تستعد المدن الفرنسية لخوض جولة واسعة من التظاهرات المنددة بارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وذلك عقب أسابيع متواصلة من الاحتجاجات الطلابية الغاضبة التي عمت مختلف الجامعات والمدارس في البلاد مؤخرا.
وفي هذا السياق، ينذر هذا الحراك الشعبي المتصاعد بمرحلة شديدة التعقيد تشهد تجاذبات سياسية حادة، لا سيما مع اقتراب موعد خوض الانتخابات الرئاسية المقررة خلال شهري أبريل ومايو من العام المقبل.
تحالف الغضب الطلابي والسترات الصفراء
وبناءً على ذلك، دعت حركة السترات الصفر التي أطلقت حراكها الواسع ضد الحكومة قبل 8 سنوات، إلى النزول المشترك يوم السبت في مظاهرات شعبية تحت شعار توحيد جهود الشباب والعمال والمتقاعدين.
علاوة على ذلك، وجهت المنصات الداعمة للحراك نداءات متكررة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لكافة الفئات النقابية، بما فيها المزارعون وأساتذة التعليم، بهدف المشاركة الفعالة لرفع الصوت عاليا أمام الإجراءات الاقتصادية الحكومية الراهنة.
ومن جهتها، أكدت الطالبة الجامعية ماري-لو البالغة من العمر 18 عاما والمشاركة في احتجاجات مدينة ليل، أن مظاهرات السبت المرتقبة تمثل نقطة الذروة لتوحيد صفوف كل حركات النضال النقابية والشبابية المشتركة.
وبالموازاة مع ذلك، أوضح الناشط البارز فرنسوا بولو أن مختلف التيارات المنخرطة في الحراك ورغم غياب التنسيق المسبق، توحدت مشاعرها الغاضبة عقب مشاهدة وقائع التعامل الأمني العنيف والوحشي ضد الطلاب المتظاهرين السلميين.
وفي إطار متصل، تصاعد الغضب الشعبي إثر توقيف الشرطة آلاف المتظاهرين السلميين خلال الاحتجاجات الطلابية الأخيرة، والتي أسفرت عن إصابة عشرات المراهقين بجروح متفاوتة نتيجة استخدام القوة المفرطة لفض التجمعات.
وفي المقابل، تحث التنسيقيات المستقلة واللجان العمالية المنظمة على تشكيل جبهة شعبية صلبة تقف في وجه قرارات التقشف، من أجل إجبار الحكومة الفرنسية على إعادة النظر في أولوياتها المالية والاجتماعية الملحة.
ومن هذا المنطلق، يرى ممثلو الحركات الشبابية أن النزول إلى الشارع يشكل وسيلة الضغط الوحيدة لحماية الطبقات الضعيفة، وتفادي تآكل المكتسبات المعيشية التي تراجعت بصورة ملموسة خلال السنوات الأخيرة في المدن.
توترات سياسية تسبق الاستحقاق الرئاسي
وعلى الصعيد التنفيذي، أمر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو بإنشاء خلية أزمة لمتابعة التطورات، معربا في تصريحاته عن خشيته العميقة من تفاقم الصدامات العنيفة التي قد تستهدف المنشآت الحيوية في العاصمة.
والجدير بالذكر، أن الحكومة الفرنسية تواجه ضغوطا برلمانية حثيثة لتمرير موازنة خفض النفقات العامة، بهدف معالجة أزمة الدين العام المتراكم عبر تقليص المخصصات المالية الموجهة لقطاعات خدمية عديدة في البلاد.
وعلى النقيض من ذلك، يطالب المتظاهرون بزيادة الإنفاق الحكومي للحد من تداعيات التضخم المالي الذي تجاوز معدل 3% بسبب حرب الشرق الأوسط، إضافة إلى تحسين الخدمات التعليمية ودعم قطاع المستشفيات بصورة عاجلة.
وبناءً على هذه التطورات، يشدد المراقبون على أن الأزمة الراهنة تعكس اتساع الفجوة بين الشارع والسلطة التنفيذية، في ظل تراجع جودة الرعاية الصحية وارتفاع أسعار الوقود والمواد التموينية بصورة غير مسبوقة.
