تضاعف الحكومة المصرية مستهدفها من التخارج في أصول وشركات مملوكة للدولة إلى نحو 12 مليار دولار حتى 2030، في توسع أعاد انتقادات اقتصاديين يعتبرون تحويل الممتلكات العامة إلى سيولة حلًا قصير الأجل لأزمة ممتدة.
يأتي التوسع بعد حصيلة تقارب 6 مليارات دولار من صفقات التخارج حتى نهاية 2025، بينما تراهن الحكومة على خطة جديدة تضم تسعة محاور و31 برنامجًا ونحو 100 إجراء لتسريع البيع وإعادة الهيكلة.
بيع الأصول تحت ضغط الدين
يرتبط برنامج التخارج مباشرة بإدارة أزمة الدين والاحتياجات التمويلية، إذ تؤكد وثائق برنامج مصر مع صندوق النقد أن حصيلة بيع الأصول تدخل ضمن موارد التمويل وخفض الدين وتقليص الاحتياجات التمويلية الحكومية.
ويرى منتقدو البرنامج أن هذا الارتباط يجعل توقيت البيع قضية جوهرية، لأن الدولة حين تدخل السوق وهي محتاجة بشدة للنقد الأجنبي تصبح قدرتها التفاوضية أضعف، وقد تقبل تقييمات أقل من القيمة الاستراتيجية طويلة الأجل.
سبق أن حذر الباحث في الاقتصاد السياسي وائل جمال من أن بيع الأصول خلال أزمة عملة وديون يجعل الهدف العملي توفير الدولار لسداد الالتزامات، لا تطوير الشركات أو تحسين قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل.
وأشار جمال في انتقادات سابقة للبرنامج إلى أن عدم استقرار سعر الصرف وضغط الاحتياجات الدولارية يضعفان موقف البائع، بما يفتح الباب أمام خلافات حول التسعير ويثير مخاوف من التخارج في توقيت غير مناسب.
ويعتبر منتقدو السياسة أن الأصول العامة ليست مجرد بنود في ميزانية يمكن تحويلها إلى سيولة، بل شركات وأراض ومرافق تولد دخلًا أو تمنح الدولة قدرة على التأثير داخل قطاعات استراتيجية.
وتقول الحكومة إن التخارج لا يعني بالضرورة البيع الكامل، وإن بعض العمليات قد تكون طرح حصص أو شراكات أو عقود إدارة، لكن المنتقدين يركزون على انتقال جزء من العائد أو السيطرة للمستثمر.
والمشكلة التي يطرحها هؤلاء أن حصيلة الأصل تتحقق مرة واحدة، بينما خدمة الدين والاحتياجات الدولارية تتكرر سنويًا، ولذلك فإن استخدام البيع لسد فجوة مزمنة قد يؤجل الأزمة دون إزالة أسبابها الأساسية.
وتظهر مراجعات حديثة أن صندوق النقد ظل يطالب بتسريع التخارج وتقليص بصمة الدولة، كما ربط تقدم البرنامج بإجراءات ملموسة في سياسة الملكية، وهو ما يضع ملف الأصول داخل سياق تمويلي واضح.
وأشار الصندوق خلال مراجعات 2026 إلى أن تقدم التخارج كان أبطأ من المستهدف سابقًا، ثم دعا إلى تسريعه، بما يؤكد أن الملف أصبح جزءًا ثابتًا من الإصلاحات المرتبطة ببرنامج التمويل الخارجي.
القطاع الخاص بلا تمويل كاف
تقدم الحكومة التخارج باعتباره طريقًا لتوسيع دور القطاع الخاص، لكن البيانات المتداولة عن الوثيقة تظهر مفارقة بين وزن هذا القطاع في التشغيل وبين قدرته على الحصول على الاستثمار والائتمان اللازمين للتوسع.
فبينما تصل نسبة العاملين في القطاع الخاص إلى 82.8% من إجمالي العمالة، تراجعت حصته من الاستثمارات إلى 53.9%، وانخفض نصيبه من الائتمان المصرفي إلى نحو 19.7% فقط.
ويرى منتقدون أن نقل أصول جاهزة إلى مستثمرين لا يحل وحده مشكلات القطاع الخاص، لأن ضعف التمويل وتكلفة الاقتراض والمنافسة غير المتكافئة والبيروقراطية تظل عوامل تحد من إنشاء استثمارات إنتاجية جديدة.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق، أن الاعتماد المتزايد على بيع الأصول والرسوم يعكس نقص أدوات معالجة الاختلالات المالية، بدل بناء موارد إنتاجية مستدامة.
وفي تحليلاته خلال 2026، انتقد عبد المطلب موازنة تعتمد على الضرائب وبيع الأصول بينما تتضخم فوائد الدين، معتبرًا أن المشكلة ليست نقص الممتلكات القابلة للبيع بل غياب أدوات إصلاح قادرة على توليد دخل مستمر.
