يروي الكاتب جيمس كلير قصة الروائي الأسترالي ماركوس زوساك، الذي استغرق ثلاث سنوات في كتابة روايته الشهيرة «سارقة الكتب»، وأعاد صياغة بدايتها ما بين 150 و200 مرة قبل أن يصل إلى النسخة التي رضي عنها. وتكشف تجربته أن الأفكار العظيمة لا تأتي دائمًا في لحظة إلهام خاطفة، بل قد تكون ثمرة محاولات متكررة ومراجعات لا تنتهي وإصرار على تطوير العمل حتى يبلغ المستوى المنشود.

 

وبحسب مقال نشره جيمس كلير على موقعه الإلكتروني، فإن النجاح الذي يبدو للآخرين وليد الحظ قد يكون في حقيقته نتيجة العمل الدؤوب والمثابرة والاستعداد للفشل والتعلم منه. ويستعرض الكاتب تجربة زوساك، إلى جانب نصائح من الكاتبة والمنتجة شوندا رايمز، ليوضح كيف يمكن للمبدعين تحويل أفكارهم إلى إنجازات ملموسة من خلال الاستمرار في العمل بدلًا من الاكتفاء بالأحلام.

 

 

«سارقة الكتب».. كيف تصنع المحاولات المتكررة رواية ناجحة؟

 

في عام 2002، جلس ماركوس زوساك ليكتب رواية جديدة. وبدأ بتحديد بداية القصة ونهايتها، ثم وضع قوائم طويلة بعناوين الفصول، احتفظ ببعضها في النسخة النهائية واستبعد كثيرًا منها.

 

وعندما شرع في كتابة القصة، حاول سرد الأحداث على لسان الموت، لكنه لم يصل إلى النتيجة التي أرادها. فأعاد كتابة الرواية من منظور الشخصية الرئيسية، لكنه شعر مجددًا بأن شيئًا ما لا يسير على النحو الصحيح.

 

وجرّب بعد ذلك السرد من وجهة نظر شخص من خارج الأحداث، ثم انتقل بين زمن المضارع وزمن الماضي، لكن النص ظل يفتقر إلى الانسيابية التي يبحث عنها. وواصل المراجعة والتغيير والتحرير، حتى أعاد كتابة الجزء الأول من الرواية، بحسب تقديره الشخصي، ما بين 150 و200 مرة.

 

وفي النهاية، عاد إلى اختياره الأصلي، وكتب الرواية من منظور الموت. لكن هذه المرة، وبعد نحو 200 محاولة، شعر بأن النص أصبح كما أراده. واستغرق إنجاز الرواية ثلاث سنوات، وأطلق عليها اسم «سارقة الكتب» (The Book Thief).

 

وفي مقابلة بعد صدور الرواية، قال زوساك إنه ربما أخفق أكثر من ألف مرة خلال السنوات الثلاث، لكنه رأى أن كل إخفاق قرّبه خطوة من الكتابة التي كان يسعى إليها، وهو ما جعله يشعر بالامتنان لتلك التجارب.

 

وسرعان ما حققت الرواية نجاحًا لافتًا؛ إذ بقيت على قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة «نيويورك تايمز» لأكثر من 230 أسبوعًا، وبيعت منها 8 ملايين نسخة، وتُرجمت إلى 40 لغة. وبعد سنوات، اقتبستها هوليوود في فيلم سينمائي طويل.

 

قد تبدو هذه النجاحات الاستثنائية وكأنها وليدة الحظ، فمن الأسهل أحيانًا تفسير النجاح باعتباره مصادفة سعيدة أو استثناءً نادرًا. ولا شك أن للحظ دورًا في كثير من قصص النجاح، لكن تجربة زوساك توضح أن تكرار المحاولة وتطوير المهارات قد يهيئان الظروف التي تجعل النجاح أقرب إلى التحقق.

