يقدم الكتاب كونور كير ولوريس بيفيريلي وأليكس تشالمرز تحليلا عميقا لمجريات حرب أكتوبر عام 1973 التي تعرف أيضا بحرب يوم الغفران.
وتسلط هذه التحليلات الضوء على التفاصيل الدقيقة للضربة الجوية الافتتاحية والقرارات التكتيكية التي اتخذتها الجيوش العربية خلال المعارك. وعلاوة على ذلك، تبرز هذه الكتابات العوامل الثقافية والاجتماعية التي أثرت بشكل مباشر على نتائج المواجهات العسكرية الطاحنة.
وتستند هذه المراجعة الصحفية إلى ثلاثة مصادر رئيسية تتمثل في موقع ميج فلوج وموقع وور رايترز وموقع ووركس إن بروجريس نيوز.
انطلاق العملية بدر والمفاجأة الاستراتيجية
امتلأت سماء قناة السويس بالطائرات المصرية المقاتلة في تمام الساعة الثانية من ظهر يوم السادس من شهر أكتوبر عام 1973. وعبرت أكثر من مئتي طائرة مقاتلة مياه القناة على ارتفاع منخفض متجهة نحو المطارات وبطاريات الصواريخ الرادارية في شبه جزيرة سيناء. وبدأ قصف مدفعي هائل بعد خمس دقائق فقط شارك فيه ما يقارب ألفي مدفع لتمهيد الطريق العسكري أمام القوات البرية.
وضربت الطائرات المصرية أهدافا حيوية شملت قواعد جوية ومراكز قيادة متقدمة وأنظمة حرب إلكترونية متطورة في منطقة أم خشيب. وشاركت قاذفات توبوليف في هذا الهجوم المكثف بإطلاق صواريخ جو-أرض متعددة أسفرت عن تدمير رادارات حيوية وتأخير استجابة الدفاعات الإسرائيلية.
وتسببت هذه الهجمات الدقيقة في إخراج قواعد بئر جفجافة وبئر تمادة الجوية عن الخدمة لثمان وأربعين ساعة متواصلة.
وكبدت هذه الضربة الافتتاحية القوات الجوية المصرية خسائر أولية بلغت خمس طائرات وارتفعت إلى حوالي عشر طائرات بحلول نهاية اليوم المعركي. وسقط الطيار عاطف السادات، الأخ غير الشقيق للرئيس أنور السادات، قتيلا خلال مهاجمته مطار المليز العسكري في عمق سيناء. وتثير هذه الأرقام المتباينة جدلا مستمرا حول حقيقة الخسائر التي أجبرت القيادة على إلغاء ضربة جوية ثانية كانت مقررة سلفا.
ويشكك بعض النقاد في حجم التأثير الفعلي للقوات الجوية في إحداث شلل كامل للدفاعات الإسرائيلية خلال مجريات الحرب. وتبرز الكاتبة شهدان الشاذلي اتهامات صريحة بتضخيم القيادة الجوية لدورها وتعديل الوثائق التاريخية لتحقيق مكاسب سياسية لاحقة.
"لعبت القوات الجوية دورا نفسيا في الغالب خلال الحرب، حيث وفرت مشهدا ملهما للقوات البرية المصرية".
-محمد حسنين هيكل، ميج فلوج
واعتمدت الخطة المصرية في بدايتها على ركيزتين أساسيتين لضمان اختراق التحصينات الإسرائيلية المعقدة على طول خط بارليف المنيع.
وشملت الركيزة الأولى استخدام قوات المشاة المزودة بصواريخ محمولة ومضادة للدروع لضرب الدبابات المعادية فور عبور المانع المائي. واستخدم المهندسون العسكريون خراطيم المياه ذات الضغط العالي لإحداث ثغرات واسعة في السواتر الرملية الضخمة بنجاح باهر.
وعجزت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عن التنبؤ بموعد الهجوم الحقيقي حتى الساعات الأولى من صباح يوم السادس من أكتوبر. وقررت رئيسة الوزراء جولدا مائير عدم توجيه ضربة جوية استباقية لتجنب اتهام إسرائيل ببدء الحرب أمام المجتمع الدولي.
