كشفت أحدث بيانات مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 أن مصر تقدمت مركزًا واحدًا فقط، من المرتبة 170 إلى 169 عالميًا من أصل 180 دولة، لكن هذا التحرك الهامشي لم يغير جوهر الصورة؛ فالبلاد لا تزال ضمن أسوأ 12 دولة في العالم في حرية الصحافة، وفي نطاق يوصف بأنه بالغ الخطورة.

 

ويكشف الرقم أن الحديث عن تقدم في الترتيب لا يعني تحسنًا حقيقيًا في بيئة العمل الصحفي، فالفارق بين المركزين 169 و170 لا يمحو واقع الحجب والحبس والاستدعاءات وقرارات المنع والملاحقات القضائية، ولا يبدد المناخ الذي يجعل الصحفي أو الإعلامي معرضًا للمساءلة بسبب كلمة أو منشور أو تقرير أو حتى ضيف ظهر على الشاشة.

 

مركز يتغير والقمع باق

 

تواصل السلطات إحكام قبضتها على المجال الإعلامي عبر منظومة تشريعية تمنح جهات متعددة صلاحيات واسعة لحجب المواقع ووقف المنصات وملاحقة المحتوى، مستخدمة تعبيرات فضفاضة مثل «الأخبار الكاذبة» و«تهديد الأمن القومي» و«الإضرار بالاقتصاد»، وهي مصطلحات يمكن تمديدها لتشمل مساحات واسعة من العمل الصحفي المستقل.

 

وتمنح المادة 49 من قانون مكافحة الإرهاب سلطات التحقيق صلاحيات تتعلق بحجب المواقع، بينما تسمح المادة 19 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام بفرض إجراءات ضد وسائل ومنصات بدعوى مخالفة المعايير، في حين توسع المادة 7 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات دائرة الحجب عند اعتبار المحتوى مهددًا للأمن القومي أو الاقتصاد.

 

وهكذا لم يعد الحجب استثناءً طارئًا، بل أصبح أداة حاضرة داخل بنية قانونية كاملة، ما يجعل الرقابة قابلة للتفعيل في أي وقت ضد المواقع والحسابات والمدونات، ويضع وسائل الإعلام تحت تهديد دائم، حتى قبل نشر المادة، لأن الخوف من العقاب يتحول بنفسه إلى شكل من أشكال الرقابة المسبقة.

 

وتكشف النشرات الحقوقية الخاصة بانتهاكات الصحافة والإعلام أن أغسطس 2026 وحده حمل سلسلة من قرارات الحبس والاستدعاء والمنع ووقف البرامج، بما يعكس حجم المساحة التي تتحرك فيها المؤسسات الرقابية والتنظيمية والأمنية، ويؤكد أن مشكلة الصحافة لم تعد في حادثة منفصلة، بل في بيئة متكاملة تضيق فيها مساحة الاستقلال باستمرار.

 

صحفيون بين السجن والمحاكم

 

وفي قلب هذه الصورة تبرز قضية الصحفي أحمد سامي مصطفى، الذي تأجلت محاكمته في أغسطس إلى جلسة 21 أكتوبر 2026، في قضية يواجه فيها اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويل الإرهاب، بعد سنوات طويلة من الحبس والتحقيقات وإعادة تدويره في أكثر من قضية.

 

وكان أحمد سامي قد ألقي القبض عليه في سبتمبر 2019، قبل أن يختفي 83 يومًا ويظهر لاحقًا أمام نيابة أمن الدولة، ثم ظل محبوسًا احتياطيًا لسنوات، قبل استدعائه مجددًا في ديسمبر 2024 للتحقيق معه في قضية أخرى، في مسار يلخص كيف يمكن أن تتحول حياة صحفي إلى سلسلة متصلة من الحبس والتحقيق والمحاكمة.

 

وفي 7 أغسطس 2026، ألقت قوات الأمن القبض على الكاتب طلال سيف وأودعته سجن العاشر من رمضان بعد نشر مقطع فيديو ينتقد فيه القيود المفروضة على إرسال الكتب إلى الخارج عبر البريد، وهي واقعة تعكس إلى أي مدى يمكن أن يؤدي تعبير علني عن الاعتراض إلى الانتقال من فضاء النقاش إلى بوابة الاحتجاز.

 

وطلال سيف ليس اسمًا مجهولًا في المجال الثقافي، بل عضو في اتحاد كتاب مصر وله تجربة طويلة في الإعلام وصناعة الأفلام الوثائقية والتأليف، وهو ما يجعل توقيفه بعد انتقاد إجراء إداري رسالة تتجاوز شخصه إلى كل كاتب أو صحفي يفكر في تجاوز الخطوط المرسومة له.

