للهجرة والمسلمين.

 

وتوضح هذه النتائج، بحسب التحليل، كيف يمكن استغلال الأزمات الداخلية لترويج روايات سياسية مضللة، وتحويل الانتباه عن المطالب الأصلية المتعلقة بالتعليم والسكن وتكاليف المعيشة. ومع ذلك، فإن إثبات تداول مواد مضللة لا يعني بالضرورة أن جميع الحسابات المشاركة في نشرها كانت تعمل بتنسيق مباشر، وهو ما يتطلب التمييز بين الوقائع التي كشفها التحليل والاستنتاجات المتعلقة بالجهات المنظمة.

 

 

تحقيق أسترالي في استخدام الشرطة القوة

 

وفي أستراليا، أثار تحقيق رسمي في تعامل الشرطة مع احتجاجات شهدتها مدينة سيدني في 9 فبراير الماضي تساؤلات بشأن استخدام القوة ضد متظاهرين تجمعوا رفضا لزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

 

وقالت لجنة سلوك أجهزة إنفاذ القانون في ولاية نيو ساوث ويلز إنها تفحص مئات الشكاوى وأكثر من ألف ساعة من التسجيلات المصورة، لتحديد مدى مشروعية التدخلات الأمنية وما إذا كانت التجاوزات المحتملة تصرفات فردية أم ممارسات أوسع سمحت بها قيادات الشرطة أو شجعتها.

 

وبحسب ما نقلته صحيفة غارديان عن المحامية كيرستن إدواردز، التي تساعد اللجنة في التحقيق، كانت المظاهرة سلمية إلى حد كبير في مراحلها الأولى، وأظهرت تسجيلات منظمي الاحتجاج وهم يحاولون تهدئة التوتر مع الشرطة.

 

وتشمل الوقائع التي يجري فحصها اتهامات بضرب متظاهرين وجر مصلين أثناء الصلاة واستخدام رذاذ الفلفل ضد أشخاص يعانون صعوبات حركية، فضلا عن أساليب محاصرة الحشود خلال تفريق التجمعات.

 

وأشارت المحامية إلى أن الشرطة وجهت اتهامات إلى نحو 30 شخصا بعد الاحتجاجات، قبل سحب اتهامات عن عدد منهم، بينما أكد ممثل مفوض الشرطة أن أفراد الأمن تعرضوا لإساءات لفظية خطيرة، ودافع عن السلوك المهني لعدد من العناصر.