يفرض تثبيت رغيف الخبز السياحي وزن 80 جرامًا عند جنيهين معادلة لا تحتاج إلى خبير اقتصادي لفهم اختلالها، بعدما قفز طن الدقيق المستخدم في المخابز من نحو 17 ألف جنيه إلى 21 و21.5 ألف جنيه، بينما بقي سعر الرغيف ثابتًا وكأن تكلفة إنتاجه لم تتحرك.

 

يكشف القرار فجوة واضحة بين السعر الذي تفرضه الحكومة على المخبز وبين التكلفة التي تتحرك يوميًا في السوق، وهي فجوة لا يمكن إخفاؤها بحملات التفتيش ولا بميزان يوضع أمام الفرن، لأن الحساب في النهاية يظل حسابًا، وأي تكلفة لا يسمح السعر بتغطيتها ستبحث عن مكان آخر لتظهر فيه.

 

وتزداد الأزمة وضوحًا مع مطالبة شعبة المخابز نفسها بزيادة تقارب 15%، بعدما أكد عبد الله غراب أن التسعيرة الحالية وضعت عندما كان طن الدقيق في حدود 17 ألف جنيه قبل صعوده إلى 21 ألفًا، وأن الزيادة انعكست مباشرة على تكلفة الإنتاج.

 

ومن هنا يصبح تثبيت السعر سياسيًا أكثر منه اقتصاديًا؛ فالخبز في مصر ظل لعقود أحد أكثر الملفات حساسية، وسبق أن وصفت رويترز أي تحريك واسع لأسعاره بأنه شديد الحساسية بسبب التاريخ الطويل للاحتجاجات المرتبطة به، فيما ربطت تحليلات أخرى بين سياسات الخبز والاستقرار الاجتماعي.

 

 

الحسبة تكشف فجوة واضحة

 

لو أن أحد أصحاب المخابز جلس في نهاية يومه وأمسك ورقة وقلمًا، فلن يحتاج إلى دراسات معقدة حتى يكتشف المشكلة. طن الدقيق عند 21.5 ألف جنيه يعني أن سعر الكيلو الواحد أصبح 21.5 جنيه.

 

ولو افترض أن رغيف الخبز النهائي وزن 80 جرامًا يستهلك نحو 60 جرامًا من الدقيق، فإن الدقيق وحده يكلف حوالي 1.29 جنيه، قبل أن يدور الفرن أو يدخل عامل إلى المخبز أو يتحرك الرغيف من مكانه.

 

ثم لو وضع صاحب المخبز أرقامًا تشغيلية تقديرية محدودة، بواقع 11 قرشًا للخميرة والمحسن والملح، و15 قرشًا للغاز والكهرباء، و22 قرشًا للعمالة، تصبح التكلفة بالفعل نحو 1.77 جنيه قبل بقية المصروفات.

 

ويضاف إلى ذلك، في نموذج الحساب نفسه، نحو 12 قرشًا للإيجار والمصاريف التشغيلية، و7 قروش للصيانة، و6 قروش للهالك، و5 قروش للتعبئة والنظافة، و8 قروش للنقل والتداول، ليصل الإجمالي إلى نحو 2.15 جنيه للرغيف.

 

وهذه ليست تسعيرة رسمية، وإنما حسبة تشغيلية بسيطة توضح المأزق: صاحب المخبز قد ينتج الرغيف بتكلفة أعلى من السعر الذي يُطلب منه البيع به، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يحتفظ بالوزن والجودة وهامش التشغيل في الوقت نفسه.

 

وحتى إذا خفضنا كمية الدقيق المفترضة إلى 55 جرامًا، فإن تكلفته تبلغ نحو 1.18 جنيه، ومع بقية بنود التشغيل نفسها تصبح التكلفة قرابة 2.04 جنيه، أي أن جنيهين لا يتركان تقريبًا أي مساحة للحركة.

 

ويؤكد خالد فكري، رئيس شعبة المخابز بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن سعر طن الدقيق ارتفع من 17 ألف جنيه إلى نحو 21.5 ألفًا، بزيادة 4500 جنيه، بينما يأتي المخبز في نهاية سلسلة يتحمل فيها السعر النهائي للدقيق ولا يملك التحكم فيه.

 

 

الخوف من صدمة الأسعار

 

لا يصعب فهم سبب حساسية الحكومة تجاه رفع سعر الخبز؛ فتاريخ مصر الحديث جعل الرغيف أحد أكثر السلع ارتباطًا بالتوتر الاجتماعي، ورويترز أعادت مرارًا التذكير بأن تحريك أسعار الخبز في مصر يظل ملفًا سياسيًا شديد الحساسية بسبب احتجاجات سابقة ارتبطت به.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تأجيل تحريك السعر باعتباره محاولة لتجنب إعلان زيادة جديدة أمام جمهور أنهكته موجات الغلاء، حتى لو كانت التكلفة الاقتصادية للرغيف نفسها قد تحركت بالفعل بعيدًا عن الرقم الحكومي.

 

فالوزارة طلبت مهلة قبل البت في مطالبة الشعبة برفع الأسعار، بينما أعلنت الشعبة استمرار العمل بالسعر القديم مؤقتًا، رغم أن عبد الله غراب أكد أن الفارق في طن الدقيق وصل إلى أربعة آلاف جنيه وأن المخابز لم تعد تعمل على معادلة التكلفة القديمة.

