قفزت كرتونة البيض من نحو 90 جنيهًا إلى متوسط 140 جنيهًا خلال أسابيع قليلة، لتتحول وجبة مدرسية بسيطة تعتمد عليها ملايين الأسر إلى عبء جديد يضغط على ميزانيات أنهكتها موجات الغلاء المتتالية.
وعادت الدراسة لتدفع الطلب على البيض بقوة، بينما ظلت حلقات السوق قادرة على إضافة عشرات الجنيهات فوق سعر المزرعة، من دون آلية واضحة تمنع تحميل الأسرة كامل فاتورة الارتفاع.
سوق البيض يترك الأسر للوسطاء
فقد أصبح الفارق بين سعر المزرعة والسعر النهائي علامة صارخة على اختلال السوق، إذ يبيع المنتجون الكرتونة بنحو 115 جنيهًا، بينما تصل للمستهلك بمتوسط 140 جنيهًا، بفارق يقترب من 25 جنيهًا.
وفي هذا السياق، يقول عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية، إن جزءًا من الزيادة الحالية غير مبرر، ويرتبط بالحلقات الوسيطة التي ترفع السعر بعد خروج المنتج من المزرعة.
وبحسب السيد، فإن الأسعار الحالية عند المنتج لا تمثل تعويضًا حقيقيًا عن خسائر الشهور السابقة، وإنما تقترب من نقطة التعادل التي تغطي تكلفة الإنتاج وتسمح بهامش ربح محدود للمزارع.
ومع ذلك، لا يخفف هذا التفسير العبء عن الأسرة التي لا تشتري من بوابة المزرعة، وإنما تواجه السعر النهائي في الأسواق، حيث تتحول زيادة الطلب الموسمية إلى فرصة جديدة لتوسيع الهوامش.
ومن ناحية أخرى، سبق أن طالب أصحاب مزارع الحكومة بالتدخل عندما تهاوت الأسعار وتراكمت الخسائر، واقترحوا آلية تضمن سعرًا عادلًا للمنتج، لكن المقترح لم يجد استجابة رسمية أو شعبية مؤثرة.
ولذلك تبدو المنظومة وكأنها تترك المنتج وحيدًا عند الخسارة، ثم تترك المستهلك وحيدًا عند الارتفاع، بينما تستفيد حلقات التداول من الفراغ التنظيمي بين سعر المزرعة وسعر البيع النهائي.
وفي الوقت نفسه، دفعت عودة المدارس الطلب إلى مستويات أعلى، لأن البيض يمثل خيارًا سريعًا وأقل تكلفة نسبيًا من بدائل كثيرة، وهو ما جعل ملايين الوجبات المدرسية تتحول إلى محرك إضافي للأسعار.
وعند احتساب استهلاك أسرة لديها ثلاثة أطفال، يشير عبد العزيز السيد إلى إمكانية استهلاك كرتونة كل عشرة أيام، ما يعني ثلاث كرتونات تقريبًا شهريًا، قبل إضافة الخبز والجبن وبقية مكونات الوجبة.
وبهذا الحساب، تقفز تكلفة ثلاث كرتونات من نحو 270 جنيهًا بالسعر السابق إلى قرابة 420 جنيهًا بالسعر الحالي، أي زيادة تبلغ نحو 150 جنيهًا في بند واحد من غذاء الأطفال.
خروج المنتجين يشعل موجة الغلاء
كما يضع الخبير الاقتصادي وائل النحاس الزيادة الحالية في سياق أوسع من مجرد موسم المدارس، موضحًا أن سوق الدواجن تعرض لخسائر كبيرة لم يتمكن كثير من المنتجين الصغار من تحملها.
وبحسب النحاس، صمد كبار المنتجين بصورة أفضل، بينما خرج عدد من صغار العاملين من السوق، وهو ما قلص قاعدة الإنتاج وترك السوق أكثر حساسية أمام أي زيادة مفاجئة في الطلب.
ومن ثم، فإن ارتفاع الأسعار لم يبدأ عند لحظة شراء الأسرة للكرتونة، بل تراكم عبر شهور من الخسائر وخروج منتجين وتراجع المعروض، من دون معالجة تضمن استمرار الطاقة الإنتاجية وحماية المستهلك معًا.