تقييم الأداء التكتيكي ونظام القتال الحديث
وخططت مصر وسوريا لشن هجوم متزامن ومفاجئ لاستعادة الأراضي الواسعة التي فقدتها الدولتان خلال حرب يونيو عام 1967. واعتمدت الخطط الأولية على هجمات مدروسة ومحفوظة عن ظهر قلب تتضمن عبور القناة وتأمين رؤوس الكباري تحت مظلة دفاع جوي كثيفة. ونجحت القوات المهاجمة في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية واستغلال التفوق العددي الكاسح ضد القوات الإسرائيلية المدافعة في أيام الحرب الأولى.
واواجهت القوات السورية صعوبات بالغة في مرتفعات الجولان رغم نجاحها المبكر في اختراق خطوط الدفاع الإسرائيلية في القطاع الجنوبي. واستمرت الدبابات السورية في التقدم دون تغيير مساراتها عند تدمير المركبات الأمامية مما أدى إلى اختناق مروري حاد في ساحة المعركة. وتراجعت القوات السورية تدريجيا وتكبدت خسائر فادحة بفضل دفع إسرائيل للاحتياطيات العسكرية بشكل سريع لوقف الزحف المدرع.
وقررت القيادة السياسية المصرية تطوير الهجوم لتخفيف الضغط العسكري عن الجبهة السورية رغم معارضة بعض القادة الميدانيين لتلك الخطوة. وكشفت هذه المرحلة الجديدة عن ضعف القدرات التكتيكية للقوات المهاجمة بسبب غياب التخطيط المسبق والاعتماد المطلق على الارتجال العشوائي. وعانت القوات المصرية من بطء شديد وجمود تكتيكي ترافق مع هجمات جبهوية مكشوفة افتقرت إلى المناورة والتنسيق بين الأسلحة المختلفة.
ويفسر الكاتب ستيفن بيدل هذا الفشل الميداني عبر تسليط الضوء على أهمية تكتيكات القتال الحديثة في حسم المعارك المعاصرة. وتمتلك الجيوش الناجحة قدرة عالية على الدمج الفعال بين الأسلحة المختلفة وتفعيل استقلالية الوحدات الميدانية بدلا من الاعتماد على الحشود الضخمة.
"النظام الحديث هو مركب مترابط بإحكام يشمل التغطية والإخفاء والتشتيت والقمع والمناورة المستقلة للوحدات الصغيرة ودمج الأسلحة على المستوى التكتيكي".
ـ ستيفن بيدل، وور رايترز
واستهدفت القوات السورية تحقيق تقدمين رئيسيين في المنطقة الواقعة شمال القنيطرة وفي منطقة الرفيد لتطويق الدفاعات الإسرائيلية. وسعت الخطط السورية للوصول إلى نقاط عبور نهر الأردن لعزل الهضبة تماما ومنع وصول الإمدادات العسكرية الإسرائيلية. وفشلت القوات السورية في تأمين هذه الجسور الحيوية خلال الليل مما سمح بتدفق الاحتياطيات الإسرائيلية بكثافة لشن هجمات مضادة.
وتجسد الفشل التكتيكي السوري بوضوح في محاولة اللواء المدرع الثالث والأربعين الالتفاف حول القوات المدافعة قرب مدينة القنيطرة. وتحركت هذه القوة الضخمة دون نشر قوات استطلاع متقدمة أو حمايات جانبية لتأمين تقدمها في ساحة المعركة المفتوحة. وتعرضت هذه الوحدة لسلسلة كمائن محكمة دمرت معظم آلياتها المدرعة رغم تفوقها العددي الكاسح على الدبابات الإسرائيلية المدافعة.
الجذور الثقافية وأثرها على مسار المعارك
ويرفض الخبير كينيث بولاك إرجاع الفشل العسكري العربي حصريا إلى الاعتماد على العقيدة السوفيتية أو التسييس المفرط للمؤسسات العسكرية. ويشير بولاك بدلا من ذلك إلى أن الأنماط الثقافية المتجذرة تلعب دورا حاسما في تقييد الأداء الميداني للجيوش العربية. وتتضمن هذه الأنماط احترام السلطة بشكل مبالغ فيه والولاء المطلق للمجموعة والخوف الشديد من العار والفضيحة الاجتماعية.
