بدأت قصة المهندس حسام منوفي محمود سلام في يناير 2022 برحلة جوية من الخرطوم إلى إسطنبول، لكنها لم تصل إلى وجهتها. فبعد هبوط اضطراري وغير مجدول في مطار الأقصر، نزل الركاب من الطائرة، قبل أن تستدعي السلطات المصرية ثلاثة مصريين لفحص أوراقهم، ليعود اثنان إلى الطائرة بينما لم يعد حسام إليها، وفقًا لرواية أسرته.
ومنذ ذلك الوقت، ظل منوفي رهن الاحتجاز في مصر، وسط تساؤلات من أسرته ومنظمات حقوقية حول ظروف توقيفه، والملابسات التي أحاطت ببقائه داخل البلاد، والأساس القانوني لاستمرار احتجازه لسنوات.
وتقول الأسرة إن حسام لم يكن يخطط لدخول مصر، وإن وجهته كانت إسطنبول، كما تشير إلى أنه كان قد تعرض للتوقيف والاستجواب في مطار الخرطوم قبل السماح له بمغادرة السودان. وتضيف أنه بعد وصوله إلى الأقصر طُلب منه، تحت ظروف تصفها بالإكراه، توقيع إقرار يفيد بأنه دخل الأراضي المصرية بإرادته.
هبوط اضطراري غيّر مسار الرحلة
في 12 يناير 2022، كان حسام منوفي على متن رحلة تابعة لشركة «بدر للطيران» متجهة من الخرطوم إلى إسطنبول، عندما أُبلغ عن إنذار صادر من نظام الكشف عن الدخان في كابينة البضائع، بحسب الرواية المتداولة بشأن الواقعة.
وعلى إثر الإنذار، هبطت الطائرة بصورة غير مجدولة في مطار الأقصر، لتتخذ الرحلة مسارًا مختلفًا عن وجهتها الأصلية.
وبعد هبوط الطائرة، نزل الركاب منها، قبل أن يخضع عدد من المسافرين لإجراءات فحص من جانب السلطات. ووفقًا لرواية أسرة منوفي، جرى استدعاء ثلاثة مصريين لفحص أوراقهم، ثم عاد اثنان منهم إلى الطائرة واستكملا الرحلة، بينما بقي حسام خارجها.
وبقاء أحد الركاب دون العودة إلى الطائرة، رغم استمرار الرحلة، كان بداية فصل جديد في حياة المهندس المصري، إذ تحولت الرحلة التي كان يفترض أن تنتهي في إسطنبول إلى احتجاز طويل داخل مصر.
وتطرح هذه الملابسات سؤالًا رئيسيًا حول طبيعة الإجراءات التي اتُخذت بحق منوفي منذ لحظة نزوله من الطائرة، وما إذا كان توقيفه قد تم وفق إجراءات قانونية واضحة، خصوصًا أن وجهته الأصلية لم تكن مصر، بحسب أسرته.
الأسرة تتحدث عن توقيف سابق
لا تقتصر رواية أسرة حسام على ما حدث داخل مطار الأقصر، إذ تقول إن الرجل كان قد تعرض للتوقيف والاستجواب قبل مغادرته الخرطوم.
وبحسب الأسرة، أوقف حسام في مطار الخرطوم وخضع للاستجواب، قبل أن يُسمح له في النهاية بالسفر على متن الرحلة المتجهة إلى إسطنبول.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية في سياق القضية، لأنها تسبق مباشرة الهبوط غير المجدول في الأقصر، وتثير تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات في مصر قد اتخذت إجراءات بحق منوفي بناءً على معلومات أو طلبات سابقة، أم أن الأمر بدأ فقط بعد هبوط الطائرة.
ولا تقدم رواية الأسرة، في حد ذاتها، إجابة حاسمة عن هذه التساؤلات، لكنها تمثل أحد المحاور الرئيسية التي تطالب المنظمات الحقوقية بالكشف عن تفاصيلها، خاصة ما يتعلق بسبب استدعائه تحديدًا بعد هبوط الطائرة.
إقرار بدخول مصر يثير التساؤلات
تقول أسرة حسام منوفي إنه أُجبر بعد وصوله إلى الأقصر على توقيع إقرار يفيد بأنه دخل الأراضي المصرية بإرادته.
وتعتبر الأسرة أن هذه الجزئية تمثل جانبًا أساسيًا من القضية، لأنها تتعلق مباشرة بظروف وجوده داخل مصر، في الوقت الذي كان فيه مسافرًا إلى دولة أخرى.
