يفضح استحواذ المشترين الأجانب على 30% من وحدات مشروع علم الروم بالساحل الشمالي، حالة الارتهان الرسمي الكامل لتدفقات النقد الأجنبي السريعة، عبر بيع الأصول الساحلية الاستراتيجية لتغطية عجز السيولة المتفاقم.

 

وبينما تروج شركة الديار القطرية لهذه النسبة كنجاح تسويقي، يترجم هذا التوجه مسار نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في تحويل أثمن أراضي الدولة إلى ملاذات عقارية تخدم رؤوس الأموال العابرة.

 

 

دولرة العقار تغلق السواحل أمام المواطنين

 

وفي هذا السياق، يستند الرهان الحكومي على ما يسمى تصدير العقار إلى افتراضات هشة، تختزل التنمية الاقتصادية في مجرد استجداء الدولارات عبر بيع الرمال والشواطئ للأجانب، دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية ومستدامة.

 

وعلاوة على ذلك، يتجاهل هذا المسار حقيقة أن الأموال المتدفقة لشراء وحدات سكنية فاخرة تظل حبيسة الكتل الخرسانية، ولا تتحول أبدا إلى مصانع أو خطوط إنتاج تدر عائدا مستمرا للخزانة العامة.

 

ومن ناحية أخرى، يدفع هذا التسويق الموجه للخارج المطورين العقاريين إلى ربط أسعار الأراضي والوحدات بالدولار الأمريكي، مما يفصل السوق العقارية تماما عن مستويات الدخل الحقيقية للمواطنين داخل البلاد.

 

وبناء على ذلك، تتحول الشواطئ المصرية تدريجيا إلى كانتونات معزولة ومخصصة للأثرياء العرب والأجانب، بينما يجد المواطن المحلي نفسه مطرودا قسريا من جغرافيته الطبيعية بفعل الأسعار الفلكية واشتراطات الدفع بالعملة الصعبة.

 

وفي المقابل، تعجز هذه التدفقات النقدية المؤقتة عن سد الفجوة التمويلية المزمنة، لأنها توجه فورا لسداد أقساط الديون الخارجية المتراكمة بدلا من ضخها في شرايين الاقتصاد الحقيقي المتعطش للاستثمار المنتج.

 

وحول هذه السياسات، يقول الخبير الاقتصادي ومستشار البنك الدولي السابق الدكتور محمود وهبة، إن الاعتماد على بيع الأراضي والعقارات للأجانب يمثل تصفية تدريجية للثروة القومية مقابل مسكنات مالية مؤقتة لا تبني اقتصادا.

 

وإلى جانب ذلك، يوضح الدكتور محمود وهبة أن توجيه الموارد نحو التشييد الفاخر يستنزف الاحتياطيات المحلية من مواد البناء والطاقة، ليقدمها في النهاية كمنتج مدعوم للمشتري الأجنبي على حساب دافع الضرائب المصري.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، تسفر هذه السياسة عن خلق اقتصاد ثنائي مشوه، ينمو فيه قطاع عقاري ريعي معزول عن الواقع، بينما تنكمش القطاعات الصناعية والزراعية التي توظف الملايين وتضمن الأمن القومي للبلاد.

 

ونتيجة لذلك، يفقد الجنيه المصري المزيد من قوته الشرائية أمام سطوة الدولرة العقارية، حيث يتحول العقار من سلعة تلبي حاجة السكن الأساسية إلى أداة مضاربة مالية تلتهم مدخرات المجتمع وتعمق الركود.

 

 

المناطق الحرة تكرس العزلة الاقتصادية والاستثمارية

 

وعلى صعيد متصل، يأتي إعلان رئيس قطاع التطوير بشركة الديار القطرية طالب العذبة عن إنشاء منطقة استثمارية حرة بمساحة 50 ألف متر مربع داخل المشروع، ليكرس مفهوم الجزر الاقتصادية المعزولة عن الدولة.

 

وفضلا عن ذلك، فإن تركيز هذه المنطقة على الخدمات المالية ومنحها حزمة حوافز استثنائية، يعني عمليا حرمان الخزانة العامة من العوائد الضريبية والرسوم السيادية التي تُفرض قسرا وبلا هوادة على المشروعات المحلية.

 

ومن جهة أخرى، تفتح هذه المناطق الحرة الخاصة الباب واسعا أمام حركة رؤوس الأموال الساخنة والمضاربات المالية، التي تدخل وتخرج دون قيود، مما يحرم الاقتصاد الوطني من أي استقرار مالي أو تراكم رأسمالي.

