يغيب قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك للعام الخامس على التوالي، بعدما اعتاد الحضور بنفسه بين 2014 و2019، تاركًا سؤالًا سياسيًا يتجاوز ترتيبات السفر والبروتوكول الدبلوماسي.
ويزداد السؤال إلحاحًا هذا العام مع الحرب على إيران، وتصاعد التوتر في الخليج والبحر الأحمر، واستمرار أزمتي غزة والسودان، بينما تُمثل مصر في نيويورك بوفد يقوده رئيس وزراء الإنقلاب مصطفى مدبولي.
5 أعوام من الغياب المتكرر
فمنذ عام 2022، اختار السيسي عدم حضور الأسبوع الأممي رفيع المستوى، بعدما خاطب اجتماعات 2020 و2021 عن بُعد خلال الجائحة؛ وهو تحول ثابت يستحق تفسيرًا يتجاوز الحديث عن ظرف طارئ.
وفي المقابل، لا يصح تصوير الغياب باعتباره انقطاعًا لمصر عن المنظمة الدولية؛ إذ تستمر المشاركة الرسمية والمباحثات الثنائية عبر مدبولي ووزير الخارجية بدر عبدالعاطي، لكن مستوى التمثيل يظل رسالة سياسية.
ولعل المقارنة الأوضح تأتي من زيارة السيسي إلى نيودلهي للمشاركة في قمة بريكس خلال سبتمبر الجاري؛ فالسفر إلى محفل دولي قبل نيويورك بأيام يضعف تفسير الغياب باعتبارات الحركة أو الجدول وحدهما.
ومع ذلك، لا تقدم القاهرة تفسيرًا تفصيليًا لهذا الاختيار المتكرر، ما يفتح المجال أمام تقديرات متباينة بشأن أولويات السلطة وحساباتها الخارجية، دون أن يحول أي تقدير إلى حقيقة مثبتة.
ومن زاوية سياسية، تمنح الجمعية العامة فرصة للقاءات مباشرة مع قادة ووفود متعددة في وقت قصير؛ وغياب السيسي ينقل إدارة هذه اللقاءات إلى مسؤولين لا يملكون الوزن التفاوضي نفسه.
لكن وجود وفد مصري يمنع اختزال المسألة في فراغ دبلوماسي؛ فالسؤال الحقيقي يتعلق بما تخسره القاهرة حين تترك مستوى القرار الأعلى خارج اللقاءات التي تُرسم خلالها تفاهمات المنطقة.
وفي هذا السياق، يرى السياسي والبرلماني السابق محمد عماد صابر أن الغياب قرار محسوب، مع تفويض مدبولي وعبدالعاطي بتمثيل مصر، وليس دليلًا مثبتًا على أزمة داخلية أو خلاف سري.
وبينما يفسر التكرار وجود نهج مقصود، تبقى دوافعه الدقيقة غير معلنة؛ ومن حق المصريين معرفة لماذا يحضر السيسي قمة بريكس ويغيب عن المنبر الذي تخاطب منه الدول العالم.
ومن جانب آخر، لا يعني حضور مدبولي غياب مصر عن النقاشات، لكن تكرار عدم مشاركة السيسي خمس سنوات يفرض شرح معايير اختياره للمحافل الدولية، خاصة حين تتزاحم الأزمات على جدولها.
بين ضغوط واشنطن وحسابات الإقليم
وتُطرح فرضية تجنب التزامات مباشرة في نيويورك، حيث تتقاطع مطالب واشنطن وحلفائها بشأن إيران وغزة وأمن الملاحة، مع خشية القاهرة من دفع أثمان عسكرية أو سياسية تتجاوز قدرتها.
وفي الوقت نفسه، تحتاج السلطة إلى إبقاء قنواتها مفتوحة مع الولايات المتحدة ودول الخليج، من دون الظهور طرفًا مقاتلًا في مواجهة إيران أو الانجرار إلى مواجهة مفتوحة في اليمن.
وعلى هذه الخلفية، يصبح البقاء في القاهرة مع إرسال وفد إلى الأمم المتحدة وسيلة محتملة للمشاركة الدبلوماسية وخفض احتمالات المواجهة الشخصية في اجتماعات شديدة الحساسية، لكنه تفسير لا تؤكده وثيقة رسمية.
