أرجأ مجلس النواب المصري يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 التصويت على تفويض عبد الفتاح السيسي بإرسال قوات لدعم السعودية عند طلبها، إلى الاثنين 26 أكتوبر، بعد جلستين مغلقتين لم تنتهيا إلى قرار، بينما ظلت طبيعة المهمة العسكرية وحجم القوات المحتملة ومدتها وتكاليفها خارج البيانات المعلنة للمواطنين.
وجاء التأجيل بعدما تعهد السيسي علنًا بحماية المملكة واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل حسم التفويض البرلماني، في وقت طالب فيه نواب بتحديد المخاطر التي قد يتعرض لها الجنود المصريون، وسط اعتراضات على منح السلطة التنفيذية صلاحية واسعة دون الكشف عن حدود التدخل أو آليات الرقابة على تنفيذه.
تأجيل البرلمان يكشف غياب التفاصيل
وفي تطور بدأ يوم السبت 17 أكتوبر، دعا السيسي مجلس النواب إلى اجتماع طارئ للنظر في إرسال دعم دفاعي للسعودية، ثم انعقد مجلس الدفاع الوطني يوم الأحد 18 أكتوبر وأعلن توفير أشكال المساندة اللازمة والممكنة، من دون أن ينشر تفاصيل عملية محددة بشأن الوحدات العسكرية أو مواقع انتشارها.
وبعد ذلك عقد البرلمان جلسته الأولى برئاسة هشام بدوي يوم الأحد، ثم واصل المناقشات يوم الاثنين، قبل أن يرجئ التصويت أسبوعًا كاملًا، رغم أن الطلب قُدم باعتباره مسألة عاجلة، وهو تأجيل كشف أن التصريحات العلنية سبقت تقديم إجابات واضحة عن المهمة التي يُطلب من النواب الموافقة عليها.
وعلى المستوى الدستوري، تشترط المادة 152 من الدستور المصري أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على أي مهمة قتالية خارج الحدود، ويعني ذلك حاجة التفويض إلى تأييد 398 عضوًا من أصل 596، فلا يستطيع إعلان الاستعداد السياسي وحده أن يحل محل التصويت المطلوب.
وفي مواجهة الغموض، أعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي توجيه نوابه إلى الامتناع عن التصويت، موضحًا أن المعلومات المتاحة لا تحدد أهداف المهمة أو نطاقها أو مدتها أو كلفتها أو مخاطرها، وطالب الحزب بالحفاظ على فرصة الوساطة بدل الموافقة على التزام عسكري مفتوح قد تتجاوز تبعاته حدود الدفاع المعلن.
ومن جهته، انتقد السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، ترتيب القرارات، لأن السيسي أعلن التزامه قبل استكمال مناقشات مجلس الدفاع الوطني، واعتبر الدبلوماسي السابق أن الجهات المختصة كان ينبغي أن تدرس الخيارات والمخاطر أولًا، وأن تعرض على المؤسسات المعنية مهمة محددة قبل إطلاق التعهد السياسي.
ولهذا بقيت الجلسات السرية موضع مساءلة، فسرية تداول المعلومات العسكرية لا تفسر غياب بيان عام عن الأهداف والمدة وحدود التفويض، كما أن منح النواب فرصة الكلام لا يعوض بيانًا رسميًا يوضح ما إذا كانت مصر ستقدم دفاعًا جويًا محدودًا أم قوات تتعرض لهجمات مباشرة.
تعهدات السيسي ومطالب السعودية المجهولة
وفي خطابه بالأكاديمية العسكرية، قال السيسي إن التحرك المصري المحتمل سيكون للدفاع وليس للهجوم، لكنه ربط اتخاذ الإجراءات بتوجيهات الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان، وهي صياغة أثارت اعتراضات نقلتها تقارير صحفية عن مصادر مصرية خشيت أن تمس استقلال القرار العسكري وتحديد مهام الجنود خارج الحدود.
وبالرغم من كثافة التعهدات المصرية، لم تعلن الرياض حتى 20 أكتوبر طلبًا رسميًا محددًا بنشر قوات مصرية، ولم تكشف القاهرة وثيقة تحدد عدد العسكريين المطلوبين أو مناطق عملهم، ولذلك لا توجد معلومات منشورة تثبت أن السعودية فرضت شروطًا بعينها على مصر مقابل مشاركتها المحتملة.