 

وبالتوازي مع ذلك، تتلقى الشركات الأجنبية العاملة داخل مساحة الـ 50 ألف متر مربع إعفاءات جمركية وتسهيلات إجرائية واسعة، في وقت يختنق فيه المستثمر المحلي تحت وطأة البيروقراطية والجباية وتعدد الرسوم الحكومية.

 

ولهذا السبب، تفشل هذه المراكز المالية المعزولة في تحقيق أي تشابك قطاعي مع الاقتصاد المصري، إذ تستورد احتياجاتها من الخارج وتعيد تصدير أرباحها بالدولار، دون أن تترك قيمة مضافة حقيقية داخل البلاد.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور عبد الخالق فاروق، أن منح الحوافز والإعفاءات للمناطق الاستثمارية الخاصة داخل المشروعات العقارية، يفرغ السيادة الاقتصادية من مضمونها ويحرم الموازنة العامة من مواردها الطبيعية.

 

كما يشدد الدكتور عبد الخالق فاروق على أن تحويل مساحات شاسعة من الساحل الشمالي إلى مناطق حرة للخدمات المالية، يخدم شبكات المصالح الإقليمية والدولية دون أن يخلق فرص عمل مستدامة للعمالة المصرية.

 

وعطفاً على ذلك، تقتصر الوظائف المتولدة عن هذه المشروعات الساحلية على أعمال البناء المؤقتة أو خدمات الحراسة والنظافة الموسمية، والتي تنتهي فور تسليم الوحدات لملاكها الأجانب الذين لا يقيمون فيها إلا أسابيع معدودة.

 

وبالتالي، يتبدد الوهم الرسمي حول بناء مركز اقتصادي متكامل، ليتضح أن المشروع مجرد منتجع موسمي فاخر يتمتع بمزايا المنطقة الحرة، دون أن يقدم أي مساهمة فعلية في نقل التكنولوجيا أو توطين الصناعة.

 

 

الطبقة المتوسطة تدفع فاتورة المضاربات العقارية

 

وأما على المستوى الاجتماعي، فإن استحواذ الأجانب على 30% من مبيعات المشروعات الكبرى، يشعل موجة تضخمية عاتية تضرب سوق العقارات المحلية بأكملها، وتدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز القدرة المالية للمواطنين بمراحل.

 

وكذلك، ينتقل عدوى التسعير الدولاري من مشروعات الساحل الشمالي الفاخرة إلى المجمعات السكنية داخل القاهرة والمحافظات، حيث يسارع المطورون المحليون إلى رفع أسعارهم لمواكبة العوائد القياسية المحققة من المشترين الأجانب.

 

ومن ثم، تتآكل قدرة الطبقة المتوسطة والشباب على تملك أو حتى استئجار وحدات سكنية ملائمة، ليتحول الحق الدستوري في السكن الآمن إلى حلم مستحيل المنال في ظل التفاوت الصارخ بين الأجور والأسعار.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يؤدي توجيه السيولة المصرفية ومواد البناء نحو تشييد قصور وفيلات للأجانب في علم الروم، إلى تجفيف منابع التمويل اللازمة لمشروعات الإسكان المتوسط والشعبي التي يحتاجها ملايين الشباب سنويا.

 

وفي السياق ذاته، يوضح الباحث في العمران والسياسات الحضرية يحيى شوكت، أن ربط السوق العقارية بالطلب الخارجي يعمق التفاوت الطبقي والمكاني، ويؤدي إلى إفقار ممنهج للمستهلك المحلي الذي يُسعر خارج السوق تماما.

 

وإلى جانب هذا، يشير يحيى شوكت إلى أن هذه المشروعات تستهلك حصة ضخمة من البنية التحتية القومية، من طرق ومياه وكهرباء ميرتبطة بميزانية الدولة، لخدمة وحدات تظل مغلقة ومظلمة طوال شهور السنة.

 

ومع ذلك، تواصل الحكومة ضخ المليارات في ترفيق هذه السواحل لتهيئتها للمشتري الأجنبي، بينما تعاني الأحياء السكنية المكتظة بالمواطنين من تدهور الخدمات الأساسية وانقطاع المرافق وغياب الصيانة الدورية.

 

وهكذا، يتحمل المواطن المصري وحده فاتورة الديون العامة التي استُخدمت لتمويل البنية التحتية للساحل الشمالي، في حين تذهب عوائد هذه الاستثمارات إلى جيوب الشركات المطورة والمضاربين العقاريين العابرين للحدود.

 

وختاما، يبرهن مشروع علم الروم ونسبة الـ 30% من المشترين الأجانب على أن السياسة الاقتصادية الراهنة تقايض الجغرافيا والمستقبل العمراني للأجيال القادمة، مقابل تدفقات نقدية عابرة تفشل في إنقاذ عملة محلية منهكة.