تلتهم الأسعار دخول المصريين وتحوّل الراتب إلى دفعة مؤقتة لتسديد التزامات لا تنتهي، بينما تواصل الحكومة تسويق الحماية الاجتماعية بلغة احتفالية، لا تجد الأسر مقابلها قدرة مضمونة على شراء احتياجاتها الأساسية.
وأصبحت المائة جنيه بلا قيمة مع فاتورة البقالة وسط اتساع المسافة بين الوعود الرسمية وحسابات البيوت، إذ ينشغل الموظف بتدبير الزيت والسكر والمواصلات، فيما تتعامل السلطة مع احتماله المتواصل باعتباره موردًا مفتوحًا للصبر.
الأجور تتبخر والحكومة تسوق الوعود
ففي قلب الأزمة، يقف أصحاب الرواتب الثابتة أمام أسعار تتحرك أسرع من دخولهم، لتفقد الزيادة المعلنة معناها بمجرد توزيعها بين الطعام والإيجار والفواتير، قبل احتساب أي طارئ صحي أو مصروف دراسي.
ومع انكماش القدرة الشرائية، تتبدل وظيفة الراتب من تأمين المعيشة إلى إدارة العجز، فتؤجل الأسرة شراء الملابس، وتقلص تنوع الطعام، وتستدين لتغطية احتياجات كانت جزءًا عاديًا من ميزانيتها الشهرية قبل موجات الغلاء.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في كتاباته عن الأجور، أن علاوة غلاء المعيشة ينبغي أن تعوض التضخم، لأن العامل لا يتحمل مسؤولية السياسات التي تسلب أجره قيمته الحقيقية.
وبذلك، تصبح مقارنة الزيادة السنوية في الأجر بما ارتفع من نفقات المعيشة أكثر دلالة من ضخامة أرقام المخصصات الحكومية؛ فالأسرة لا تنفق النسب المعلنة، وإنما تدفع أثمانًا محددة مقابل احتياجات يومية.
لكن الحكومة تختزل الاستجابة في إعلان الزيادات، بينما يبقى السؤال الجوهري معلقًا: كم يستعيد العامل من قدرته على الشراء، وكم يضيف إلى ديونه عندما تنتهي النقود قبل انقضاء أيام الشهر؟.
وفوق ذلك، لا يعني تباطؤ التضخم عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما تراجع سرعة ارتفاعها؛ ولذلك يظل الاحتفاء بانخفاض المؤشر منفصلًا عن ضيق المعيشة ما دامت الدخول عاجزة عن ملاحقة التكلفة.
ومن ثم، فإن مطالبة الأسر بمزيد من التدبير تتحول إلى تحميل للضحية مسؤولية الأزمة، كأن العجز ناتج عن سوء إدارة المطبخ، وليس عن اختلال مستمر بين الأجر وتكاليف الاحتياجات الضرورية.
وهكذا، يغدو منتصف الشهر موعدًا لاختبار قدرة البيت على الاقتراض والتأجيل، بدلًا من أن يكون محطة عادية في دورة الإنفاق، بينما تحتفظ البيانات الرسمية بنبرتها المطمئنة خارج حدود تلك المعاناة.
الدعم يتراجع أمام سطوة الأسواق
وفي جانب الحماية الاجتماعية، لا تقاس فاعلية الدعم بعدد اللافتات والمنافذ أو كثافة التغطية الإعلامية، بل بقدرته على ضمان وصول الغذاء باستمرار، وبأسعار تستطيع الأسرة تحملها دون استنزاف بقية احتياجاتها.
غير أن توزيع مساعدة مالية محدودة، مع ترك تكاليف المعيشة تتصاعد، يجعل أثرها عرضة للتآكل؛ فلا يمكن لدفعة استثنائية أن تؤسس استقرارًا طويلًا إذا كانت النفقات الأساسية تتجاوز الدخل بصورة متكررة.
وفي هذا الإطار، حمّل جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، السياسات الحكومية مسؤولية تحميل الفقراء أعباء الإصلاح، وحذر في تصريحات سابقة من إخضاع الخبز المدعم لتسعير السوق دون ضبط فعال.