 

والأكثر دلالة أن غراب وصف زيادة أسعار الخبز السياحي بأنها أصبحت «ضرورة اقتصادية»، وربطها مباشرة بصعود الدقيق الحر بنحو 25% خلال فترة قصيرة، وهي شهادة من داخل القطاع بأن المشكلة ليست نزوة من أصحاب المخابز بل تغيرًا في أصل التكلفة.

 

كما قال هاني مكي، نائب رئيس شعبة المخابز، إن الدقيق الفاخر ارتفع بنحو أربعة آلاف جنيه، بما يساوي قرابة 20% من السعر الذي كانت التكلفة تحتسب على أساسه، وهو ما دفع إلى إعادة مناقشة تكلفة إنتاج الخبز.

 

وهنا يبرز السؤال الذي تحاول لغة التثبيت تجنبه: إذا كانت المادة الخام الرئيسية ارتفعت بهذا الحجم، والشعبة تطالب بزيادة، والاجتماعات نفسها تناقش إعادة حساب التكلفة، فكيف يصبح الرقم القديم صالحًا لمجرد صدور قرار بالإبقاء عليه؟

 

 

رقابة الوزن تغطي الخلل

 

بدل أن تنشر الجهات المعنية معادلة واضحة تقول للمواطن كيف يمكن إنتاج رغيف كامل وزن 80 جرامًا بالدقيق الحالي ومصاريف العمالة والطاقة والنقل ثم بيعه بجنيهين، تركز البيانات المنشورة على تثبيت السعر وتشديد الرقابة على الأوزان.

 

وهنا تتحول الرقابة إلى معالجة للنتيجة بدل أصل المشكلة؛ لأن ميزان المفتش يمكن أن يكتشف رغيفًا ناقصًا، لكنه لن يخفض سعر طن الدقيق من 21.5 ألف جنيه إلى 17 ألفًا، ولن يسدد فاتورة الكهرباء أو العمالة أو الإيجار.

 

وأكد مدحت رمضان، عضو شعبة المخابز بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن الإيجارات والكهرباء والغاز والعمالة والأكياس والنقل كلها ارتفعت، وأن أصحاب المخابز يتحملون هذه البنود وفق أسعار السوق الحر، لتنعكس مباشرة على تكلفة الرغيف السياحي.

 

فإذا تركت الحكومة صاحب المخبز يشتري كل مدخلات إنتاجه بالسعر الحر، ثم فرضت على المنتج النهائي سعرًا لا يتحرك بالوتيرة نفسها، فهي تضعه عمليًا بين ثلاثة أبواب: خسارة مستمرة، أو رفع السعر ومواجهة المخالفة، أو العبث بالوزن والجودة.

 

والباب الأخير هو الأخطر على المواطن؛ لأن فرق التكلفة الذي لم يظهر أمامه في صورة زيادة معلنة يمكن أن يظهر في صورة جرامات أقل داخل الكيس، فيدفع المستهلك زيادة مقنعة دون أن يتغير الرقم المكتوب على الرغيف.

 

ولو نقص وزن الرغيف من 80 إلى 70 جرامًا فقط، فإن المواطن يكون قد فقد **12.5% من كمية الخبز** التي يفترض أن يحصل عليها مقابل جنيهين، وهي نسبة قريبة بصورة لافتة من الزيادة التي تطالب بها شعبة المخابز.

 

وهكذا يمكن أن تبقى الحكومة متمسكة أمام الجمهور برقم «جنيهين»، بينما يُنقل جزء من تكلفة الأزمة إلى المواطن من طريق آخر، ويظل صاحب المخبز هو المتهم المباشر حين تضبط مخالفة وزن، بعيدًا عن السؤال الأكبر المتعلق بمن صنع فجوة التسعير أصلًا.

 

الرقابة الحقيقية لا تبدأ من ميزان الرغيف وحده، بل من ميزان التكلفة نفسها. وإذا كان طن الدقيق ارتفع آلاف الجنيهات، وبقية مستلزمات التشغيل ارتفعت معه، فإن تثبيت السعر دون تعديل المعادلة لا يلغي الزيادة وإنما يخفي مكان انتقالها.

 

وفي النهاية، تبدو معادلة جنيهين أقرب إلى رقم سياسي مطلوب الحفاظ عليه من كونها حسبة إنتاج منشورة يمكن مراجعتها؛ فالحساب التقديري يصل إلى 2.04 و2.15 جنيه، والشعبة تطالب بالزيادة، والدقيق قفز إلى 21.5 ألف جنيه، ومع ذلك يظل المطلوب من صاحب المخبز أن يجعل كل هذه الأرقام تختفي داخل رغيف ثمنه جنيهين.

 

والسؤال الذي يبقى أمام المواطن ليس لماذا ارتفع الدقيق، بل لماذا تصر الحكومة على سعر لا تشرح كيف يغطي التكلفة، ثم تجعل الوزن ساحة المعركة الوحيدة؛ لأن من سيدفع ثمن أي فجوة لا تعالجها السياسة التسعيرية في النهاية هو المستهلك، إما بالنقود أو بالجرامات المفقودة.