جمال محمد إبراهيم

كاتب سوداني وسفير سابق

 

لم يكن السودان في 1958 قد أكمل عامين منذ استقلاله، عندما جرى الترتيب لانتخابات قومية في البلاد، بما فيه منطقة شمال خط 22 فيها منطقتا حلايب وشـلاتين. حسبت السلطات المصرية وقتذاك أنَّ اعلان انتخابات في تلك المنطقة تعدٍّ على حدودها بحجّة أنّ كل الأراضي الواقعة شمال خطِّ العرض 22 مصرية ولا تتبع للسودان. لم تكتف القاهرة بذلك الموقف، بل عزَّزته بتحرّكات عسكرية لم تُعلَن، لكن خبرها بلغ الخرطوم.

 

حمل وزير خارجية السودان رأي حكومته إلى القاهرة، محتجًّا ومتسائلًا إن كان الجيش المصري يعدّ عدته العسكرية لغزو السودان، فردَّتِ القاهرة أن جيشها لاسترداد فلسطين، وليس لغزو السودان. طالب وزير خارجية السودان أن يُحسم أمر تبعية حلايب للتحكيم، أو أن ترفع الخرطوم شكواها رسميًا إلى الأمم المتحدة. تراجعتِ القاهرة حين قررتِ الخرطوم إزاء تصلُّب الموقف المصري، رفع شكواها إلى المنظمة الأممية. تراجعت مصر، وجرت انتخابات السودان، ولكن بقيتِ الشكوى تجـدّد كلّ دورة للأمم المتحـدة

 

(2)

 

تلك أيام كانت فيها علاقات الأخوة بين السودان ومصر على أعلى درجة من التوافق والاحترام المشترك، وحفظ كرامة شعبي وادي النيل وعزتهما، تلك من بعض مسلمات عرفها الشعبان في إطار العيش المشترك، ولما بينهما من صلاتٍ عزَّزتها أواصر العرق والدّم، القائمـة، ليس بين قـيادتي البلدين وزعاماتهما فحسب، بل بين شـعبي البلدين الشـقيقين.

 

لذلك لم يكن لتلك العلاقات الدبلوماسية تجذّر في تعامل عقلاني تضبطه اتفاقيات ومواثيق، بل هو محكوم بقيـم التآخي الأسري في إطار البيت الواحـد والأسرة الواحدة. لا أشير لتاريخ أعمق بين مصر والسودان ليس تجاوزًا بل اختصارٌ، لكن لا أعجب حين أقرأ لمفكر مصري مثل لويس عوض، تسـاؤله حين أعلنتِ الوحدة المصرية السورية، أما كان الأنسب أن تكون الوحدة بين شعبي وادي النيل؟

 

(3)

 

أطلعتك في السطور أعلاه، كيف تصرّف وزير خارجية السودان بدبلوماسية نابعة من أخوة الدّم، حين سأل وزير حربية مصر، إن كانت تعدّ جيوشها لمقاتلة السودانيين حول "حلايب" إذا جرت انتخابات سودانية فيها، فتراجع المسؤول المصري على الفور، مؤكدًا أن جيش مصر لا يعد عدّته لغزو جيرانه، ولكنه أصرّ على تبعية حلايب لمصر. كان ذلك الحوار والسجال يدور في مكتب الرئيس جمال عبد الناصر وبحضوره ووزيره زكريا محيي الدين يجادل.

 

وإزاء التعنّت المصري، طلب الوزير السوداني أن يُهاتف الخرطوم. وفَّـر له الرئيس ناصر هاتف مكتبه، فاتصل الوزير السوداني بوزارته في الخرطوم وأمر برفع الشكوى إلى الأمم المتحدة. أجل تم رفع شكوى السودان للمطالبة بتأكيد تبعية حلايب للسودان، من مكتب الرئيس المصري نفسه في شتاء 1958.