وعلى هذا الأساس، يصبح تقليص دور الدولة في تأمين السلع الأساسية قرارًا يمس توزيع الأعباء، إذ تتحمل الأسر الأضعف مخاطر الأسعار، بينما تحصل الحكومة على مساحة لتخفيف إنفاقها على حساب معيشتها.
وفي المقابل، لا تقدم لجان المتابعة حلًا بمجرد تشكيلها، ولا ترد التقارير جزءًا من ثمن السلعة إلى المشتري؛ فالرقابة التي لا تمنع المخالفات وتواجه الاحتكار تظل إجراءً إداريًا محدود الأثر.
كذلك، لا يجوز اختزال الغلاء في جشع البقال وحده، لأن السعر يتأثر بتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وهو ما يجعل معالجة الأزمة مرتبطة بالسياسات الاقتصادية وبقدرة الدولة على حماية المنافسة والإنتاج.
وبالتوازي، يقع الفلاح بين تكلفة زراعة متزايدة وعائد قد لا يضمن استمراره، فيما يشتري المستهلك الغذاء بأسعار مرتفعة؛ وتحتاج هذه الفجوة إلى معالجة حلقات التوزيع، لا الاكتفاء بمواسم المعارض والوعود.
لذلك، يظل معيار الحماية واضحًا: هل تستطيع الأسرة شراء غذائها دون الاستدانة، وهل يبقى من دخلها ما يكفي العلاج والتعليم؟ وما عدا ذلك لا يعوض غياب الأمان من ميزانية البيت.
الصحة والتعليم يستنزفان ما تبقى
أما في التعليم والعلاج، فتتضاعف قسوة الأزمة لأن تأجيل الإنفاق ليس اختيارًا سهلًا؛ فالدواء يرتبط بصحة المريض، والتعلم بمستقبل الطفل، وتتحول المفاضلة بينهما إلى ضغط يومي على الأسر محدودة الدخل.
وحين تضطر الأسرة إلى شراء خدمات بديلة لتعويض قصور المتاح لها، فإنها تدفع من الراتب نفسه الذي أضعفه الغلاء، فتتسع فاتورة المعيشة دون أن تتسع الموارد القادرة على تحملها فعلًا.
وفي قراءته لموازنة 2024/2025، اعتبر الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار ضعف الإنفاق على الصحة والتعليم تعبيرًا عن اختلال الأولويات، ودعا إلى تطوير المستشفيات العامة وزيادة إمكاناتها، بدلًا من تداول إدارتها بين المستثمرين.
وبناء على ذلك، لا تنفصل حماية الأجور عن جودة الخدمات العامة؛ فمدرسة قادرة على التعليم ورعاية صحية متاحة تخففان عبئًا مباشرًا عن الأسرة، وتحميان دخلها من الاستنزاف خارج فاتورة الطعام.
وبدلًا من اعتبار الإنفاق الاجتماعي عبئًا يجب تقليصه، تفرض معاناة البيوت معاملته بوصفه ضرورة لاستقرار المجتمع، لأن توفير المال في الموازنة قد يقابله تحميل الأسر نفقات أكبر وأشد قسوة عليها.
ثم إن استنفاد المدخرات يترك البيت بلا حماية أمام مرض مفاجئ أو تعطل عن العمل، فتتحول أزمة السيولة الشهرية إلى هشاشة ممتدة، ويصبح الاقتراض وسيلة للبقاء بدلًا من تمويل تحسين المعيشة.
ولهذا، تبدأ الاستجابة الجادة من أجور تواكب المعيشة، وإنتاج يوسع المعروض، ورقابة فعالة، وخدمات عامة تستحق اسمها؛ وهي مسؤوليات لا يعفي الحكومة منها تكرار الدعوة إلى الصبر أو الإشادة بتحمل المصريين.
وعليه، لا تحتاج الأسرة إلى درس جديد في شد الحزام، بل إلى سياسات توقف استنزافها؛ فحكومة تعجز عن حماية قيمة العمل لا تستطيع تحويل نفاد المرتب إلى شهادة نجاح اقتصادي دون مساءلة عن النتائج.

