طالبت شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية بتدخلات عاجلة لإنقاذ صناعة المشغولات الذهبية من التعقيدات الإدارية وأعباء الإنتاج، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المصانع والورش بفعل اضطراب الأسواق العالمية.

 

وكشفت مطالب الشعبة حجم الفجوة بين الوعود الحكومية بدعم الصناعة والتصدير، وبين احتياجات المنتجين الفعلية، بعدما أصبحت الإجراءات الجمركية والتمويل وتكاليف التشغيل ملفات تتطلب تدخلات جديدة لتخفيف القيود على الإنتاج.

 

 

البيروقراطية الحكومية تعرقل فرص التصدير

 

وضعت شعبة الذهب تسهيل الإفراج الجمركي عن الخامات ومستلزمات الإنتاج في مقدمة مطالبها، بما يعكس أهمية معالجة الإجراءات التي قد تؤخر وصول المواد اللازمة للمصانع وتزيد الأعباء المرتبطة بدورة الإنتاج.

 

وتكشف هذه المطالب مفارقة صارخة في السياسات الاقتصادية؛ فالحكومة تتحدث باستمرار عن تعظيم الصادرات، بينما يضطر ممثلو الصناعات إلى المطالبة بتيسير إجراءات أساسية يفترض أن تكون جزءاً من بيئة إنتاج مستقرة.

 

وفي صناعة ترتبط فيها سرعة الإنتاج بتقلبات الأسعار العالمية، تصبح التعقيدات الجمركية عبئاً إضافياً على المستثمرين والحرفيين، وتتحول فترات الانتظار إلى مصدر ضغط مالي يهدد القدرة على المنافسة.

 

كما طالبت الشعبة بتبسيط إجراءات التصدير وإدراج صناعة المشغولات الذهبية ضمن برنامج رد الأعباء التصديرية، في محاولة لتعزيز قدرة الشركات المصرية على الوصول إلى الأسواق الخارجية ومنافسة المنتجين الدوليين.

 

وتضع هذه المطالب الحكومة أمام سؤال محرج: كيف يمكن الحديث عن تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة الذهب، بينما لا تزال الجهات الصناعية تطالب بتوفير التسهيلات اللازمة للتوسع في التصدير؟

 

كذلك دعت الشعبة إلى دعم مشاركة الشركات المصرية في المعارض الدولية المتخصصة، باعتبارها وسيلة أساسية لعرض المنتجات والتواصل مع المشترين وفتح أسواق جديدة أمام المصانع والورش المحلية.

 

غير أن التوسع الخارجي لا يتحقق بالشعارات أو المعارض وحدها، بل يحتاج إلى منظومة إنتاج قادرة على توفير الخامات والتمويل، وإجراءات تصدير واضحة، وسياسات تمنح المنتج المصري فرصة حقيقية للمنافسة.

 

وبينما تمتلك مصر خبرات تاريخية في صناعة المشغولات الذهبية، فإن تحويل هذه الخبرات إلى صادرات مستدامة يظل مرهوناً بإزالة العقبات التي يطرحها العاملون بالقطاع، بدلاً من الاكتفاء بتكرار الوعود الرسمية.

 

وهنا تتجلى أزمة أوسع في الإدارة الاقتصادية؛ إذ لا يكفي الإعلان عن استهداف زيادة الصادرات، ما لم تتحول هذه الأهداف إلى إجراءات ملموسة تخفف الأعباء عن المنتجين وتختصر الطريق إلى الأسواق.

 

 

الورش الصغيرة تواجه أزمة التمويل

 

حذرت مطالب شعبة الذهب من ضرورة تجاهل الاحتياجات التمويلية للورش والمصانع الصغيرة والمتوسطة، بعدما أكدت أهمية توفير آليات تمويل ميسرة تساعد المنشآت على تطوير معداتها وزيادة طاقتها الإنتاجية وتحسين جودة منتجاتها.

 

وتعكس هذه المطالب تحدياً حقيقياً أمام أصحاب الورش، الذين لا يستطيعون التوسع بالاعتماد على المهارة الحرفية وحدها، خصوصاً في صناعة تحتاج إلى خامات مرتفعة القيمة واستثمارات مستمرة في المعدات والتصميم.

 

وفي الوقت الذي تتصدر فيه المشروعات الكبرى الخطاب الاقتصادي الحكومي، تظل احتياجات الورش الصغيرة اختباراً لجدية سياسات دعم الصناعة، لأنها تمثل جزءاً مهماً من قاعدة الإنتاج والخبرة الحرفية.

 

كما أن التمويل الميسر لا يمثل منحة مجانية لأصحاب المصانع، بل أداة اقتصادية لرفع الإنتاجية وتحديث خطوط التصنيع، بما يسمح بتحويل المهارات المحلية إلى منتجات تستطيع المنافسة في الأسواق الدولية.

