تصاعدت احتجاجات أهالي كورنيش النيل بطرة مع بدء أعمال حصر الممتلكات في المنطقة، وسط مخاوف من أن تتحول الخطوة الإدارية إلى تمهيد لإزالة منازل ومحال وملكيات استقرت فيها عائلات لعقود طويلة.

 

وتتسع حالة القلق منذ بدء الحصر في 15 سبتمبر، بعد قرار أصدرته محافظة القاهرة في 11 أغسطس 2026 بتشكيل لجنة للحصر، بالتزامن مع اعتراضات سكان يطالبون بمعرفة حدود المشروع ومصير ممتلكاتهم.

 

 

حصر الممتلكات يشعل مخاوف الأهالي

 

وفي خلفية الأزمة، يقول الأهالي إنهم فوجئوا بظهور منطقتهم داخل مخططات إعادة التخطيط، رغم وجود ملكيات خاصة مسجلة، فيما لم تتضح لهم حتى الآن قيمة التعويضات أو قواعد احتسابها أو توقيت صرفها.

 

وبحسب روايات السكان، ارتبطت الأزمة بقرار رقم 15699 لسنة 2025 لاعتماد مخطط التجديد والتطوير للواجهة النيلية بالقطاع الجنوبي من القاهرة الكبرى، وهو القرار الذي وضع المنطقة ضمن نطاقات إعادة التخطيط العمراني.

 

كما يقول الأهالي إن المخطط أظهر أجزاء من المنطقة باعتبارها مخصصة لأبراج فندقية وإدارية وتجارية، ما ضاعف خشيتهم من انتقال المشروع من مرحلة التخطيط إلى إجراءات تمس ملكياتهم ومساكنهم بصورة مباشرة.

 

ومن جهة أخرى، تعود ملكيات كثيرة في المنطقة إلى عشرات السنين، ويؤكد متضررون أن منازلهم ومحالهم ومكاتبهم قائمة منذ نحو نصف قرن، ما يجعل القضية بالنسبة إليهم مرتبطة بحقوق مستقرة وليست إشغالات مؤقتة.

 

وفي السياق نفسه، يشير المحامي سيد عفيفي إلى قرار سابق صدر عام 2022 لتطوير المنطقة، لكنه يقول إن التنفيذ لم يبدأ وقتها، قبل ظهور مخطط أوسع في 2025 شمل طرة ومناطق مجاورة.

 

كما جرى لاحقًا إعداد مخطط تنموي لتحديث تصور تطوير كورنيش النيل ودار السلام وأثر النبي، ثم عُرض الأمر على المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية في يناير 2023 وانتهى إلى إعلان المنطقة نطاقًا لإعادة التخطيط.

 

ومع ذلك، يرى السكان أن الخطر الأساسي لا يكمن في التطوير نفسه، بل في غياب إعلان تفصيلي يحدد العقارات التي ستزال، والملكيات التي ستبقى، والغرض النهائي من الحصر الجاري على الأرض.

 

ومن ثم، تحولت أعمال الحصر من إجراء فني إلى نقطة اشتباك اجتماعي وقانوني، بعدما تعاون السكان في بدايتها قبل أن تتراجع الثقة نتيجة غياب إجابات واضحة حول الخطوات التالية ومصير العقارات المسجلة.

 

 

المنفعة العامة تحت اختبار القانون

 

وفي قلب الجدل القانوني، يستند ملف نزع الملكية إلى القانون رقم 10 لسنة 1990، الذي يحدد صورًا متعددة للمنفعة العامة، بينها الطرق والكباري والنقل والتخطيط العمراني وتحسين المرافق العامة.

 

لكن المحامي عمر عيد يرى أن استخدام نزع الملكية في مشروع يحمل أبعادًا استثمارية وعقارية يحتاج إلى تحديد واضح للغرض العام، حتى يعرف كل مالك السبب القانوني المباشر الذي تستند إليه الإجراءات.