 

 

سر الحظ الجيد.. تحوّل من الحلم إلى الفعل

 

كيف يبتكر العباقرة المبدعون أفكارًا عظيمة؟ إنهم يعملون، ويحررون نصوصهم، ويعيدون كتابتها، ويجربون من جديد، ويستخرجون قدراتهم الإبداعية بالإرادة والمثابرة. وباستمرارهم في العمل، يمنحون أنفسهم فرصة أكبر لتحقيق النجاح الذي قد يبدو للآخرين مجرد حظ.

 

وفي خطاب ألقته الكاتبة والمنتجة شوندا رايمز خلال حفل تخرج جامعة دارتموث، طرحت فكرة تتقاطع مع تجربة زوساك، إذ أكدت أن الأحلام لا تتحقق لمجرد أننا نحلم بها، بل يحتاج تحقيقها إلى عمل شاق قادر على إحداث التغيير.

 

ودعت رايمز إلى التخلي عن الاكتفاء بالأحلام والتحول إلى الفعل، موضحة أن الإنسان ليس مضطرًا إلى معرفة شغفه بدقة قبل أن يبدأ. فالمهم هو مواصلة التقدم، والقيام بشيء ملموس، واغتنام الفرص المتاحة، والانفتاح على التجارب الجديدة، حتى إن لم تتطابق مع التصور المثالي للوظيفة أو الحياة.

 

وترى رايمز أن السعي وراء الكمال قد يصبح عائقًا، وأن البداية لا تحتاج إلى خطة مثالية بقدر ما تحتاج إلى خطوة فعلية. فمن يرغب في السفر يستطيع اتخاذ قرار السفر والبدء في ترتيب متطلباته، ومن يريد أن يصبح كاتبًا عليه أن يكتب كل يوم، لأن الكاتب هو الشخص الذي يمارس الكتابة باستمرار.

 

وتنسجم هذه النصيحة مع تجربة زوساك؛ فبدلًا من انتظار الفكرة المثالية أو اللحظة المناسبة، واصل العمل حتى اكتشف الصيغة التي تناسب روايته. ولم يكن الإخفاق المتكرر دليلًا على عجزه عن الكتابة، بل كان جزءًا من العملية التي قادته إلى النتيجة النهائية.

 

 

كيف يعمل الإبداع؟ الممارسة المستمرة تطلق القدرات

 

يمتلك كل منا قدرًا من العبقرية الإبداعية، لكن إطلاق هذه القدرة يتطلب العمل عليها. فلا شيء يكشف عن طاقاتنا الإبداعية بقدر إجبار أنفسنا على الإنتاج بصورة منتظمة، بدلًا من انتظار الإلهام أو الاكتفاء بالتفكير فيما نريد إنجازه.

 

وبالنسبة إلى زوساك، تجسدت هذه الممارسة في كتابة الرواية وإعادة كتابتها نحو 200 مرة. أما بالنسبة إلى شخص آخر، فقد تعني تكرار غناء أغنية حتى يصل إلى الأداء الذي يرضيه، أو مواصلة برمجة تطبيق حتى يتخلص من أخطائه، أو التقاط صور للأصدقاء حتى تصبح الإضاءة مثالية، أو الاهتمام بالعملاء إلى أن يفهم احتياجاتهم بصورة تفوق توقعاتهم.

 

ويمكن لأي شخص أن يحوّل عمله إلى شكل من أشكال الفن إذا بذل فيه الجهد المناسب، واهتم بتفاصيله، وسعى باستمرار إلى تحسينه. فالإبداع لا يقتصر على الفنانين والكتّاب، بل يمكن أن يظهر في البرمجة والتصوير وخدمة العملاء وغيرها من المجالات، متى تعامل الإنسان مع عمله بوصفه فرصة للتطوير والابتكار.

 

ويخلص جيمس كلير إلى أن العباقرة المبدعين لا يصلون إلى الأفكار العظيمة بالانتظار وحده، بل يعملون بجد من أجلها. فالممارسة المستمرة، والمراجعة، والاستعداد لتكرار المحاولة، كلها عناصر تساعد على تحويل الإمكانات الإبداعية إلى نتائج ملموسة.

 

https://jamesclear.com/markus-zusak