 

وأكد إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات، أن التوسع في تصنيع المشغولات محلياً يمكن أن يعظم القيمة المضافة، بدلاً من الاقتصار على تداول الخامات والمنتجات الجاهزة.

 

وتحمل تصريحات واصف رسالة اقتصادية واضحة؛ فالقيمة الحقيقية لصناعة الذهب لا تقتصر على امتلاك المعدن النفيس، وإنما تتحدد بقدرة المصانع على تحويله إلى مشغولات عالية الجودة تحقق عوائد أكبر.

 

كذلك شددت الشعبة على تطوير مهارات العمالة الحرفية والتصميم والتصنيع، بما يتوافق مع الاتجاهات العالمية واحتياجات المستهلكين، ويمنح المنتجات المصرية قدرة أكبر على الوصول إلى شرائح جديدة من المشترين.

 

لكن التدريب وحده لن يحل الأزمة ما لم تقترن به تسهيلات للإنتاج والتمويل والتصدير، لأن تطوير مهارات العاملين يفقد جانباً من جدواه عندما تواجه المنشآت صعوبات تعوق الاستفادة منها.

 

ومن هنا يصبح دعم الورش الصغيرة مقياساً لمدى جدية الحكومة في بناء قاعدة صناعية منتجة، بدلاً من سياسات ترفع شعارات التصنيع المحلي دون أن تزيل العقبات التي يشكو منها أصحاب الصناعة.

 

 

تقلبات الذهب تفضح هشاشة السياسات

 

كشفت بيانات مرصد الذهب في مصر عن تراجع الأسعار المحلية بنسبة 1.7% خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انخفاض الأوقية عالمياً بنحو 3.4% تحت ضغوط ارتفاع عوائد السندات الأميركية وقوة الدولار.

 

وأوضح وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، أن غرام الذهب عيار 21 فقد نحو 105 جنيهات خلال الأسبوع، بعدما تراجع من 6235 جنيهاً إلى 6130 جنيهاً.

 

وفي الوقت نفسه، سجل غرام الذهب عيار 24 نحو 7006 جنيهات، وعيار 18 نحو 5254 جنيهاً، بينما بلغ سعر الجنيه الذهب 49040 جنيهاً، وفق البيانات التي أعلنها المرصد.

 

وتعكس هذه الأرقام حساسية السوق المصرية للتحولات العالمية، بينما تواجه الصناعة المحلية تحدياً مختلفاً يتمثل في ضرورة مواكبة التقلبات السعرية دون تعطيل الإنتاج أو تحميل الورش أعباء إضافية.

 

ولا يعني انخفاض الأسعار بالضرورة انتهاء الضغوط عن المصنعين، فالتقلبات السريعة تفرض تحديات على إدارة المخزون والتسعير، خاصة عندما تكون قيمة الخامات مرتفعة وتمثل جزءاً كبيراً من رأس المال العامل.

 

كما أشار التقرير إلى تأثير مخاوف التضخم المرتبطة بالطاقة في السوق العالمية، وهو ما يضيف مزيداً من عدم اليقين أمام قطاع يحتاج إلى سرعة الاستجابة للمتغيرات الخارجية واستقرار الإجراءات الداخلية.

 

والأزمة هنا أن الحكومة لا تستطيع التحكم في أسعار الذهب العالمية، لكنها مسؤولة عن السياسات المحلية التي تحدد سهولة وصول الخامات، وإتاحة التمويل، وتيسير إجراءات التصدير أمام المنتجين.

 

وبالتالي فإن تحميل الأسواق العالمية وحدها مسؤولية الصعوبات التي تواجه صناعة الذهب سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالضغوط الخارجية لا تعفي الحكومة من مسؤوليتها عن معالجة الاختناقات الإدارية والتمويلية المحلية.

 

وتبدو مطالب اتحاد الصناعات بمثابة اختبار مباشر للخطاب الاقتصادي الرسمي، الذي يكرر الحديث عن توطين الصناعة وزيادة الصادرات، بينما لا تزال القطاعات الإنتاجية تطالب بإجراءات أساسية لتوسيع نشاطها.

 

وفي النهاية، فإن تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة المشغولات الذهبية لن يتحقق بالمؤتمرات والتصريحات، وإنما بقرارات ترفع الأعباء عن المصانع والورش وتمنح الحرفيين فرصاً حقيقية للإنتاج والتصدير.

 

وتبقى الحكومة مطالبة بتوضيح موقفها من إجراءات الإفراج الجمركي، ورد الأعباء التصديرية، وتمويل المنشآت الصغيرة، بدلاً من ترك مطالب الصناعة معلقة بين الجهات والإجراءات والوعود التي ينتظر أصحابها ترجمتها إلى واقع.

 

فصناعة تمتلك الخبرة والمهارة وفرص النفاذ إلى الأسواق لا تحتاج إلى مزيد من الدعاية الحكومية، بل إلى إدارة اقتصادية تفتح أبواب الإنتاج وتزيل العقبات وتحاسب المسؤولين عن استمرارها.