وينبع هذا الهيكل الثقافي المعقد من النظام التعليمي التقليدي الذي يركز بشدة على الحفظ والتلقين بدلا من تنمية مهارات حل المشكلات. وينعكس هذا النهج التعليمي بشكل مباشر على التدريبات العسكرية التي تتحول غالبا إلى مسرحيات معدة سلفا خالية من أي مفاجآت تكتيكية. وتؤدي هذه البيئة الصارمة إلى شلل تفكير الضباط الميدانيين عند تغير ظروف المعركة بطرق غير متوقعة أو غير مخططة.
وتخشى القيادات السياسية في العديد من الدول العربية جيوشها أكثر من خشيتها لجيوش الأعداء مما يرسخ نظام ترقيات مبنيا على الولاء. وتتجنب الكوادر العسكرية اتخاذ قرارات ميدانية جريئة في ساحة المعركة خوفا من العقاب الصارم أو التعرض للتوبيخ من الرؤساء. وتسببت هذه المركزية الشديدة في إضاعة فرص عسكرية ذهبية خلال حرب الجولان حيث توقفت القوات السورية عن التقدم بانتظار أوامر جديدة.
وتستثنى من هذه القاعدة بعض التنظيمات المسلحة التي أثبتت كفاءة قتالية عالية لاعتمادها على قيادات استثنائية من خارج هذه الثقافة التعليمية المعتادة. ويضرب الكاتب أليكس تشالمرز أمثلة ببعض الجماعات التي استقطبت قادة ميدانيين من خلفيات ثقافية مختلفة مما منحها مرونة تكتيكية واضحة.
"إن الخوف من العار يفسر سبب إخبار قادة ناصر له بأنهم كانوا ينتصرون، بينما يفسر التسلسل الهرمي سبب تمسك ضباط الكتائب بالأوامر لفترة طويلة بعد أن تفقد تلك الأوامر أي معنى عملي".
ـ أليكس تشالمرز، ووركس إن بروجريس نيوز
وتتمركز السلطة الإدارية بشكل كبير في أيدي كبار الموظفين داخل معظم الوزارات والدوائر الحكومية في العالم العربي. ويتصرف المديرون كآباء بطاركة يتدخلون في الشؤون الشخصية لموظفيهم ويقيدون استقلاليتهم في اتخاذ القرارات المهنية والإدارية. وتؤكد الدراسات السلوكية أن الغالبية العظمى من المسؤولين الكبار يعتبرون مرؤوسيهم غير مؤهلين لتقديم أي ابتكارات أو حلول خارج الصندوق.
وتوالت التقارير الإسرائيلية عن حجم الخسائر الفادحة التي ألحقتها الضربة الجوية المصرية الأولى ببطاريات صواريخ هوك المتقدمة. وتضررت قواعد رأس نصراني وبئر حسنة بشكل ملحوظ مما أربك خطط القيادة العسكرية الإسرائيلية وعطل تنسيقها الدفاعي. وساهمت هذه الأضرار المتلاحقة في إضعاف التغطية الجوية الإسرائيلية المباشرة خلال الساعات الأولى الحاسمة من عملية العبور الكبير.
وتدفعنا هذه المعطيات المتعددة إلى إعادة النظر جذريا في طرق ومناهج تقييم الأداء العسكري للجيوش النظامية التقليدية المعاصرة. ويحتاج القادة العسكريون في الوقت الحالي إلى تبني فلسفات قتالية مرنة تمنح الضباط الميدانيين صلاحيات أوسع لاتخاذ القرارات الحاسمة. وتتطلب ساحات الحروب الحديثة عقولا مبتكرة قادرة على التكيف اللحظي مع المتغيرات المفاجئة بعيدا عن القوالب الإدارية والتكتيكية الجامدة.
ويظل تقييم نتائج هذه المعارك التاريخية الكبرى مسألة معقدة تتطلب تحليلا موضوعيا دقيقا يتجاوز السرديات الرسمية الموجهة للرأي العام المفتوح. وتبرز الحاجة الماسة والمستمرة إلى دمج الدروس المستفادة من هذه الإخفاقات التكتيكية في برامج تدريب الجيوش الحديثة لتفادي تكرارها المستقبلي.
https://migflug.com/afterburner/operation-badr-1973-egyptian-air-force-opening-air-strike-6-october/
https://www.worksinprogress.news/p/why-arab-armies-dont-win-wars
https://warwriters.com/the-importance-of-the-tactical-level-the-arab-israeli-war-of-1973/

