تصاعدت التوترات داخل الأوساط العسكرية والسياسية في مصر عقب تداول مقاطع مصورة للواء أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني الأسبق، يحذر فيها من خطورة إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الحدود الوطنية في ظل الأزمات الراهنة.

 

وتأتي هذه التحذيرات الصريحة بالتزامن مع مطالبة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي مجلس النواب بمنحه تفويضا للتدخل العسكري بدعوى حماية المملكة العربية السعودية، ما يضع العقيدة القتالية المصرية أمام اختبار حقيقي وسط حدود ملتهبة من 3 جهات استراتيجية.

 

 

مخاطر استنزاف الجيش في صراعات إقليمية

 

وفي هذا السياق، تبرز تصريحات اللواء أحمد وصفي، مساعد وزير الدفاع الأسبق، كوثيقة إدانة عسكرية لأي محاولة تهدف إلى توريط الجيش المصري في صراعات خارجية لا تخدم الأمن القومي المباشر للبلاد في هذه المرحلة الحرجة.

 

وعلاوة على ذلك، يتساءل القائد العسكري السابق باستنكار واضح عن الدوافع الحقيقية وراء استنزاف القوات المسلحة خارج الأراضي المصرية، بينما تشتعل النيران بالفعل على كافة الاتجاهات الاستراتيجية الشرقية والجنوبية والغربية للدولة المصرية دون استثناء.

 

ومن ناحية أخرى، وصف وصفي الإقدام على مثل هذه الخطوة العسكرية غير المحسوبة بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من الحصافة الاستراتيجية، مستبعدا أن تصل القيادة إلى هذا المستوى من السذاجة عبر تفريغ الجبهة الداخلية من قواتها الأساسية.

 

 

 

وبناء على ذلك، يؤكد الدكتور محمود جمال، الباحث في الشؤون العسكرية بالمعهد المصري للدراسات، أن العقيدة القتالية للجيش المصري تأسست تاريخيا على الدفاع عن الحدود الوطنية وليس العمل كقوة تدخل سريع لحماية أنظمة إقليمية أخرى.

 

إضافة إلى ذلك، يوضح جمال أن الزج بواحد من أكبر الجيوش الإقليمية في أتون حروب بالوكالة في منطقة الخليج سيؤدي حتما إلى إنهاك الفرق القتالية وتدمير كفاءتها العملياتية التي استغرق بناؤها أكثر من 4 عقود متتالية.

 

فضلا عن ذلك، يشير الباحث العسكري إلى أن التذرع بحماية الأمن القومي العربي عبر بوابة الرياض يتجاهل حقيقة أن الخطر الوجودي الفعلي يتركز حاليا على بعد كيلومتر من خط الحدود المصرية الشرقية والجنوبية المهددة.

 

 

تفويض برلماني يرهن القرار العسكري للخارج

 

وفي المقابل، سارع رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي خلال كلمته في الأكاديمية العسكرية إلى إعلان طلبه رسميا من مجلس النواب منحه تفويضا يتيح التحرك عسكريا نحو السعودية، مرتهنا هذا التحرك بتوجيهات القيادة السعودية وولي عهدها.

 

ومع ذلك، حاول الخطاب الرسمي تخفيف وطأة هذه التصريحات عبر التأكيد على أن التحرك المحتمل سيقتصر على الجوانب الدفاعية فقط، إلا أن هذه التطمينات أثارت شكوكا واسعة حول حقيقة الصفقات السياسية والعسكرية التي تدار خلف الكواليس.

 

وعقب ذلك مباشرة، استجاب مجلس النواب بشكل فوري عبر الدعوة إلى عقد جلسة عامة طارئة في أقل من 24 ساعة لبحث طلب التفويض، في خطوة تعكس غياب النقاش البرلماني الجاد حول قرارات الحرب والسلم المصيرية.

 

ورغم أن المادة 152 من الدستور المصري تشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء البرلمان قبل إرسال قوات للخارج، إلا أن غياب المعارضة الحقيقية داخل المجلس يحول هذا الإجراء الدستوري إلى مجرد ختم شكلي.

 

وفي هذا الإطار، يرى الدكتور عصام عبد الشافي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن ربط تحرك القوات المسلحة المصرية بتوجيهات قادة دول أخرى يمثل سابقة تاريخية خطيرة تضرب مفهوم السيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي في مقتل.

 

علاوة على ما سبق، يشدد عبد الشافي على أن تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لتنفيذ التزامات مرتبطة بالدعم المالي والسياسي الخليجي يفقد الجيش صفته الوطنية، ويجعله عرضة للابتزاز السياسي في أزمات إقليمية معقدة لا ناقة لمصر فيها.

 

وبالإضافة إلى هذا، يبين أستاذ العلوم السياسية أن استدعاء البرلمان للتصويت السريع خلال 1 يوم فقط يهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على قرار فردي تم اتخاذه مسبقا بمعزل عن إرادة الشعب المصري ومصالحه العليا.

 

 

تهديدات الحدود الملتهبة وتآكل الأمن القومي

 

ومن جهة ثانية، يتزامن هذا الاندفاع نحو التدخل العسكري في الخليج مع تدهور غير مسبوق في معادلات الأمن القومي المصري على كافة المحاور الحدودية التي تمتد لآلاف الكيلومترات، والتي تعاني من فراغ استراتيجي وتهديدات مسلحة مباشرة.

 

ففي الاتجاه الشرقي، تواجه البلاد تداعيات عسكرية وأمنية خطيرة على طول الحدود مع قطاع غزة، بينما تتصاعد الاضطرابات المسلحة في السودان جنوبا وفي ليبيا غربا، ما يضع القوات المسلحة أمام تحديات ميدانية تتطلب استنفارا كاملا بالداخل.

 

وإلى جانب ذلك، تستمر الأزمة الاقتصادية الطاحنة في استنزاف موارد الدولة المالية، الأمر الذي يجعل من تمويل أي حملة عسكرية خارجية عبئا كارثيا يضاف إلى الديون الخارجية التي تجاوزت حاجز 160 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة.

 

وتأسيسا على ذلك، يؤكد السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الأولوية القصوى لصانع القرار يجب أن تنصب على تأمين الجبهة الداخلية وحماية الحدود السيادية الـ 3 الملتهبة بدلا من البحث عن أدوار إقليمية مكلفة.

 

كما يوضح الدبلوماسي السابق أن تشتيت الجهد العسكري المصري في مسارح عمليات بعيدة عن الحدود الوطنية سيؤدي حتما إلى إضعاف قدرة الدولة على فرض هيبتها في ملفات حيوية ومصيرية، وفي مقدمتها ملف أمن البحر الأحمر والمياه.

 

وأخيرا، يحذر مرزوق من أن تجاهل تحذيرات القادة العسكريين المخضرمين، الذين يدركون جيدا طبيعة الميدان وتوازن القوى، سيقود البلاد إلى مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب تهدد استقرار الدولة المصرية وتماسك جيشها على المدى المتوسط والبعيد.