وفي خضم هذه المعطيات، تلقي هذه الاضطرابات الشعبية المتسارعة بظلالها المباشرة على الأشهر الأخيرة من الولاية الرئاسية لإيمانويل ماكرون، مفسحة المجال أمام استقطاب حزبي حاد بين أطياف المشهد السياسي الفرنسي المتأزم.
ومن جانبه، أعلن زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري جان لوك ميلانشون دعمه الصريح للاحتجاجات الطلابية الجارية، حيث شارك شخصيا في مسيرة حاشدة لتأكيد تضامنه مع مطالب الشباب الاقتصادية والاجتماعية العادلة.
وبخلاف ذلك، شددت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن متصدرة استطلاعات الرأي على وقوف حزب التجمع الوطني بجانب أجهزة الأمن، داعية إلى فرض هيبة القانون والحفاظ على النظام العام ومنع الانفلات الميداني.
وفي سياق متصل، نقلت المتحدثة الرسمية باسم الإليزيه عن الرئيس ماكرون قوله إن المطالب الشبابية، رغم مشروعيتها، يجري استغلالها وتوظيفها من أطراف سياسية معارضة لتحقيق مكاسب حزبية قبيل انطلاق الانتخابات الرئاسية المرتقبة.
استنفار أمني لمواجهة العنف المحتمل
وعلى المستوى الميداني، أطلق منظمو التحركات الاحتجاجية موقعا إلكترونيا خاصا يعرض جدول مواعيد يشمل تنظيم 600 مظاهرة شعبية، فضلا عن التخطيط لقطع الطرق الرئيسية ومحطات تحصيل الرسوم أمام حركة المرور.
وبالتزامن مع ذلك، اتخذت أجهزة الشرطة في العاصمة باريس إجراءات احترازية مشددة، من بينها حظر المسيرة الكبرى في المناطق السياحية والتجارية، واقتصار السماح بالتظاهر على مسارات محددة بالضواحي الشرقية للمدينة.
وعلاوة على هذه التدابير، باشرت النيابة العامة تحركا قضائيا عاجلا ضد أحد المؤثرين البارزين عبر منصة تويتش، بعد تحريضه مئات الآلاف من متابعيه على النزول وتحويل الساحات العامة إلى ميدان حرب مفتوحة.
ومن جانب آخر، أعلن وزير الداخلية لوران نونييز إعادة السماح باستخدام القنابل الصوتية ضد أعمال الشغب الشديدة، رغم تجميدها سابقا عقب حادث مأساوي أدى إلى بتر يد فتى يبلغ 15 عاما.
وفي غضون ذلك، صرح مسؤول رفيع في وزارة الداخلية بوجود مخاوف حقيقية من اضطرابات تقودها أطراف يسارية متشددة، مؤكدا عدم التساهل مطلقا مع محاولات تعطيل البنية التحتية والمرافق الحيوية في باريس.
وردا على هذه الترتيبات، لجأ المحتجون إلى توظيف تطبيقات الهواتف الذكية لمراقبة انتشار قوات الأمن في الميدان ورصد قنابل الغاز المسيل للدموع وتحركات المروحيات، لتفادي الاعتقالات الجماعية وضمان استمرار المسيرات الاحتجاجية.
وإزاء هذا الواقع المحتدم، تستعد العاصمة الفرنسية ومختلف المدن الكبرى ليوم حاسم من التصعيد الميداني، وسط مخاوف جدية من تحول الشوارع إلى مواجهات دامية تعمق المأزق السياسي وتزيد من تعقيد المشهد.
وختاما لهذا المشهد، تترقب الأوساط السياسية والشعبية مآلات هذه المواجهة المفتوحة بين الشارع والسلطة، والتي تمثل اختبارا حاسما لقدرة المؤسسات الرسمية على احتواء الغضب الجماهيري المتنامي قبل حلول الاستحقاق الرئاسي القادم.