وفي المقابل، أفادت مصادر برلمانية بأن مسائل حجم المشاركة والغطاء القانوني وطبيعة القيادة الميدانية ما زالت بحاجة إلى توضيح، وبينها احتمال قيادة مصرية أو سعودية أو مشتركة، وهي مسائل عملية تحدد من يصدر الأوامر للقوات ومن يتحمل مسؤولية العمليات عند وقوع خسائر أو توسع المواجهة.
وعند تفسير الضغوط التي تواجه الرياض، أوضح الباحث في شؤون الخليج توماس بوني جيمس أن هجمات الحوثيين على باب المندب تهدد حركة الملاحة عبر قناة السويس، وأن العمالة المصرية في السعودية تمثل مصلحة مباشرة للقاهرة، لكنه ميز بين حماية أراضي المملكة والانخراط في حرب برية داخل اليمن.
وبالتزامن مع ذلك، أشارت تقارير اقتصادية إلى استحقاق وديعة سعودية بقيمة 5 مليارات و300 مليون دولار لدى البنك المركزي المصري خلال أكتوبر، بينما ذكّر السيسي بالدعم الخليجي منذ عام 2013، غير أن المعلومات المنشورة لا تثبت ربط تجديد الوديعة أو الاستثمارات السعودية بقرار إرسال القوات، ولا تبرر إخفاء شروط أي مهمة عسكرية.
كما أن التقارير عن رصد طائرتي شحن عسكريتين مصريتين في المجال الجوي السعودي يوم الأحد لا تثبت بدء تنفيذ تفويض لم يصدر بعد، ولم يُعلن رسميًا عن مهمة الطائرتين، وبالتالي يظل التمييز واجبًا بين تحركات الطيران المرصودة وبين قرار محدد بإرسال قوة قتالية إلى المملكة.
تكلفة التدخل ومخاطر حرب اليمن
وعلى الأرض، جاءت المناقشات بعد هجمات حوثية متكررة على مطارات ومنشآت نفطية سعودية، وفي مقدمتها مطار الملك خالد بالرياض، بينما كثفت السعودية عملياتها العسكرية في اليمن، وهو تصعيد يضع أي مشاركة مصرية محتملة في مواجهة خطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة حتى لو اقتصر الانتشار على حماية المنشآت.
ومن منظور عسكري مستقل، حذر أندرياس كريغ، المحاضر الأول في الدراسات الأمنية بكلية كينغز في لندن، من الاعتقاد بأن دخول جيش عربي كبير سيحسم المواجهة مع الحوثيين، موضحًا أن الصواريخ والمسيرات وتوزع القوات وطبيعة الجغرافيا تجعل هزيمتهم بالقصف مسألة بالغة الصعوبة، وأن المساعدة المصرية قد تعزز الدفاع دون إنهاء الحرب.
وبناء على هذه المخاطر، تبقى حماية المطارات والموانئ والمنشآت النفطية وتبادل المعلومات ونشر منظومات دفاع جوي احتمالات ناقشها الخبراء، وليست خطة أعلنتها الحكومة المصرية، كما أن تسمية المهمة دفاعية لا تكفي وحدها لتحديد قواعد الاشتباك ومدة الوجود العسكري والجهة المسؤولة عن إعادة الجنود.
وفي السياق الاقتصادي، ترتبط سلامة الملاحة في البحر الأحمر بإيرادات قناة السويس التي تضررت بسبب الهجمات على السفن، لكن حماية هذا الممر لا تساوي تلقائيًا إرسال قوات إلى الأراضي السعودية، خصوصًا أن مصر شاركت سابقًا في ترتيبات بحرية دون التزام معلن بخوض عمليات برية في اليمن.
وعلى الصعيد الإنساني، أدت المعارك المتجددة في اليمن إلى نزوح أكثر من 200 ألف شخص منذ سبتمبر وفق أرقام أوردتها المنظمة الدولية للهجرة، فيما طالب شيخ الأزهر أحمد الطيب بتشكيل لجنة وساطة عاجلة، وهو مسار يتعارض مع تحويل التعهدات العسكرية المفتوحة إلى بديل عن وقف القتال.
ومع اقتراب جلسة 26 أكتوبر، يبقى المطلوب من حكومة السيسي تقديم تعريف مكتوب للمهمة وأهدافها وتكاليفها وقيادتها وضمانات عدم توسعها، بدل مطالبة البرلمان بمنح تفويض على أساس وعود غير مفصلة، فلا يجوز أن يصبح أمن السعودية ذريعة لاتخاذ قرار يمس حياة الجنود المصريين دون مساءلة واضحة.

