تتصاعد موجة الاحتجاجات الاجتماعية في عدد من الدول الأوروبية، مع خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع رفضا لارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب الاعتراض على الرسوم التعليمية وتدهور الخدمات العامة والفساد والبطالة.

 

وشهدت البرتغال وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا تحركات واسعة تخللتها مواجهات مع قوات الشرطة وأعمال تخريب واعتقالات، بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات المناهضة للحكومة في ألبانيا، حيث يطالب المحتجون باستقالة رئيس الوزراء.

 

وتبرز التطورات اتساع نطاق الغضب الاجتماعي في القارة الأوروبية، مع تداخل المطالب الاقتصادية مع قضايا التعليم والسكن والعدالة الاجتماعية، وانضمام الطلاب والنقابات والعمال والشباب إلى التحركات. وبينما تؤكد الحكومات حق التظاهر، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى أعمال العنف والتعامل الأمني مع المحتجين، وسط ضغوط سياسية متنامية على المسؤولين للاستجابة للمطالب الشعبية.

 

البرتغال تحت ضغط أزمة السكن

 

شهدت العاصمة البرتغالية لشبونة تحركات احتجاجية واسعة، السبت، شارك فيها عشرات الآلاف للمطالبة بتحسين الأجور والحد من ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، في وقت تواجه فيه حكومة يمين الوسط ضغوطا متزايدة بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 

ودعا الاتحاد العام للعمال البرتغاليين إلى تنظيم المسيرة، معلنا مشاركة عشرات الآلاف في أحد الشوارع الرئيسية بالعاصمة، بينما لم تصدر الشرطة تقديرا رسميا لأعداد المشاركين. وتركزت المطالب على ضرورة رفع الأجور بما يتناسب مع الزيادة المستمرة في أسعار السلع والخدمات، وتوفير مساكن بأسعار مناسبة، خصوصا للشباب وأصحاب الدخول المحدودة.

 

وامتدت الاحتجاجات إلى ساحة روسيو وسط لشبونة، حيث تجمع مئات الأشخاص طوال الليل عقب مسيرات شارك فيها آلاف المتظاهرين في مناطق مختلفة من البلاد. ونصب المحتجون عشرات الخيام في الساحة، معلنين عزمهم البقاء فيها طوال الليل للفت الانتباه إلى أزمة السكن وارتفاع الإيجارات.

 

وشهدت الساحة تجمعات غلب عليها الشباب، الذين جلسوا حول تمثال الملك بيدرو الرابع وغنوا الأغاني، في تحرك يعكس تصاعد الاستياء من صعوبة الحصول على مسكن ملائم في العاصمة البرتغالية.

 

وتفاقمت الأزمة خلال السنوات الماضية مع ارتفاع أسعار المنازل إلى أكثر من الضعف منذ عام 2017، في حين اقتربت إيجارات العقود الجديدة من التضاعف، ما زاد الأعباء على الأسر والشباب الذين يواجهون صعوبة في الاستقلال السكني رغم العمل.

 

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الضغوط التضخمية، بعدما سجل معدل التضخم في البرتغال 3.6% خلال سبتمبر الماضي، مدفوعا بارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود. كما ارتفعت أسعار الوقود بنحو 15% على أساس سنوي، وفقا للبيانات الواردة في التقارير المتعلقة بالاحتجاجات، بالتزامن مع تداعيات التوترات في الشرق الأوسط.

 

وفي مواجهة المطالب، أكد وزير الشؤون البرلمانية البرتغالي كارلوس أبريو أموريم أن الحكومة لن تستسلم لضغوط الشارع، مشيرا إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة المخاوف المرتبطة بتكاليف المعيشة والسكن. غير أن استمرار الاحتجاجات يشير إلى أن الإجراءات الحكومية لم تبدد مخاوف قطاعات واسعة من السكان.

