يكشف صعود الدولار إلى 52.22 جنيه للبيع في عدد من البنوك استمرار الضغوط على الجنيه، رغم الاحتفاء الرسمي بقفزات الاحتياطي وتحويلات العاملين بالخارج، لتعود الأسر إلى مواجهة الغلاء والقلق من موجة أسعار جديدة.
وتظهر حركة السوق أن خروج 513 مليون دولار من أدوات الدين الحكومية خلال أسبوع واحد كان كافيًا لهز سعر الصرف، بما يفضح اعتمادًا خطيرًا على أموال سريعة الهروب بدل بناء اقتصاد منتج يحمي العملة.
وفيما سجلت بنوك كبرى 52.12 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع، بلغ السعر الرسمي لدى البنك المركزي 52.08 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع، وهي مستويات تعكس اتساع التوتر داخل سوق النقد.
كما لا يغير اختلاف الأسعار بين البنوك من الحقيقة الأساسية، وهي أن كل ارتفاع للدولار ينتقل سريعًا إلى فاتورة الاستيراد والدواء والغذاء والمواد الخام، ثم يستقر في جيب المواطن كعبء جديد.
أموال ساخنة تبتز الجنيه
فبدل أن يمثل الاستثمار الأجنبي دعمًا مستدامًا للإنتاج وفرص العمل، تحولت أدوات الدين إلى باب واسع لتدفقات تبحث عن عائد مرتفع ثم تغادر فور ظهور اضطراب عالمي أو فرصة أكثر ربحًا.
ويصف ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي والمنتقد لسياسات الاقتراض الحكومية، هذا النموذج بأنه اقتصاد هش، لأن الدولة تربط استقرار العملة بمضاربين لا يلتزمون ببناء مصنع أو تشغيل عامل أو نقل معرفة حقيقية.
ومن ثم، يصبح خروج الأموال الساخنة حدثًا قادرًا على رفع الطلب على الدولار خلال ساعات، بينما تظل الدولة مكشوفة أمام المستثمر القصير الأجل الذي يدخل بشروطه ويخرج حين تتغير حساباته.
وبحسب الأرقام المعلنة، سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع بقيمة 513 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، بعد تقلبات حادة بين البيع والشراء في أيام متتالية.
كما أن صافي بيع 267.5 مليون دولار في جلسة واحدة، بعد تخارجات سابقة، يثبت أن الحديث عن استقرار راسخ يصبح مضللًا حين تعتمد السيولة الأجنبية على عوائد الدين لا على صادرات قوية.
لكن الحكومة تواصل تقديم ارتفاع الاحتياطي باعتباره شهادة نجاح كاملة، متجاهلة أن جزءًا من قوة الأرقام يظل عرضة لتغيرات الأسواق العالمية، ولأي موجة خروج مفاجئة تضغط على الجنيه.
وفي المقابل، لا يملك المواطن رفاهية انتظار تحسن المزاج الاستثماري، لأنه يدفع فورًا ثمن تقلب الدولار في أسعار السلع، بينما تتأخر الأجور وتظل القدرة الشرائية تتراجع كل يوم.
لذلك، فإن معالجة الأزمة لا تبدأ برفع الفائدة لاسترضاء المستثمر العابر فقط، بل بإعادة توجيه الموارد إلى الإنتاج الصناعي والزراعي وتقليل فاتورة الواردات التي تستنزف الدولار باستمرار.
احتياطي مرتفع بلا أمان
ورغم وصول صافي الاحتياطيات الأجنبية إلى نحو 57.22 مليار دولار في أغسطس، فإن الرقم وحده لا يكفي لإعلان الأمان، ما دام الدولار يرتفع عند أول موجة خروج من أدوات الدين.
ويؤكد الدكتور عبد الخالق فاروق، الباحث الاقتصادي والمعارض لسياسات الاعتماد على الاقتراض، أن تقييم الاحتياطي يجب أن يرتبط بمكوناته والتزامات الدولة وقدرته الفعلية على حماية الاقتصاد من الصدمات.
