موجة عارمة من الغضب والقلق أثارها مقتل الطالب محمد عمر (15 عامًا) على يد زميل له بالمدرسة الميكانيكية ببورسعيد، داخل الممر المدرسي قبل طابور الصباح، وتزامن ذلك مع واقع تعنيف أخيرة أثارت الرأي العام، ومنها واقعة مدرسة الدكتور يوسف إسماعيل الثانوية بنجع حمادي في قنا، حيث قررت الإدارة فصل 5 طلاب لمدة 15 يومًا مع حرمانهم من أعمال السنة لإدانتهم بالتحرش والاعتداء جماعيًا على زميل لهم داخل الفناء وتصوير الواقعة.

 

وتُمثل سلسلة الجرائم والاعتداءات العنيفة المتكررة بين طلاب المدارس ناقوس خطر مجتمعي، فلم تعد الحوادث مجرد مشاجرات مراهقين اعتيادية، بل تطورت إلى سلوكيات إجرامية وتصفية جسدية داخل الحرم التعليمي وخارجه.

 

وأثارت هذه النوعية من الجرائم والسلوكيات اللا أخلاقية، تساؤلات حول تصاعد السلوك الإجرامي والعنف بين طلاب المدارس في مصر، والأسباب والدوافع وراء ذلك، وإلى أي مدى أدى تراجع الدور التربوي للمدرسة إلى نزعة العنف بين الطلاب على نحو أثار قلق الخبراء.

 

ويرجع خبراء علم الاجتماع والنفس تنامي معدلات الإجرام والعنف في المدارس إلى عدة عوامل:

 

يُعد تأثير سينما العنف وموسيقى المهرجانات أحد أخطر المحفزات النفسية والسلوكية التي تساهم في تشكيل عقول المراهقين في مصر حاليًا، حيث تعمل هذه الوسائط كـ "حاضنة ثقافية" تشرعن السلوك الإجرامي وتمنحه طابعًا حماسيًا وجذابًا.

 

 

صناعة "البطل الشعبي المزيف"

 

تقدم بعض الأعمال الدرامية والسينمائية شخصية "البلطجي" أو الخارج عن القانون في ثوب البطل الشجاع الذي يأخذ حقه بيده بعيدًا عن سلطة القانون. هذا التصدير الفني يدفع المراهق في سن (12 إلى 16 عامًا)—وهي مرحلة تكوين الهوية—إلى محاكاة وتقليد هذه الشخصيات في ملبسها، وطريقة حديثها، واستخدامها للسلاح الأبيض (المطواة أو الكتر) كوسيلة وحيدة لإثبات الذات وفرض السيطرة وسط زملائه.

 

 

غياب "الحساسية النفسية" تجاه الدماء والعنف

 

المشاهدة المتكررة لمشاهد الطعن، والضرب، والدماء في السينما تصنع ما يسميه علماء النفس "إزالة التحسس التدريجي". ومعها تصبح رؤية العنف والقتل أمرًا عاديًا ومألوفًا في عين الطفل، مما يقلل من حاجز الخوف والردع النفسي لديه، ويجعله قادرًا على طعن زميله بدم بارد لأسباب تافهة، كما حدث في فاجعة مدرسة بورسعيد.

 

 

أغاني المهرجانات

 

لا تقتصر موسيقى المهرجانات على الإيقاع الراقص، بل تحث العديد من كلمات على التهديد، والوعيد، ورفض التنازل، والافتخار بحمل السلاح لترهيب الخصوم (مثل "أنا الفتوة"، "سلاحي جاهز"، "مبجليش"). هذه الموسيقى السريعة والكلمات الحماسية تخلق حالة من الشحن والعدوانية اللفظية المستمرة لدى المراهق، ويترجمها تلقائيًا إلى سلوك بدني عنيف عند أول خلاف مع أقرانه داخل الفصل الدراسي.

 

 

السلاح الأبيض

 

نتيجة لهذا الضخ الفني والموسيقي المستمر، تحول "السلاح الأبيض" في نظر بعض الطلاب المراهقين من أداة جريمة يعاقب عليها القانون إلى ما يشبه "أكسسوار الوجاهة والرجولة الزائفة"؛ فيتفاخر الطالب بحيازته وإظهاره أمام زملائه في طابور الصباح أو الفسحة المدرسية لضمان عدم تعرض أحد له، وهو ما أدى لارتفاع وتيرة الاعتداءات وتحول البيئة التعليمية إلى ساحات تفريغ لهذه الشحنات العدوانية.

 

 

 ضعف الرقابة الأسرية

 

يُعد ضعف الرقابة الأسرية، وبخاصة غياب المتابعة المنزلية للهواتف المحمولة، الركيزة الأساسية والشرارة الأولى التي تسمح بتسلل السلوك الإجرامي إلى نفوس المراهقين. فالهاتف في يد الطالب لم يعد مجرد أداة للتواصل، بل تحول في غياب الإشراف إلى "نافذة مفتوحة" تبث محتويات تحرض على العنف والعدوانية بشكل مباشر ومستمر.