وفي السياق نفسه، يربط عبد العزيز السيد بين الوفرة السابقة وانخفاض الطلب، مؤكدًا أن السوق شهد كميات إنتاج كبيرة مقابل استهلاك أقل، ما دفع الأسعار إلى مستويات ألحقت خسائر بالمنتجين.
وبالتوازي، ساهم تراجع القوة الشرائية لدى المواطنين في ضعف الطلب خلال الشهور الماضية، بينما ارتبط جزء آخر من الانخفاض بانتشار نظام غذائي استبعد البيض والدجاج وأصنافًا أخرى من الاستهلاك.
ومع انحسار هذا العامل وعودة الدراسة، انقلبت المعادلة بسرعة، لكن السوق لم يعد يملك العدد نفسه من المنتجين، فتحولت زيادة الطلب إلى ارتفاع حاد بدل أن تواجهها قاعدة إنتاج واسعة.
ولهذا يحذر وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، من أن موجة البيض قد لا تكون حدثًا منفردًا، بل بداية زيادات أوسع في منتجات الدواجن والسلع الغذائية المرتبطة بتكاليف الأعلاف والإنتاج.
وفوق ذلك، ارتفعت تكلفة الذرة الصفراء المستخدمة في الأعلاف بمتوسط يتراوح بين 14 و17 في المائة، بينما زادت تكلفة فول الصويا بنحو 14 في المائة، وفق التقديرات الواردة.
وبالتالي تنتقل الضغوط من الأعلاف إلى المزارع ثم إلى حلقات التوزيع والمتاجر، قبل أن تصل في النهاية إلى المستهلك الذي لا يملك قدرة مماثلة على تمرير الزيادة إلى طرف آخر.
غلاء الغذاء يطارد دخل الأسر
وفي خلفية هذه القفزة، سجل التضخم السنوي في أغسطس 14.5 في المائة، مقابل 14.9 في المائة خلال يوليو، وهي أرقام لا تعني تراجع الأسعار بل تباطؤ سرعة ارتفاعها مقارنة بالعام السابق.
وبالتالي لا تشعر الأسرة بانخفاض فعلي عندما يتراجع معدل التضخم قليلًا، لأن أسعار السلع تظل عند مستويات مرتفعة، بينما تأتي زيادة جديدة في منتج أساسي لتلتهم أي مساحة محدودة داخل الدخل.
وفي هذا الإطار، يرى وائل النحاس أن الزيادات المقبلة ستتركز في السلع الأساسية التي يستخدمها المواطن ولا يستطيع الاستغناء عنها، معتبرًا أن ذلك يضع المواطن والحكومة معًا في مأزق متصاعد.
ومع ذلك، تبدو الأسرة الطرف الأضعف في هذه المعادلة، لأنها لا تستطيع تقليص وجبات أطفالها بلا حدود، ولا تملك وسيلة للتفاوض مع السوق عندما ترتفع أسعار البروتينات والخبز والجبن معًا.
ومن جهة أخرى، تعكس حالة شيماء محمود في شبرا الخيمة هذا الضغط بوضوح، فالبيض كان خيارًا شبه يومي لوجبة نجلها المدرسية لأنه الأرخص والأكثر ملاءمة، قبل أن ترتفع تكلفته فجأة.
وبدلاً من أن تبقى الكرتونة وسيلة لتقليل مصروف الطعام، أصبحت القفزة الأخيرة تفرض على الأسر إعادة حساب عدد البيضات داخل الوجبات، أو البحث عن بدائل قد تكون أقل قيمة أو أعلى تكلفة.
وفي المقابل، لا يكفي تعليق الارتفاع على العرض والطلب وحدهما عندما يكون الفارق بين المزرعة والسوق ملحوظًا، وحين سبق أن طُرحت مطالب بتنظيم المنظومة ولم تتحول إلى قواعد تحمي طرفيها.
ولهذا فإن أزمة البيض تتجاوز سلعة واحدة، لأنها تضع إدارة سوق الغذاء أمام سؤال مباشر حول من يتحمل الخسائر ومن يجني هوامش الزيادة، ولماذا يصل التصحيح دائمًا متأخرًا بعد اشتعال الأسعار.
وفي النهاية، تبدو الكرتونة التي قفزت 50 جنيهًا خلال أسابيع نموذجًا مصغرًا لأزمة أوسع، تبدأ من تكلفة الإنتاج وغياب الاستقرار، وتمر بالوسطاء، وتنتهي عند أسرة مطالبة بتمويل الغلاء من دخل ثابت.