كذلك يطرح ملف غزة سؤالًا عن طبيعة التفاهمات المطلوبة من مصر، سواء بشأن المعابر أو ترتيبات ما بعد الحرب؛ فالمشاركة في نقاش عام تختلف عن قبول التزامات مباشرة خلال اجتماع مغلق.
أما التوتر في البحر الأحمر فيمس قناة السويس ومصادر النقد الأجنبي؛ ولذلك تبدو حسابات الملاحة والأمن جزءًا من أي قرار يتصل بحضور المباحثات التي تناقشها عواصم المنطقة.
وفي تقدير عماد صابر، تسمح انتقائية الحضور بمساحة حركة بين واشنطن والخليج وإيران وتركيا وروسيا والصين؛ وهي قراءة سياسية، لا دليل على أنها الصيغة التي اعتمدتها القاهرة فعليًا.
غير أن هذا التفسير لا يعفي السلطة من المساءلة؛ فإذا كان الغياب يهدف إلى تجنب ضغوط الخارج، فما البديل المعلن لحماية المصالح المصرية في الترتيبات التي تُناقش من دون حضور السيسي؟
وبالمثل، لا تكفي الإشارة إلى اللقاءات الأمنية مع مسؤولين أمريكيين لإثبات وجود أزمة أو توافق كامل؛ فاللقاءات تؤكد استمرار الاتصال، لكنها لا تفسر وحدها قرار الغياب عن نيويورك.
الكلفة السياسية لترك المقعد الأعلى
وينتقد معارضون الغياب لأنه يحرم مصر من حضور مباشر في نقاشات تتصل بغزة والسودان وأمن البحر الأحمر ومياه النيل، وهي ملفات تنعكس نتائجها على أمن البلاد واقتصادها.
وفي ملف السودان، تتزايد الحاجة إلى اتصالات سياسية مباشرة بشأن الحرب والحدود واللاجئين، بينما تبقى الوساطة المصرية عرضة للاختبار كلما تبدلت موازين القوى والتحالفات الإقليمية.
ومن الناحية العملية، يستطيع الوفد المصري عرض مواقف القاهرة والتفاوض عليها، لكن لقاء السيسي بقادة الدول كان سيتيح تدخلًا مباشرًا في لحظة تتسارع فيها المساومات والقرارات.
وفوق ذلك، تتضخم كلفة الغياب سياسيًا حين لا تصحبه مصارحة للرأي العام؛ فالصمت الرسمي يترك الساحة للشائعات، ويحول قرارًا يفترض أنه مدروس إلى مادة لتأويلات متضاربة.
وفي المقابل، لا توجد قرائن كافية لربط الغياب بخوف من احتجاجات أو اضطرابات داخل مصر، مثلما لا توجد أدلة قاطعة على أن واشنطن طلبت التزامات محددة وفر السيسي منها.
لذلك يبقى التفسير الأقرب، في ضوء التكرار والظرف الراهن، أنه اختيار لخفض الانخراط الشخصي في مساومات إقليمية مع استمرار تمثيل مصر رسميًا، مع بقاء دوافعه النهائية في دائرة الاحتمال.
لكن السؤال الذي لا تجيب عنه حسابات الحذر وحدها هو ما إذا كان ترك مقعد التفاوض الأعلى شاغرًا يحمي حرية القرار المصري، أم يقلص قدرة القاهرة على التأثير المباشر.
وإذا كانت السلطة ترى أن الاتصالات من القاهرة أجدى، فعليها توضيح نتائجها وحدودها، بدل مطالبة الجمهور بالثقة في حسابات لا تُعرض عليه ولا تخضع لمناقشة علنية.
وفي النهاية، يستحق المصريون تفسيرًا واضحًا لهذا الغياب المتكرر، وخطة معلنة للدفاع عن مصالحهم في غزة والسودان والبحر الأحمر؛ فالتمثيل الدبلوماسي ضروري، لكن الغموض لا يصلح سياسة خارجية.

