أعادت التحذيرات المتداولة بشأن «محور خوفو» شبح الهدم والتهجير إلى أحياء الجيزة، وسط مخاوف من تحويل مشروعات الطرق والتخطيط العمراني إلى أداة لاقتلاع السكان من مناطق عاشوا فيها عقودًا طويلة.
⠀
⠀
وأثار تداول تصور لنقل أعداد كبيرة من المواطنين نحو أكتوبر وحدائق أكتوبر أسئلة محرجة للسلطة حول مصير المنازل والممتلكات، وحدود التدخل الحكومي، وحقوق الأهالي الذين يخشون دفع ثمن مشروعات لم يشاركوا في صياغتها.
⠀
⠀
كشف حساب حزب تكنوقراط مصر عن تصور متداول لإعادة تشكيل مناطق واسعة بمحافظة الجيزة، يتضمن خفض الكثافات السكانية وتوسيع المحاور ونقل أعداد كبيرة من المواطنين إلى المجتمعات العمرانية غرب القاهرة.
⠀
⠀
وبحسب المنشور، قد يشمل التصور نقل أكثر من نصف سكان بعض المناطق تدريجيًا، وهي نسبة تثير مخاوف واسعة، رغم غياب وثيقة حكومية معلنة تثبت اعتماد المشروع بهذا الحجم.
⠀
⠀
وتشمل المناطق المذكورة بولاق الدكرور والطالبية والعمرانية والكنيسة والطوابق وفيصل وكعابيش والأيرزونا، وهي أحياء مكتظة تضم آلاف العقارات والمحال والورش التي تمثل مصدر الحياة والعمل لأعداد ضخمة من الأسر.
⠀
⠀
ولا تكمن خطورة الطرح في إنشاء طرق جديدة، وإنما في احتمال تحويل أحياء سكنية كاملة إلى مساحات مفتوحة للجرافات، بينما يصبح السكان آخر من يعرف مصير ممتلكاته ومستقبله.
⠀
⠀
وتعيد هذه المخاوف إلى الواجهة دراسة نشرها المعهد المصري للدراسات في 25 أغسطس 2020، حذر فيها الكاتب عامر عبد المنعم من تداعيات التوسع في إزالة العقارات لإنشاء المحاور.
⠀
⠀
وربطت الدراسة بين مشروعات الطرق وسياسات تهجير السكان، معتبرة أن التوسع في الهدم دون ضمانات اجتماعية كافية يكشف خللًا خطيرًا في ترتيب أولويات السلطة على حساب المواطنين.
⠀
⠀
كما تناولت الدراسة مشروع «محور خوفو» الممتد، وفق التصورات التي ناقشتها، من ميدان سفنكس بالمهندسين إلى منطقة الأهرامات، بطول يقارب 12 كيلومترًا، مرورًا بمناطق شديدة الكثافة السكانية.
⠀
⠀
وتحدث الكاتب عن تصورات لزيادة عرض المحور بصورة ضخمة، وصولًا إلى 600 متر، محذرًا من احتمالات إزالة أعداد هائلة من العقارات، دون أن يمثل ذلك دليلًا على اعتماد هذه الأبعاد رسميًا.
⠀
⠀
وفي المقابل، تواصل الجهات التنفيذية أعمال تطوير ورصف وتحسين الطرق ببعض مناطق الجيزة، خصوصًا بولاق الدكرور، دون أن تثبت هذه الأعمال وحدها صحة الأنباء المتداولة عن خطة تهجير واسعة.
⠀
⠀
لكن التجارب السابقة لإزالة العقارات ونقل سكان بعض المناطق تجعل المطالبة بالشفافية ضرورة ملحة، بدلًا من ترك الأهالي أسرى الشائعات والقلق بشأن مستقبل بيوتهم ومدخراتهم.