 

بلجيكا مواجهات واعتقالات في مدن رئيسية

 

وفي بلجيكا، تحولت احتجاجات غلاء المعيشة إلى مواجهات بين المتظاهرين والشرطة في بروكسل ولييج، بعدما تجمع مئات الأشخاص في تحركات غير مرخصة، شهدت أعمال تخريب واستخداما للغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المشاركين.

 

وبدأت التحركات منذ ساعات الصباح، بعدما انتشرت دعوات للتظاهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتجمع مئات الأشخاص في المحطة المركزية بالعاصمة بروكسل. وسمحت السلطات لاحقا بتنظيم مسيرة باتجاه إحدى محطات المدينة، إلا أن الأوضاع تصاعدت مع إلقاء بعض المشاركين مقذوفات باتجاه قوات الأمن واستخدام أدوات وصفتها الشرطة بالخطرة.

 

واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع أمام مبنى البورصة وسط بروكسل، وأعلنت توقيف نحو عشرة أشخاص بتهمة الإخلال بالنظام العام. كما لجأت إلى خراطيم المياه لتفريق مجموعات من المتظاهرين، بعدما شهدت المسيرة حوادث شملت استخدام ألعاب نارية وإشارات مرور وسوائل قابلة للاشتعال، بحسب الروايات الأمنية.

 

وامتدت أعمال التخريب إلى حاويات النفايات والدراجات الكهربائية والسيارات، إذ أفادت التقارير بإضرام النيران في عدد من الممتلكات، بينها ثلاث سيارات على الأقل. وندد وزير الداخلية البلجيكي برنار كوينتين بما وصفه بالعنف المنظم والمتكرر الذي يهدد استقرار المجتمع.

 

وفي مدينة لييج، استخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق المحتجين في وسط المدينة، بعد أن شهدت المنطقة أعمال عنف وتخريب قبل نحو عشرة أيام.

ولا تنفصل هذه المواجهات عن التوترات الاجتماعية التي تشهدها بلجيكا منذ بداية أكتوبر الجاري، إذ خرج طلاب مدارس ثانوية في عدد من المدن للاحتجاج على الزيادة الأخيرة في الرسوم الجامعية. كما تصاعدت التحركات في بروكسل منذ التاسع من أكتوبر، عقب تظاهرة نقابية شارك فيها نحو 30 ألف شخص، وفقا لتقديرات الشرطة، وانضم إليها شباب قالوا إنهم تعرضوا لقمع أمني.

 

اشتباكات fإيطاليا في ميلانو وبولونيا

 

وفي إيطاليا، شهدت مدينتا ميلانو وبولونيا مواجهات بين قوات الأمن ومحتجين على ارتفاع تكاليف المعيشة، في تحركات انضمت إلى موجة الاحتجاجات التي تجتاح عددا من الدول الأوروبية.

 

وفي ميلانو، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع بعدما تعرض عناصرها للرشق بالحجارة ومقذوفات أخرى في الساحة المقابلة لكاتدرائية المدينة. وتحركت قوات مكافحة الشغب لإبعاد مجموعات من المحتجين الملثمين عن مجمع غاليريا فيتوريو إيمانويل الثاني التجاري، القريب من الساحة الرئيسية، بعدما انفصلوا عن تظاهرة أوسع احتجاجا على الغلاء.

 

وأثرت المواجهات على الحركة في المنطقة السياحية والتجارية، إذ أغلقت متاجر أبوابها، وغادر عدد من السياح المكان، كما أغلقت محطة مترو الكاتدرائية خلال الاشتباكات. وتحدثت وسائل إعلام إيطالية عن إصابات في صفوف الشرطة وتوقيف عدد من المشاركين، دون توافر حصيلة نهائية مستقلة للإصابات والاعتقالات.

 

وفي بولونيا، استخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق محتجين بعدما تحولت تظاهرة أخرى إلى مواجهات، فيما أفادت وكالة الأنباء الإيطالية أنسا بتوقيف سبعة أشخاص.