 

 

الإدمان على "محتوى الشوارع" وتطبيقات التيك توك

 

في ظل انشغال أولياء الأمور بضغوط الحياة، يترك الأبناء لساعات طويلة أمام خوارزميات تطبيقات مثل "تيك توك" و"يوتيوب شورتس"، والتي تروج دون رقابة لمقاطع "الخناقات"، وتحديات القوة الشرسة، واستعراضات الأسلحة البيضاء. هذا الضخ اليومي يرسخ في وعي الطفل أن العنف هو الوسيلة الوحيدة لنيل الشهرة والاحترام بين أقرانه.

 

 

ألعاب الفيديو الدامية

 

يقضي العديد من الطلاب مراهقتهم في ألعاب قتالية تعتمد على تصفية الخصوم، وحمل الأسلحة، وسفك الدماء الافتراضي. عدم تفعيل الأهل لخاصية "التحكم الأبوي" يجعل الطفل يعيش في بيئة افتراضية تمنحه مكافآت ونقاطاً كلما كان أكثر عنفًا وقتلاً، مما يؤدي تلقائيًا إلى نقل هذه السلوكيات العدوانية من الشاشة إلى أرض الواقع (داخل الفصل وفناء المدرسة).

 

 

غرف الدردشة المغلقة

 

تراجع دور الأسرة في مراجعة قائمة الأصدقاء أو تفقد الرسائل سمح بنشوء ما يُعرف بـ "المجموعات السامة" على تطبيقات المحادثة. في هذه المجموعات المغلقة، يمارس المراهقون التنمر الإلكتروني على زملائهم المستضعفين، ويخططون للمشاجرات والاعتداءات الجماعية، بل ويتداولون صوراً لأنواع المطاوي والآلات الحادة التي يشترونها بعيداً عن أعين عائلاتهم.

 

 

فقدان لغة الحوار وتفريغ الكبت داخل المدرسة

 

عندما يغيب الحوار والنصح والاحتواء داخل المنزل، وتتحول العلاقة الأسرية إلى مجرد توجيهات جافة، يشعر المراهق بـ "الاغتراب الأسري". هذا الكبت النفسي وغياب التوجيه السلوكي يدفعه إلى تفريغ شحنات الغضب المكتومة في البيئة الأسهل والأكثر رخاوة رقابيًا، وهي المدرسة، حيث يتحول من طفل هادئ بالمنزل إلى قائد "عصابة مصغرة" أو متنمر شرس يهدد سلامة زملائه.

 

 

 تراجع التفتيش المدرسي

 

يمثل تراجع التفتيش المدرسي وتراخي الإدارات في فحص حقائب الطلاب الثغرة التنفيذية الأخيرة والخطيرة التي تحوّل الأفكار العدوانية المخزنة في عقول المراهقين إلى واقع دامي وملموس داخل الحرم التعليمي؛ إذ إن غياب هذا الإجراء الرقابي يحوّل المدرسة من بيئة تعليمية آمنة إلى مساحة يسهل فيها حيازة وإخفاء أدوات الجريمة.

 

 

مخزن للأسلحة البيضاء

 

في ظل تراخي الإشراف المدرسي عند بوابات الدخول صباحًا، استغل بعض الطلاب هذا الإهمال لتحويل حقائبهم المدرسية من وعاء للكتب والدفاتر إلى مخبأ للآلات الحادة مثل "المطاوي، الشفرات، والـكتر". وأدى غياب حملات التفتيش المفاجئة والدورية داخل الفصول إلى منح الطلاب الطمأنينة الكاملة لحيازة هذه الأسلحة والتحرك بها طوال اليوم الدراسي دون خوف من العقاب أو الملاحقة.

 

 

بوابات المدارس

 

على الرغم كم وجود لوائح تنص على ضرورة تأمين بوابات المدارس، يعاني العديد من المدارس من غياب أجهزة الكشف عن المعادن أو عدم تفعيل دور أفراد الأمن الإداري بشكل حازم. ويقتصر دور الأمن في كثير من الأحيان على تنظيم الدخول فقط دون التدقيق في المحتويات التي يصطحبها المراهقون معهم، مما سهل وقوع فواجع كبرى كحادثة مدرسة بورسعيد الميكانيكية.

 

 

تراخي مشرفي الأدوار والفسحة المدرسية

 

لا يقتصر التراجع الرقابي على البوابات فحسب، بل يمتد إلى غياب الانتشار الفعّال لـمشرفي الأدوار وأقسام الأنشطة أثناء فترة "الفسحة" أو في الممرات بين الحصص. هذه الرخاوة الإشرافية تمنح الطلاب المتنمرين المساحة والوقت الكافيين لاستعراض أسلحتهم البيضاء، أو ترهيب زملائهم، أو الدخول في مشاجرات دامية بعيداً عن أعين الإدارة.

 

 

إحراج المعلمين والخوف من صدام المراهقين

 

يتجنب بعض المعلمين والمشرفين أحيانًا المبادرة بتفتيش الطلاب أو حقائبهم بشكل شخصي؛ نتيجة لتصاعد النبرة العدوانية لدى بعض المراهقين والخوف من الدخول معهم في صدامات بدنية قد تطال كرامة المعلم أو سلامته الجسدية، بخاصة في المدارس الفنية والصناعية. هذا التراجع من قِبل الهيئة التدريسية رسخ لدى الطالب المتجاوز شعورًا بـ "السيادة واللا عقاب" داخل حيزه المدرسي.