سنوات خلف القضبان بعيدًا عن أسرته
على مدار السنوات التالية، تحول احتجاز حسام منوفي إلى أزمة إنسانية بالنسبة إلى أسرته، التي تقول إنه حُرم من حياته الطبيعية ومن الوجود إلى جانب زوجته وطفليه.
فالرحلة التي بدأت في السودان بهدف الوصول إلى إسطنبول انتهت إلى احتجاز طويل داخل مصر، لتجد الأسرة نفسها أمام سنوات من الانتظار ومحاولات معرفة مصير أحد أفرادها.
وتشير الأسرة إلى أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالمدة التي قضاها منوفي محتجزًا، وإنما أيضًا بالظروف التي بدأت بها القضية، والاتهامات التي أُدرج فيها لاحقًا، ومدى صلته بتلك القضايا.
كما أن استمرار الاحتجاز لفترة طويلة يطرح، وفق المنظمات الحقوقية، أسئلة تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع ومراجعة الأساس القانوني للاحتجاز.
منظمات حقوقية تطالب بكشف الملابسات
أبدت منظمات حقوقية اعتراضها على استمرار احتجاز حسام منوفي، مطالبة بالكشف عن ملابسات توقيفه منذ لحظة هبوط الطائرة في الأقصر.
وتتركز المطالب الحقوقية على عدة نقاط، أبرزها توضيح أسباب احتجازه، والكشف عن الإجراءات التي اتُخذت بحقه، وتحديد الأساس القانوني لاستمرار احتجازه، فضلًا عن التحقيق في رواية الأسرة المتعلقة بإجباره على توقيع إقرار بشأن دخوله مصر.
كما تطالب هذه الجهات بضمان حصول منوفي على جميع حقوقه القانونية والإنسانية، بما في ذلك حقه في الدفاع ومعرفة الاتهامات الموجهة إليه، ومراجعة وضعه القانوني أمام جهة قضائية مستقلة وفقًا للضمانات القانونية المعمول بها.
وتدعو المنظمات كذلك إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف في الادعاءات المتعلقة بظروف توقيفه ونقله إلى مصر، وعدم الاكتفاء بالروايات المتداولة من أي طرف دون فحص الأدلة والوثائق ذات الصلة.
أسئلة معلقة منذ يناير 2022
بعد أكثر من أربع سنوات على الواقعة، لا تزال قضية حسام منوفي محاطة بعدد من الأسئلة التي تتمسك أسرته والمنظمات الحقوقية بالحصول على إجابات واضحة عنها.
ومن أبرز هذه الأسئلة: لماذا بقي منوفي في مطار الأقصر بينما عاد باقي الركاب إلى الطائرة؟ وما طبيعة الإجراءات التي اتُخذت بحقه في تلك اللحظة؟ وهل كان هناك طلب سابق لتوقيفه؟ وما الظروف التي أحاطت بالإقرار الذي قيل إنه وقّعه بشأن دخوله مصر؟
كما يظل السؤال الأهم متعلقًا بالمسار القانوني الذي اتخذته القضية بعد إعلان وزارة الداخلية احتجازه في 15 يناير 2022، والقضايا التي أُدرج عليها لاحقًا، ومدى وجود أدلة تثبت صلته بها.
وبينما تقول أسرته إن حسام أُدخل في قضايا لا علاقة له بها، تظل الإجابة الرسمية الموثقة بشأن هذه الاتهامات عنصرًا أساسيًا لفهم القضية وتقييم وضعه القانوني.
وفي ظل استمرار احتجازه، تطالب المنظمات الحقوقية بالكشف عن كامل تفاصيل ملفه، ومراجعة مشروعية استمرار حبسه، وضمان حقوقه أمام القضاء، إلى جانب التحقيق في جميع الادعاءات المرتبطة بظروف توقيفه منذ لحظة هبوط الطائرة في الأقصر.
وهكذا، تبقى رحلة حسام منوفي من الخرطوم إلى إسطنبول واحدة من القضايا التي بدأت بحادث طيران غير متوقع، لكنها تحولت إلى احتجاز امتد لسنوات، بينما تنتظر أسرته إجابات بشأن ما حدث في الساعات الأولى داخل مطار الأقصر، وما جرى بعد ذلك وصولًا إلى القضايا التي أُدرج عليها ومصيره القانوني حتى الآن.

