تواصل الترعة المكشوفة وسط الكتلة السكنية بنجع أبوحميد التابع لمركز إسنا بمحافظة الأقصر حصد أرواح الأبرياء دون رادع، إذ تحول المجرى المائي إلى مصيدة حتمية تحصد الصغار والكبار يوميا وسط تقاعس رسمي مستمر وتجاهل لمطالبات الأهالي المتكررة بتأمين الحواف.

 

وأسفر هذا التراخي الحكومي الفج عن مصرع الطفلين أبناء العمومة يونس محمد محسن أبو جملون وإبراهيم ناصر محسن أبو جملون البالغين 3 سنوات، بعدما انزلقت أقدامهما أثناء اللهو أمام منازلهما، ليخرجا جثتين هامدتين نحو مشرحة مستشفى طيبة التخصصي.

 

 

دماء الأبرياء في ترع الصعيد

 

وعلى إثر هذا الحادث المأساوي، خيم الحزن الأسود على أهالي القرية المكلومة الذين هرعوا لانتشال الصغيرين دون جدوى، بينما اكتفت مباحث مركز شرطة إسنا وسيارات الإسعاف بنقل الجثمانين، وصرحت النيابة العامة بالدفن في إجراء روتيني يتجاهل محاسبة المقصرين.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يستمر نزيف الأرواح في قرى مركز إسنا دون توقف، حيث يواجه السكان خطر السقوط اليومي في المياه المكشوفة نتيجة غياب الأسوار الخرسانية والحواجز الحديدية العازلة التي تفصل مناطق لعب الأطفال عن حواف المجرى المائي الوعرة.

 

ومن ناحية أخرى، تتجاهل وزارة الموارد المائية والري والجهات التنفيذية بالأقصر صرخات الاستغاثة العاجلة لإدراج هذه الترعة ضمن خطة التغطية القومية، ليبقى الموت متربصا بالأطفال على بعد خطوات قليلة من أبواب بيوتهم في ظل انعدام الرقابة.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن تنفيذ مشروعات تبطين الترع في عهد رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي افتقر إلى الدراسات الهندسية الدقيقة ومعايير الأمان الأساسية داخل الكتل السكنية المزدحمة بالقرى.

 

وعلاوة على ذلك، يوضح الدكتور عباس شراقي أن الاكتفاء بتبطين الجوانب بالخرسانة الملساء زاد من حدة الميول وخطورة الانزلاق، مما جعل خروج أي شخص يسقط في المجرى المائي مستحيلا دون وجود سلالم نجاة أو حواجز تحمي المارة.

 

ونتيجة لهذا الخلل، تتحول المليارات المنفقة على هذه المشروعات إلى عبء يهدد حياة المواطنين بدلا من حمايتهم، وتهدر الموارد العامة في عمليات تجميل صورية تفتقر لأبسط قواعد السلامة المهنية والبيئية الواجب اتباعها في المناطق الريفية المحرومة.

 

 

فشل هندسي يضاعف حوادث الغرق

 

ومن جهة ثانية، تتعارض هذه السياسات التنفيذية مع توصيات معهد بحوث المياه الذي حذر من تبطين كافة الترع حفاظا على منسوب المياه الجوفية، غير أن الإصرار الحكومي على تعميم المشروع أضر بالبيئة وضاعف من مخاطر الغرق بالقرى.

 

وفضلا عن ذلك، لم تقتصر الكارثة على نجع أبوحميد وحده، بل امتدت لتشمل القرى المجاورة التي تشهد حوادث مماثلة تحصد شبابا في مقتبل العمر، بسبب وعورة الحواف وميولها الحادة المكشوفة التي تفتقر لأدنى اشتراطات التأمين الهندسي.

 

وفي سياق متصل، لا يزال أهالي مركز إسنا يستحضرون الفاجعة الكبرى التي وقعت في شهر أغسطس الماضي، حين لقي 5 شباب من قرية الدير مصرعهم غرقا دفعة واحدة أثناء محاولتهم السباحة هربا من حرارة الطقس الشديدة.

 

وتأسيسا على ما سبق، يرى الدكتور محمد نصر علام، أستاذ هندسة الري والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن غياب التخطيط المتكامل لمشروعات الري حول المجاري المائية إلى بؤر خطرة تستنزف أرواح الأهالي وتكشف عن خلل إداري وهندسي.

 

وبناء على ذلك، يشير الدكتور محمد نصر علام إلى أن الأولوية الهندسية كانت تقتضي تغطية الأجزاء المارة داخل الكتل السكنية أو تزويدها بأسوار حماية متينة، بدلا من تركها مكشوفة وتتحول إلى مقابر مفتوحة للأهالي والحيوانات النافقة.

 

ولهذا السبب، تتحمل وزارة الري والمحليات المسؤولية الكاملة عن إزهاق هذه الأرواح البريئة، حيث تدار ملفات البنية التحتية بعشوائية تركز على الإنجاز الشكلي السريع دون مراعاة للطبيعة الديموغرافية والجغرافية لقرى الصعيد المهمشة منذ عقود طويلة.

 

 

تهميش الصعيد وإهدار الموارد العامة

 

ومع استمرار هذه الأوضاع، يعاني سكان القرى الجنوبية من غياب المتنفسات الآمنة ومراكز الشباب المجهزة، مما يدفع الأطفال والشباب إلى الاقتراب من حواف الترع الخطرة، وسط انعدام تام للخدمات الترفيهية والوقائية في تلك المناطق المحرومة.

 

وإلى جانب ذلك، تتجاهل الموازنات الحكومية المتعاقبة تخصيص اعتمادات مالية كافية لتأمين القرى الفقيرة، بينما توجه المليارات نحو مشروعات استعراضية في المدن الجديدة، ليبقى المواطن في الصعيد يواجه مصيره المحتوم وحيدا أمام كوارث الإهمال الحكومي المستمر.

 

وفي المقابل، تكتفي الأجهزة المحلية في محافظة الأقصر بإصدار البيانات الروتينية عقب كل كارثة، دون التحرك الفعلي لبناء سور واحد يحمي الأطفال من السقوط، الأمر الذي يعمق فجوة الثقة بين الأهالي المكلومين والسلطات التنفيذية الغائبة.

 

ومن هذا المنطلق، يؤكد الدكتور صقر النور، أستاذ علم الاجتماع الريفي، أن تكرار حوادث الغرق في إسنا يعكس تهميشا هيكليا متعمدا لقرى الصعيد في خطط التنمية التابعة لحكومة رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي على مدار السنوات الماضية.

 

وبالإضافة إلى ما تقدم، يوضح الدكتور صقر النور أن إهمال إنشاء حواجز الحماية وتغطية الترع داخل القرى يبرهن على غياب العدالة المكانية، حيث تسقط حياة المواطن الريفي من حسابات صانع القرار الذي يركز اهتمامه على المراكز الحضرية.

 

وختاما لهذه المأساة، تظل دماء الطفلين يونس وإبراهيم والشباب الـ 5 في قرية الدير شاهدة على قسوة الإهمال الرسمي، بينما ينتظر أهالي نجع أبوحميد ضحية جديدة يبتلعها المجرى المائي المميت في ظل صمت حكومي مطبق.