كما يلفت فاروق إلى أن الاحتياطي الذي يرتفع مع استمرار الضغوط على الجنيه لا ينبغي تقديمه كإنجاز منفصل، لأن الناس تقيس الاقتصاد بسعر الغذاء والدواء والسكن لا بالبيانات المجردة.
وبينما سجلت حيازة الذهب ارتفاعًا ملحوظًا ضمن الاحتياطي، تراجعت حيازات العملات الأجنبية خلال أغسطس، وهو تفصيل كاشف يضعف الخطاب الاحتفالي ويكشف ضرورة فحص جودة الموارد لا حجمها وحده.
ثم إن التوسع في عرض أرقام الاحتياطي دون شرح كافٍ لالتزامات الدين وخدمة القروض يترك الرأي العام أمام صورة منقوصة، ويحول المؤشرات الاقتصادية إلى أداة دعاية بدل أن تكون حقًا للمجتمع.
وعلاوة على ذلك، لا يمكن تجاهل أن الدولار يظل مطلوبًا لسداد التزامات الاستيراد والديون وتمويل احتياجات السوق، وهي ضغوط لا تختفي لمجرد تسجيل مستوى قياسي في الاحتياطي.
لكن أخطر ما في المشهد هو التناقض بين الاحتياطي المرتفع والقلق المتصاعد في سوق الصرف، إذ يكشف ذلك أن الاقتصاد لم يتحرر بعد من هشاشة التمويل الخارجي وتقلبات رأس المال.
ومن هنا، يصبح واجبًا نشر تفاصيل أكثر وضوحًا عن مصادر الاحتياطي واستخداماته، لأن الشفافية الاقتصادية ليست ترفًا، بل حماية ضرورية للأسر التي تتحمل نتائج أي قرار نقدي خاطئ.
التحويلات لا تنقذ المعيشة
وفي الوقت الذي ارتفعت فيه تحويلات العاملين بالخارج إلى 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، تظل المفارقة قاسية لأن هذا التدفق الكبير لم يمنع استمرار الضغط على الجنيه.
ويرى إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي والناقد لسياسات الحكومة، أن التحويلات مورد مهم لكنه لا يعفي السلطة من بناء قاعدة إنتاجية، لأن أموال المغتربين لا يمكن أن تبقى بديلًا دائمًا للتنمية.
كما أن نمو التحويلات يكشف تضحيات ملايين المصريين الذين غادروا بحثًا عن دخل كريم، بينما تُستخدم أموالهم في سد فجوات اقتصادية متراكمة بدل خلق ظروف تقلل الحاجة إلى الهجرة أصلًا.
وبالتالي، لا يصح تصوير زيادة التحويلات باعتبارها نجاحًا إداريًا خالصًا، لأنها في جانب كبير منها ثمرة جهد المغتربين وتعبهم وقلقهم على أسر تعاني ارتفاع الأسعار داخل البلاد.
وفي السياق نفسه، ينعكس ارتفاع الدولار مباشرة على تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، فيحصل التاجر على مبرر جديد لرفع الأسعار حتى لو كانت بعض السلع قد دخلت السوق قبل أيام.
كما يتضرر أصحاب الدخول المحدودة مرتين، الأولى عند شراء احتياجاتهم بسعر أعلى، والثانية عندما تتآكل مدخراتهم بالجنيه دون أي زيادة عادلة تحميهم من آثار التقلبات المتواصلة.
ثم إن الحديث عن مرونة سعر الصرف لا يمكن أن يصبح ستارًا لإلقاء الخسائر على الناس، لأن المرونة الحقيقية تحتاج سوقًا منتجًا ورقابة تمنع الاحتكار وسياسات تحمي الفئات الأضعف.
وفي النهاية، يضع بلوغ الدولار 52.22 جنيه وخروج 513 مليون دولار من الدين الحكومي السلطة أمام اختبار واضح، إما تغيير نموذج الاقتصاد الهش أو ترك الجنيه والأسر رهائن للمضاربين.

