اقترضت الحكومة المصرية 500 مليون دولار عبر طرح خاص لسندات دولية بنهاية سبتمبر، بعائد يتجاوز 7.5%، بحسب مسؤول حكومي طلب عدم نشر اسمه، في خطوة تعيد سؤال كلفة الاستدانة إلى واجهة النقاش الاقتصادي.


وأضاف المسؤول أن الطرح يستهدف تنويع أدوات ومصادر التمويل الخارجي، لكن هذا التبرير لا يعفي الحكومة من مساءلة صريحة عن استخدام الأموال وشروط السداد، ولا يحول الدين إلى إنجاز بمجرد دخول حصيلته الخزانة.

 


اقتراض جديد وتبريرات لا تكفي

 

فبينما تعرض الحكومة تنويع التمويل بوصفه هدفًا، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة هذه الأموال على تخفيف الاحتياجات المستقبلية للاقتراض، وإنتاج موارد تسدد الالتزامات، بدل الاكتفاء بتغيير أسماء الأدوات وأسواق بيعها.

 

كما أن انتقال التمويل بين السندات التقليدية والمبتكرة لا يمحو أصل الدين ولا التزاماته؛ فالخزانة تظل مطالبة بالسداد، مهما تنوعت الأسماء التي تُقدَّم بها عمليات الاقتراض للرأي العام.

 

غير أن العائد الذي يتجاوز 7.5% يستدعي مساءلة واضحة بشأن مبررات قبول هذا التسعير والبدائل التي جرى بحثها، لأن الحصول على التمويل وحده لا يثبت أن شروطه هي الأفضل المتاحة.

 

وفي المقابل، لا تتضمن المعلومات الواردة عن الطرح تفاصيل أجل الاستحقاق أو سعر الإصدار أو العمولات، وهي عناصر ضرورية لتقييم التكلفة الفعلية، وتحديد ما ستتحمله الخزانة طوال مدة السندات.

 

لذلك، يصبح نشر هذه التفاصيل واجبًا ماليًا وسياسيًا، لا ترفًا فنيًا يخص المستثمرين وحدهم؛ فمن يتحمل تبعات القرار يملك حق معرفة شروطه، ومقارنته بالبدائل، ومساءلة الجهات التي اعتمدته دون الاكتفاء بعبارات الطمأنة العامة.

 

ومن ثم، فإن اختزال العملية في جمع نصف مليار دولار يمنح الحكومة عنوانًا مريحًا، لكنه يترك السؤال الأثقل بلا إجابة في المعلومات المتاحة: كيف ستُستخدم الحصيلة، ومن أين ستأتي موارد سدادها؟

 

 

مليارات متلاحقة وأسواق تحدد الشروط

 

وفي السياق نفسه، أعلنت الحكومة في سبتمبر استهداف إصدارات دولية بنحو 3 مليارات دولار خلال السنة المالية 2026-2027، تتنوع بين سندات تقليدية ومبتكرة وسندات باندا مدعومة بضمانات ائتمانية.

 

وبحسب الخطة المعلنة، يتوقف حجم هذه الإصدارات وتوقيتها على ظروف الأسواق والطلب المتوقع من المستثمرين، بما يجعل القدرة على تنفيذ البرنامج مرتبطة بشروط التمويل الخارجية ومدى استعداد المشترين للمشاركة.

 

وهنا تظهر هشاشة التعويل على نوافذ الاقتراض؛ فتحسن الإقبال قد يسهّل التنفيذ، لكن تغير العوائد أو تراجع الطلب قد يرفع التكلفة أو يعطل الطروحات، بينما تبقى الاحتياجات التمويلية بحاجة إلى تدبير.

 

أما خلال السنة المالية 2025-2026، فنفذت مصر أربعة إصدارات دولية بإجمالي 4 مليارات دولار، شملت صكوكًا سيادية وسندات اجتماعية وسندات ساموراي مستدامة، إلى جانب إعادة فتح سندات قائمة، بحسب البيانات الحكومية.

 

كذلك، شهد يونيو الماضي إصدار سندات ساموراي بقيمة 500 مليون دولار، موزعة على شريحتين لأجل خمس وعشر سنوات، وهي آجال تفرض النظر إلى الالتزامات الممتدة، لا الاكتفاء بالحصيلة الفورية.

 

وقبل ذلك، اقترضت مصر ما يصل إلى مليار دولار عبر شرائح إضافية من سندات دولارية قائمة، خلال الفترة من 26 مارس حتى 7 أبريل، بحسب إفصاح على بورصة لندن.

 

وبقراءة هذا التسلسل، يتضح أن الطرح الأخير حلقة ضمن برنامج أوسع من الاستدانة، ما يفرض على الحكومة نشر حصيلة مجمعة توضح الإصدارات والسداد، وتمنع خلط الأموال المقترضة بالزيادة الصافية للدين.

 

 

فاتورة الحكومة وحق الناس بالمحاسبة

 

وفي ضوء ذلك، لا يكفي الحديث عن أدوات مستدامة أو اجتماعية لإغلاق باب المساءلة؛ فجدوى الاقتراض تُقاس باستخدام الحصيلة ونتائجها الفعلية، وقدرتها على توليد عائد اقتصادي يبرر الالتزامات المترتبة عليها.

 

وبالمثل، قد تساعد الضمانات الائتمانية في تسهيل التمويل أو تحسين شروطه، لكنها لا تمنح الحكومة صك إعفاء من المسؤولية، ولا تغني عن بيان التكلفة النهائية وطبيعة الالتزامات التي تتحملها الدولة.

 

وعلى مستوى الموازنة، فإن زيادة مدفوعات خدمة الدين، إذا لم تواكبها موارد إضافية، تضيق المجال المتاح لتمويل الخدمات والاستثمار العام، ولذلك يرتبط كل قرار اقتراض بأولويات الإنفاق التي تمس حياة المواطنين.

 

وفي حال استخدام الحصيلة لسداد التزامات سابقة، فإن العملية تشتري وقتًا وتعيد ترتيب الاستحقاقات، لكن الحكم عليها يتطلب إثبات تحسن الشروط، وبيان كيف ستتراجع الحاجة إلى إعادة التمويل مستقبلًا.

 

أما إذا وُجهت الأموال إلى مشروعات، فالمطلوب إعلان هذه المشروعات وعوائدها المتوقعة ومواعيد تشغيلها، لأن الحديث العام عن التنمية لا يكفي لتبرير التزامات محددة، تستحق في مواعيد لا تنتظر اكتمال الوعود.

 

وبناءً عليه، تقتضي المحاسبة نشر شروط الطرح الأخير، وخطة استخدام حصيلته، وجدول سداده، ضمن صورة متكاملة للاحتياجات التمويلية، حتى يمكن قياس أداء الحكومة بالنتائج بدل تقييمه بعدد الأبواب التي تفتحها للاستدانة.

 

وفي مواجهة هذا المسار، تحتاج الحكومة إلى نشر أهداف واضحة لزيادة الموارد غير القائمة على الاستدانة، وربط قرارات الإنفاق بقدرة الاقتصاد على السداد، لأن توسيع قائمة الدائنين لا يصنع وحده قاعدة إنتاجية.

 

وأخيرًا، فإن تقديم الاقتراض بوصفه إنجازًا مستقلًا يقلب معيار النجاح الاقتصادي؛ فالمطلوب من الحكومة تقليص الارتهان للدائنين، لا تجميله بمسميات جديدة، وإثبات قدرتها على بناء موارد مستمرة بدل ترحيل الفاتورة إلى المستقبل.