⠀
⠀
حذرت دراسة ثانية نشرها المعهد المصري للدراسات في 14 سبتمبر 2020 من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لمشروعات إعادة تشكيل القاهرة الكبرى، وربطت بين عمليات الإخلاء والتطوير وتغيير طبيعة المناطق العمرانية.
⠀
⠀
واعتبر الكاتب عامر عبد المنعم أن مشروعات الطرق ليست بالضرورة تدخلات مرورية منفصلة، وإنما قد تتحول إلى أدوات لإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية، وفتح مناطق جديدة أمام الاستثمار العقاري.
⠀
⠀
وربطت الدراسة بين مشروع محور خوفو ومخططات القاهرة 2050 والجيزة 2030، معتبرة أن هذه التصورات تستدعي فحصًا جادًا لاحتمالات تغيير الاستخدامات السكنية والتجارية للأراضي.
⠀
⠀
غير أن المخططات التي ناقشتها الدراسة لا تثبت بذاتها وجود قرار حكومي حالي بنقل نصف سكان المناطق المذكورة، وهو فارق جوهري لا يلغي خطورة الأسئلة المطروحة.
⠀
⠀
فالمدينة ليست مجرد طرق وجسور وأبراج، ولا يمكن التعامل مع أحيائها باعتبارها خطوطًا مرسومة على خرائط هندسية، قابلة للمحو دون حساب مصير البشر الذين يعيشون داخلها.
⠀
⠀
وفي بولاق الدكرور وفيصل والعمرانية، ترتبط حياة آلاف الأسر بشبكات معقدة من العمل والتجارة والمدارس والمواصلات، وأي تهجير واسع قد يهدم استقرارًا اجتماعيًا واقتصاديًا بُني عبر أجيال.
⠀
⠀
ولا تعني الشقة البديلة بالضرورة حياة بديلة مكافئة، خصوصًا إذا انتقل العامل بعيدًا عن وظيفته، وفقد التاجر زبائنه، واضطر الأطفال إلى تغيير مدارسهم، وتضاعفت تكاليف الانتقال اليومية.
⠀
⠀
كما يواجه أصحاب الورش والمحال التجارية خطرًا مضاعفًا، إذ لا يقتصر الضرر المحتمل على فقدان العقار، بل يمتد إلى خسارة النشاط ومصادر الدخل والعلاقات التجارية التي يصعب تعويضها.
⠀
⠀
وتكشف هذه التداعيات حدود الخطاب الحكومي الذي يختزل التطوير في اتساع الشوارع وسرعة المرور، بينما تبقى العدالة الاجتماعية وحماية الملكية واستمرار مصادر الرزق خارج معايير الإنجاز المعلنة.
⠀
⠀
ولا يمكن وصف أي تدخل عمراني بالنجاح إذا تحولت مكاسبه إلى أرقام في تقارير الإنجاز، بينما يتحمل السكان وحدهم خسائر الانتقال وانقطاع مصادر الدخل وتفكك المجتمعات المحلية.
⠀
⠀
ومن هنا، يصبح الكشف عن الخرائط المعتمدة وقرارات نزع الملكية ودراسات الأثر الاجتماعي شرطًا أساسيًا، لا مجرد إجراء إداري يمكن تجاوزه باسم السرعة أو المصلحة العامة.
⠀
⠀
فاتورة التهجير بين التريليونات والحقوق
أثار التصور المتداول جدلًا إضافيًا بعدما طرح تقديرات غير حكومية لتكلفة مشروع إعادة هيكلة واسع بالجيزة، تتراوح بين تريليوني وثلاثة تريليونات جنيه، دون وجود موازنة رسمية تؤكد هذه الأرقام.
⠀
⠀
ووفق هذه التقديرات، قد يحتاج الإسكان البديل وتجهيز المناطق المستقبلة إلى ما بين 800 مليار و1.2 تريليون جنيه، بينما تتراوح التعويضات ونزع الملكية وإعادة التوطين بين 400 و600 مليار جنيه.