ويطرح منتقدو التخارج فارقًا مهمًا بين استثمار يضيف مصنعًا أو طاقة إنتاجية أو صادرات جديدة، وبين شراء حصة قائمة في شركة تعمل بالفعل، فالأول يوسع الاقتصاد بينما الثاني يغير هيكل الملكية أساسًا.
ولا يعني ذلك أن كل تخارج ضار أو أن الملكية العامة يجب أن تبقى بلا مراجعة، لكن تقييم البيع اقتصاديًا يتطلب إعلان القيمة العادلة واستخدام الحصيلة وضمان المنافسة ومنع الاحتكار وحماية العمال.
كما يتطلب الحكم على نجاح السياسة قياس ما إذا كانت الصفقات أنتجت استثمارات جديدة وفرص عمل وصادرات، لا الاكتفاء بإعلان قيمة دولارية دخلت الخزانة أو ساعدت مؤقتًا في سداد التزامات.
ومن دون هذه المؤشرات، يعتبر منتقدو السياسة مضاعفة المستهدف إلى 12 مليار دولار هدفًا ماليًا أكثر منه هدفًا تنمويًا، لأن الرقم يقيس قيمة التخارج ولا يقيس بالضرورة ما سيضيفه الاقتصاد.
الحصيلة تنفد والأصول لا تعود
تبلغ الحصيلة التراكمية المعلنة للتخارجات حتى نهاية 2025 نحو 5.986 مليار دولار، وهو رقم كبير نقديًا، لكنه يظل محدودًا بالمقارنة مع احتياجات تمويلية ومدفوعات دين تتكرر عامًا بعد آخر.
الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، يعارض هذا المسار بوضوح، ويرى أن بيع الأصول لتغطية أعباء الدين يستهلك ممتلكات عامة من دون خلق مورد بديل مستدام.
وحذر الميرغني في كتابات وتصريحات متكررة من أن الاستمرار في الاقتراض ثم بيع أصول لسداد الأقساط والفوائد ينقل التكلفة إلى المستقبل، لأن الأصول تنفد بينما تبقى دورة الاستدانة قائمة.
ويقول منتقدون إن الخطر يزداد عندما تكون الأصول المعروضة مربحة أو ذات مواقع وقيم استراتيجية، لأن التخارج منها لا يفقد الدولة الملكية فقط بل قد يحرمها أيضًا من تدفقات أرباح مستقبلية.
وفي المقابل تقول الحكومة إن الخطة الجديدة ترفع معايير الحوكمة والشفافية وتضع الشركات تحت تقييم أكثر انتظامًا، مع إنشاء وحدة متخصصة لتصنيف الشركات وتحديد ما يبقى وما يعاد هيكلته وما يطرح.
لكن منتقدي المسار يقولون إن وجود وحدة و100 إجراء لا يجيب وحده عن سؤال السعر والتوقيت والمشتري واستخدام الحصيلة، وهي الأسئلة التي تحدد ما إذا كان التخارج يعظم قيمة الأصل.
وتزداد أهمية الشفافية لأن تقييم الشركات العامة لا يقتصر على أرباح سنة واحدة، بل يشمل الأراضي والعلامات التجارية والحصص السوقية والتراخيص وموقعها داخل سلاسل إنتاج وقطاعات شديدة الحساسية.
كذلك لا يكفي إعلان إجمالي الحصيلة، بل يحتاج الرأي العام إلى معرفة القيمة الدفترية والسوقية للأصل قبل البيع، ونسبة الحصة المطروحة، وشروط الصفقة، وما إذا كانت المنافسة حقيقية ومفتوحة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تستخدم الحصيلة أساسًا لخفض الدين، لأن الأصل المنتج كان قادرًا على توليد دخل سنوي، بينما سداد جزء من الدين يوفر فائدة مالية تحتاج إلى مقارنة دقيقة.
لذلك يقترح اقتصاديون قياس نجاح سياسة التخارج بصافي الأثر بعد حساب الإيرادات المفقودة وتكلفة الدين المخفضة والاستثمارات الجديدة والتشغيل والمنافسة، بدل الاكتفاء بعدد الصفقات أو مليارات الدولارات المحصلة.
ومع رفع المستهدف إلى 12 مليار دولار حتى 2030، يصبح التحدي أمام الحكومة أكبر، لأن زيادة سرعة التخارج قد تزيد الموارد سريعًا لكنها ترفع أيضًا مخاطر البيع تحت ضغط الاحتياجات التمويلية.
وتكشف التجربة منذ 2022 أن بيع الأصول استطاع توفير مليارات الدولارات، لكنه لم ينه أزمة التمويل أو الدين، وهو ما يدفع خبراء منتقدين للمطالبة بربط أي تخارج بإصلاح أوسع للإنتاج والصادرات والاستدانة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الخبراء والمتابعين ليس هل تستطيع الحكومة الوصول إلى 12 مليار دولار، بل ماذا سيتبقى من الأصول العامة بعدها، وهل ستتراجع الديون فعلًا أم تبدأ جولة جديدة من البيع والاقتراض.