 

ولا تقف الأزمة عند الصحفيين المحبوسين، فالتضييق يمتد عبر منظومة من التحقيقات والقضايا والحظر ومنع النشر والبلاغات، ما يجعل المجال الإعلامي محاصرًا من اتجاهات متعددة، ويخلق بيئة يستطيع فيها أي قرار إداري أو بلاغ أو تحقيق أن يتحول إلى سيف مسلط فوق رأس العاملين بالمهنة.

 

مجلس المنع ووقف الشاشات

 

وشهد أغسطس نشاطًا واسعًا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، شمل استدعاء ممثلين قانونيين لقنوات، ومراجعة عقود برامج، وإيقاف برامج، ومنع أشخاص من الظهور، وإنذارات بالحجب، والتحقيق في محتوى منشور على المواقع والحسابات، بما يكشف اتساع سلطة المجلس على تفاصيل العمل الإعلامي اليومي.

 

وفي 4 أغسطس، أصدر المجلس قرارات شملت منع ظهور وسام سالم لمدة شهر، وإنذار صفحة على فيسبوك بالحجب، واستدعاء ممثل قانوني لموقع إلكتروني، ثم تبع ذلك استدعاءات أخرى لقنوات وبرامج، وقرارات بمنع ظهور أشخاص لفترات زمنية محددة، بما يجعل «المنع» عنصرًا حاضرًا ومتكررًا في إدارة المجال الإعلامي.

 

وفي 11 أغسطس، تحرك المجلس لمراجعة عقود برامج إنتاج مشترك على ست قنوات فضائية، ثم قرر منع ظهور محمد الجبالي لمدة شهرين وإلزامه بحذف محتوى وإحالته إلى نقابة الصحفيين، قبل أن تتواصل القرارات لاحقًا بإيقاف برامج ومنع مقدميها حتى استيفاء إجراءات أو انتهاء تحقيقات.

 

كما شهد الشهر وقف برنامج «حواديت على المكشوف» نهائيًا، ثم وقف برنامج «عين الشعب» ومنع مقدمه، إلى جانب وقف برنامجي «قهوتك مع ندى» و«شبابنا مستقبلنا» ومنع مقدمتيهما لحين استيفاء تصاريح، لتصبح الشاشات نفسها خاضعة لحالة مستمرة من الترخيص والاستدعاء والوقف والمنع.

 

وحتى عندما حفظ المجلس شكوى حسام حسن ضد بعض وسائل الإعلام بشأن تناول حياته الخاصة، فإن كثافة الشكاوى والقرارات خلال شهر واحد تكشف حجم التدخل المؤسسي في المحتوى ومن يظهر ومن يتحدث ومن يستمر ومن يُحجب، وهو ما يضع حدودًا ثقيلة على فكرة الإعلام الحر أصلًا.

 

أما نقابة الإعلاميين، فقد دخلت بدورها على خط الضبط والملاحقة؛ ففي أغسطس شددت على الالتزام بحظر النشر في إحدى القضايا، ثم أعلنت تحريك دعاوى ضد الإعلامي شريف عامر بسبب موقفه من الانضمام للنقابة، مؤكدة أن القيد بها إلزامي، وهو ما يضيف مسارًا جديدًا للمساءلة القانونية والتنظيمية.

 

وتتراكم إلى جانب ذلك البلاغات والدعاوى المتبادلة في قضايا السب والقذف والمحتوى الإلكتروني والحياة الخاصة والقيم الأسرية وحظر النشر، بحيث تتحول البيئة الإعلامية إلى حقل ألغام قانوني، يصبح فيه الصحفي أو مقدم البرنامج أو صاحب الحساب أمام احتمالات الاستدعاء والمنع والمحاكمة بسبب نطاق واسع جدًا من المواد.

 

والنتيجة أن تقدم مصر مركزًا واحدًا في مؤشر دولي لا يغير شيئًا من جوهر المشهد؛ فالدولة التي تحتل المرتبة 169 من أصل 180 لا تستطيع تقديم هذا التقدم الهامشي بوصفه إنجازًا، بينما يستمر صحفيون خلف القضبان، وتحجب مواقع، وتتوقف برامج، ويُمنع أشخاص من الظهور، وتتسع دائرة الرقابة.

 

فالصحافة لا تصبح حرة عندما يتحرك ترتيبها خانة واحدة داخل قاع الجدول، بل عندما يستطيع الصحفي أن يسأل وينشر وينتقد دون أن يخشى الحبس أو الحجب أو المنع، وعندما تصبح المؤسسات التنظيمية حامية لحرية الإعلام لا بوابة للعقاب. وحتى يحدث ذلك، سيظل المركز 169 مجرد رقم جديد لواقع قديم.