⠀
⠀
كما تتراوح التكلفة المفترضة للطرق والمحاور والكباري والأنفاق بين 400 و500 مليار جنيه، بينما تقدر احتياجات شبكات المياه والصرف والكهرباء والاتصالات بما بين 250 و350 مليار جنيه.
⠀
⠀
وتضاف إلى ذلك تقديرات تتراوح بين 150 و250 مليار جنيه للمدارس والمستشفيات والخدمات والمساحات الخضراء، وهي أرقام تحليلية لا يجوز التعامل معها باعتبارها التزامات حكومية معتمدة.
⠀
⠀
لكن ضخامة هذه التقديرات تفتح نقاشًا حول أولويات الإنفاق، خاصة في بلد يعاني مواطنوه من الغلاء وضغوط المعيشة، بينما تحتاج الخدمات الأساسية إلى استثمارات عاجلة ومستدامة.
⠀
⠀
فهل تكون الأولوية لتحسين المرافق داخل الأحياء القائمة، أم اقتلاع سكانها وإعادة توطينهم بعيدًا عن أعمالهم؟ ومن يحدد أن الهدم أكثر جدوى من التطوير التدريجي؟
⠀
⠀
وفي حالة اعتماد أي مشروع واسع، يتعين إعلان مصادر التمويل والجدول الزمني والمعايير المحددة للتعويض، بدلًا من تحويل مصائر المواطنين إلى ملف مغلق لا يعرف المتضررون تفاصيله.
⠀
⠀
كما يجب الكشف عن مصير الأراضي التي تخليها الإزالات، وما إذا كانت ستخصص بالكامل للمنفعة العامة، أم ستتحول أجزاء منها إلى مشروعات تجارية وعقارية تحقق أرباحًا استثمارية.
⠀
⠀
ولا يجوز أن تصبح عبارة «تطوير المناطق» غطاءً مفتوحًا لانتزاع الملكيات أو فرض الانتقال القسري، دون ضمانات قانونية واضحة ومشاركة حقيقية للسكان في القرارات التي تمس حياتهم.
⠀
⠀
وفي المقابل، يظل تطوير الأحياء القائمة وتحسين شبكات الصرف والمياه والطرق الداخلية وتوفير الخدمات بديلًا يستحق الدراسة الجادة، بدلًا من افتراض أن الإزالة الشاملة هي الطريق الوحيد للتحديث.
⠀
⠀
كذلك فإن نقل أكثر من 800 أسرة من منطقة سن العجوز إلى إسكان بديل، وفق المعلومات المتداولة، لا يصلح وحده مبررًا لتعميم سياسات النقل على أحياء كاملة تختلف ظروفها واحتياجاتها.
⠀
⠀
والأخطر أن غياب المعلومات الرسمية التفصيلية يترك الباب مفتوحًا أمام مخاوف المواطنين، ويجعل من الصعب التمييز بين أعمال التطوير المحدودة والتصورات الكبرى التي تتحدث عن تغيير الخريطة السكانية.
⠀
⠀
وتتحمل الحكومة مسؤولية حسم هذا الغموض بنشر الوقائع والخرائط والضمانات، وليس بالاكتفاء بخطاب الإنجازات؛ فحقوق السكان لا تقل أهمية عن الطرق، والتعويض العادل لا يمنح السلطة تفويضًا مفتوحًا بالتهجير.
⠀
⠀
ويبقى محور خوفو، سواء تحول إلى مشروع معتمد أو ظل ضمن التصورات المتداولة، عنوانًا لصراع أوسع حول من يملك حق تقرير مستقبل المدينة، ومن يتحمل الثمن عندما تتقدم الجرافات على حقوق المواطنين.
⠀
⠀
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الجيزة بعدد الأبراج أو اتساع المحاور، وإنما بقدرتها على حماية أهلها؛ فالتطوير الذي ينتزع الاستقرار ويهدد مصادر الرزق قد يتحول من وعد بالتقدم إلى كارثة اجتماعية.