 

وأثارت الأحداث ردود فعل سياسية، إذ نددت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بأعمال العنف، مؤكدة في منشور عبر منصة إكس أن التظاهر حق، لكن تحويل المدن إلى ساحات للقتال ليس كذلك.

 

وتعكس المواجهات اتساع الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تحاول فيه السلطات الفصل بين حق المواطنين في الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية وبين أعمال التخريب والاعتداءات التي صاحبت بعض التحركات.

 

فرنسا احتجاجات حاشدة وتصعيد أمني

 

وتبدو فرنسا إحدى أبرز بؤر التصعيد في الموجة الاحتجاجية الحالية، بعدما شهدت باريس ومدن أخرى، بينها ليون ومرسيليا وليل وتولوز ورين، مظاهرات واسعة السبت، شارك فيها عمال وطلاب ونقابيون ومزارعون ومتقاعدون ومجموعات من حركة السترات الصفراء.

 

وركز المحتجون على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات العامة، إلى جانب المطالبة بتحسين ظروف التعليم وزيادة الإنفاق على المدارس والجامعات.

 

وتباينت تقديرات حجم المشاركة؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة نحو 550 ألف شخص في أنحاء البلاد، بينهم 110 آلاف في باريس، بينما قدر الاتحاد العام للعمل عدد المشاركين بنحو 800 ألف شخص خلال 1750 مسيرة وتجمعا.

 

وشهدت العاصمة مواجهات في ساحة الجمهورية وعدد من الأحياء، استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات من المحتجين، كما وقعت عمليات نهب وإضرام للنيران في ممتلكات عامة وخاصة. وأفادت تقارير باقتحام محتجين مبنيي بلديتي ليل ومرسيليا وإلحاق أضرار بمرافق داخلهما، فيما اندلع حريق في مبنى بلدية مدينة ليموج عقب اضطرابات شهدتها المنطقة.

 

وفي ليون، أضرم محتجون النار في مكتب للسياحة، بينما تصاعد الدخان في مناطق أخرى مع استمرار المواجهات. وأشارت تقارير إلى استخدام مقذوفات وألعاب نارية ضد قوات الأمن، التي ردت بإجراءات تفريق واعتقالات.

 

وتضاربت الأرقام المعلنة بشأن التوقيفات خلال اليوم، إذ تحدثت تقارير أولية عن اعتقال نحو 400 شخص، فيما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو لاحقا توقيف نحو 1200 شخص، وإصابة 150 شرطيا، بحسب التصريحات المنقولة عنه. كما تحدثت تقارير أخرى عن إصابة أكثر من 900 من أفراد الشرطة خلال الاحتجاجات، دون وضوح ما إذا كانت الأرقام تتعلق بالفترة نفسها أو نطاق أوسع من الأحداث.

 

وسجلت الاحتجاجات إصابات خطيرة أيضا بين المتظاهرين، إذ أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن متظاهرا فقد يده في مدينة سانت إتيان إثر انفجار عبوة أطلقتها قوات الأمن. وأعادت الواقعة تسليط الضوء على الانتقادات الموجهة إلى أساليب الشرطة في التعامل مع المظاهرات، خصوصا مع وجود تحقيقات في اتهامات باستخدام القوة المفرطة.

 

وأكد لوكورنو أن الحكومة لن تسمح بفرض أجندات سياسية عبر العنف، مشددا على ضرورة حماية الأشخاص والممتلكات ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات. كما أعلن أن الحكومة تناقش مشروع قانون يلزم المتسببين في التخريب بتحمل تكلفة الأضرار بدلا من تحميلها للمال العام.

 

من جانبه، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بملاحقة المتورطين في تخريب الممتلكات ونهب المتاجر، مؤكدا دعم قوات الأمن. وفي المقابل، طالبت نقابات ومجموعات مشاركة في الاحتجاجات الحكومة بوقف ما وصفته بالقمع والاستجابة للمطالب الاجتماعية.