 

وفي المقابل، يذهب سيد عفيفي إلى أن الملكيات محل النزاع خاصة وموثقة وليست أراضي دولة، لذلك يعتبر أن وجود جانب استثماري بالمخطط يفتح بابًا لأسئلة قانونية حول نطاق تطبيق أحكام المنفعة العامة.

 

كما تبقى هذه الآراء القانونية محل حسم قضائي، خصوصًا بعد بدء بعض المتضررين إجراءات للطعن على قرارات الحصر، في وقت لم تصدر فيه تفاصيل معلنة تحسم بصورة نهائية طبيعة كل إجراء ومآله.

 

ومن ناحية أخرى، لم يتضمن قرار لجنة الحصر، وفق النسخة التي استندت إليها المادة، شرحًا تفصيليًا للغرض النهائي من الحصر، وهو ما يراه الأهالي سببًا مباشرًا لتزايد الشكوك والاعتراضات.

 

وعلى هذا الأساس، يطالب السكان بإعلان رسمي مكتوب يوضح طبيعة المشروع وحدود الإزالة ومعايير اختيار العقارات الداخلة فيه، بدلًا من ترك آلاف الأشخاص أمام تقديرات متضاربة وروايات شفهية لا تمنح ضمانات واضحة.

 

وفي المقابل، يسمح المخطط للأراضي المطلة على الواجهة النيلية بعمق 100 متر من طريق الكورنيش بارتفاعات تصل إلى 140 مترًا، وفق اشتراطات وموافقات محددة، دون أن يعني ذلك وحده تحديد عمق الإزالة.

 

ولهذا، يتمسك الأهالي بالسؤال عن العلاقة بين الامتيازات البنائية الجديدة وبين أعمال الحصر، وما إذا كانت الإزالة ستشمل كامل المنطقة المستهدفة أو أجزاء بعينها فقط ضمن التصور العمراني النهائي.

 

 

التعويضات والبدائل في دائرة الغموض

 

ومع اتساع القلق، تزداد حساسية ملف التعويضات بسبب ارتفاع أسعار العقارات واعتماد نسبة من السكان على دخول يومية محدودة، إلى جانب وجود وحدات سكنية تخضع لنظام الإيجار القديم داخل المنطقة.

 

وبحسب تقديرات الأهالي، يتراوح عدد السكان المتضررين المحتملين بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف نسمة، وهو رقم يضاعف أثر أي قرار بالإزالة أو النقل، خصوصًا إذا لم تسبق التنفيذ بدائل واضحة وقابلة للتحمل.

 

كما ينص قانون نزع الملكية، وفق ما أورده المحامي عمر عيد، على تقدير التعويض بقيمة العقار وقت نزع الملكية مع إضافة نسبة 20 بالمئة، وهو ما يضع تقييم السعر الفعلي في صدارة الخلاف.

 

وفي هذا الإطار، يخشى السكان أن تأتي التعويضات أقل من قدرة الأسر على شراء أو استئجار بدائل قريبة، خاصة مع ارتفاع السوق العقارية واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية والتكلفة الحقيقية للسكن.

 

كما عقد عدد من الأهالي اجتماعًا مع محافظ القاهرة في 10 سبتمبر، وقدموا عشرات الأسئلة بشأن أسباب الإزالة والبدائل والتعويضات، لكن مشاركين في اللقاء قالوا إنهم لم يتلقوا إجابات تفصيلية كافية.

 

وفي المقابل، نُقل عن المحافظ أن الهدف يرتبط بتوسعة الكورنيش، بينما عاد السكان للتساؤل عن سبب استهداف الصف الأول من منازلهم ومعايير التعامل مع مبانٍ أخرى قائمة على الامتداد نفسه.

 

وأخيرًا، تختصر أزمة طرة صراعًا بين هدف معلن لتطوير الواجهة النيلية وحق السكان في معرفة ما سيحدث لملكياتهم قبل التنفيذ، إذ يطالبون بضمانات مكتوبة وتعويضات عادلة وحدود معلنة لأي إزالة محتملة.