 

الكرامة والعزّة يتنطع بهما من يقودون أمور السودان في هذه الحقبة بينما لا إدراك لهم بمعاني العزة ولا مدلولات كرامة أمّة. كرامة شـعب أيّ شعب، وعزّة أيّ أمَّة، تحفظهما قيادات صادقة، تدرك أن أسمى مهامها، ليس الدفاع عن الأرض، بل التصدّي للدفاع عن أراوح ساكنيها. تتسامى إرادة الدفاع عن الأخ الشقيق قبل الدفاع عن ابن العم والخال، مثلما تتسامى للدفاع عن ابن العم والخال أمام الغريب المعتدي. ذلك مثل يعرف مدلولاته من يعرف ويتعامى.

 

(4)

 

وتعطي الدبلوماسية السودانية مثلًا لا يغيب عن كثيرين، حين أصيبت الأمة العربية بنكسةِ انكسارها في حرب 1967. حين وقفت الأمم المتحدة لتُحكِم قراراتها حول حرب إسرائيل على الأمة العربية. كان وزير خارجية السودان، محمد أحمد محجوب، الصوت الذي توافق عليه ممثلو الدول العربية ليكون صوتهم القوي الحكيم في الأمم المتحدة أمام الصلف الإسرائيلي الذي وقف الغرب مساندًا بعضه بعلنية منكرة، وآخر بتخفٍّ مستتر، فكان المحجوب أقوى المدافعين عن الحقِّ العربي.

 

لك أن تنظر لتقيّم كيف تصرَّف المحجوب رئيس دبلوماسية السودان عام 1967، وهو الوزير نفسه الذي شكا مصر حول حلايب عام 1958. أجل، المحجوب هو الذي أشرف على مؤتمر الخرطوم الشهير، الذي أذهل المراقبين الدوليين لشـعبٍ يستقبل زعماء العرب المهزومين، بما أعاد الرّوح إلى أمتهم هضيمة الجناح، ولزعيمٍهم الذي أعلن تحمّله مسئولية انكسار الهزيمة في عام 1967. ليقود بعدها مرحلة تجاوز تبعاتها. لقد أعاد السودان، من دون منٍّ ولا أذىً، الكرامة والعزّة لقادةٍ مهزومين ولأمّة مجروحة.

 

(5)

 

نعجب أن نرى هذه الأيام حربًا تدور سنوات طوالًا في داخل السودان، بينما يُحاجج من أشعلها، وبدبلوماسية غائبة، أنَّها حرب لاستعادة كرامة مُهدرة في بلدٍ، هـو أعجز من أن يحمي إنســانه: نساءه وأطفاله وشبابه ورجاله، فضلًا عن حماية أرضـه وثرواتـه وقـدراتـه.

 

يعجب من يرى كيفَ تنازع دبلوماسية في السودان، كانت عتيدة ذات عهد، فإذا هي دبلوماسية حائرة، لا دبلوماسية أسـودٍ ناجزة. يعجب المرء، إن راجع محاضر الأمم المتحدة، كيف سيرى منافحة ممثل للسودان ومدافعته في قاعات اجتماعاتها وأروقتها لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1415 الذي أقرَّ حقّ الشعوب لتقرير مصائرها، فنالت 15 من البلـدان الأفريقية استقلالها أواخر خمسينيات القرن العشرين وأوائل ستينياته. يعرف الجزائريون قبل غيرهم كيف ألجم مندوبُ السودان وقتذاك السفير عمر عديل، بلسانه البليغ، مندوب فرنسا محتجًّا على التجارب الذرية لفرنسا ديغول في الصحراء الكبرى.

 

الصيت الذي بلغته دبلوماسية السودان قبل عشرات السنوات طمرته قيادات غير مؤهَّـلة تولتْ إدارة بلاد كانت سـامقة في علوّها، فإذا هي قد آلت أمورها إلى أقزامٍ أقعدوها من مراقيها العالية، فعملوا على دفنها بتضييع كرامة أبنـائها وعزّتهم، من قبل التفـريط المخزي في الدفاع عن حدودها وأرضها.