 

واتهمت مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مجموعات من أقصى اليسار باستغلال الاحتجاجات، معتبرة أن أعمال النهب والاعتداءات أضرت بالمطالب الأصلية للمتظاهرين. وتأتي هذه التطورات قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، ما يضيف بعدا سياسيا إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الحكومة الفرنسية.

 

ألبانيا.. احتجاجات ضد الفساد والبطالة

 

وبالتوازي مع التحركات في أوروبا الغربية، تواصلت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في ألبانيا، حيث خرج آلاف الطلاب والشباب إلى الشوارع للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، احتجاجا على اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل وتراجع جودة التعليم.

 

وشهدت العاصمة تيرانا مواجهات بين المحتجين والشرطة، وسط تقارير عن استخدام مقذوفات يُعتقد أنها مطاطية ضد المتظاهرين. وأفادت وكالة رويترز بإصابة اثنين من صحافييها خلال تغطية الأحداث، في مؤشر على المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإعلامي أثناء الاشتباكات.

 

وأعلنت الشرطة توقيف 1067 شخصا منذ بداية الاحتجاجات، وإخضاع 388 آخرين لإجراءات ملاحقة جنائية، كما أوقفت سبعة من عناصرها عن العمل للتحقيق في تجاوزات محتملة خلال التعامل مع المتظاهرين.

 

وتتداخل المطالب الاقتصادية والسياسية في الاحتجاجات الألبانية، إذ لا يقتصر الغضب على البطالة وأوضاع التعليم، بل يمتد إلى قضايا الفساد وإدارة المشروعات، ومنها مشروع تطوير سياحي على الساحل الألباني يحظى بدعم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط اعتراضات مرتبطة بحقوق ملكية الأراضي.

 

ويواجه راما، الذي فاز بولاية رابعة العام الماضي، تحديا سياسيا متزايدا مع استمرار التظاهرات، لكنه رفض الدعوات إلى الاستقالة، مؤكدا تمسكه بمسار انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.

 

أزمة المعيشة تختبر الحكومات الأوروبية

 

وتكشف الاحتجاجات المتزامنة عن مجموعة من الضغوط المشتركة التي تواجهها المجتمعات الأوروبية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار السكن والطاقة والسلع الأساسية، وصعوبة مواكبة الأجور لتكاليف الحياة، إلى جانب المخاوف بشأن جودة التعليم والخدمات العامة وفرص العمل.

 

ورغم اختلاف السياقات السياسية بين البرتغال وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا وألبانيا، فإن القاسم المشترك يتمثل في اتساع الفجوة بين المطالب الاجتماعية وقدرة الحكومات على احتوائها. ففي لشبونة، تركز الغضب على أزمة السكن والإيجارات، بينما ارتبطت التحركات في بلجيكا بالغلاء والرسوم التعليمية، واتخذت المواجهات في إيطاليا طابعا أكثر حدة في بعض المناطق التجارية.

 

أما في فرنسا، فقد جمعت المظاهرات بين مطالب العمال والطلاب والنقابات ومجموعات الاحتجاج السابقة، لتتحول إلى اختبار سياسي وأمني للحكومة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة. وفي ألبانيا، امتزجت المطالب المعيشية باتهامات الفساد والدعوات إلى تغيير القيادة السياسية.

 

وفي الوقت الذي تتمسك فيه الحكومات بضرورة التصدي لأعمال التخريب والاعتداءات، تواجه مطالب متزايدة بتقديم حلول ملموسة للأزمات التي دفعت المواطنين إلى الشوارع. وتظل قدرة السلطات على معالجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل عاملا رئيسيا في تحديد ما إذا كانت هذه التحركات ستتراجع خلال الفترة المقبلة أم ستتحول إلى موجة احتجاجية أطول وأكثر تأثيرا في المشهد السياسي الأوروبي.