يرى ديفيد أوديل، أخصائي علم النفس الإكلينيكي والرياضي، أن مشاركة المشكلات مع زملاء الفريق والمدربين وغيرهم يمكن أن تخفف العبء النفسي المرتبط بها، وتفتح المجال أمام التعامل معها بصورة أكثر فاعلية. ويوضح أوديل أن الاعتراف بالمشكلة بدلًا من إنكارها أو محاولة محوها من الذاكرة يساعد على تقبلها، بينما تتيح المرونة النفسية إجراء التعديلات اللازمة والاستمرار في الأداء رغم الصعوبات.


ويشرح مقال أوديل المنشور في موقع «سايكولوجي توداي»، أن مشاركة المشكلة لا تعني مجرد البحث عن المواساة، وإنما يمكن أن تكون خطوة عملية نحو تحمل المسؤولية عنها والتعامل معها. ويستند الكاتب في تحليله إلى مبادئ «العلاج بالقبول والالتزام» (ACT)، وهو نهج شائع في علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس الرياضي، يركز على تقبل الأفكار والمشاعر الصعبة بدلًا من محاولة التخلص منها.

 


مشاركة المشكلة تخفف العبء النفسي وتفتح باب التعامل معها


«المشكلة التي نتشاركها تصبح نصف مشكلة».. هكذا يقول مثل شائع ظهر في عدد نوفمبر 1931 من صحيفة «موركامب جارديان» البريطانية. ويرجع أصل المثل إلى عبارة «المتاعب التي نتشاركها تصبح نصف متاعب»، وهي مقولة وردت على لسان الشخصية الخيالية اللورد بيتر ويمزي في رواية «Five Red Herrings» الصادرة عام 1931 للكاتبة دوروثي إل. سايرز.


ويرى الكاتب أن الالتزام بهذا المبدأ يمكن أن يساعد في تحسين الأداء الرياضي وتعزيز جودة التجارب الحياتية عمومًا.


وتخفف مشاركة المشكلة من العبء النفسي لأنها تمثل خطوة باتجاه تقبلها بدلًا من إنكارها أو محاولة محوها من الذاكرة. أما محاولة تجاهل المشكلة فلا تؤدي إلا إلى تفاقمها، لأنها تدفع العقل إلى الاستغراق في التفكير فيها بدلًا من التعامل معها بفاعلية. وكما يوضح أوديل، لا يوجد زر «حذف» مثبت داخل الرأس يمكن الضغط عليه لمحو المشكلات.


ووفق مبادئ «العلاج بالقبول والالتزام»، فإن القبول يعني الاعتراف بالمشكلة وما يصاحبها من أفكار ومشاعر، إلى جانب الاستعداد لخوض هذه التجربة الداخلية بدلًا من محاولة التخلص منها.


وعندما يشارك الشخص الظروف التي تزعجه، والأفكار والمشاعر غير المرغوبة المصاحبة لها، فإنه يمنحها مساحة للاعتراف بها وتقبلها، وهو ما يتيح له الاستجابة بصورة أكثر فاعلية من خلال ما يسميه هذا النهج «الأفعال الملتزمة». ويساعد ذلك، بحسب الكاتب، على تحقيق الازدهار بدلًا من المعاناة.


وقد تفرض المشاركة في الرياضة، شأنها شأن الحياة اليومية، ظروفًا مزعجة ومواقف يمكن أن تبدو كأنها «لكمة في الوجه». لكن الفارق، وفق أوديل، يكمن في كيفية استجابة الشخص لهذه المواقف، بما قد يقوده إلى نتيجة جيدة أو سيئة. ويفتح القبول، بمساعدة المشاركة، الباب أمام تحديد الاستجابات الفعالة للتجارب الصعبة واختيارها.


ولا تقتصر فائدة الكشف عن المشكلة على تخفيف العبء النفسي، وإنما تساعد أيضًا على تحمل مسؤولية المشكلة. ولا تعني المسؤولية هنا إلقاء اللوم على الذات عن كل ما يحدث، وإنما تعني إدراك أن التعامل الفعال مع المشكلة يقع ضمن مسؤولية الشخص نفسه.


ويتطلب تحمل هذه المسؤولية قدرًا من الوعي، وهو أحد الركائز الأساسية في «العلاج بالقبول والالتزام». ويعني الوعي الحضور الكامل في اللحظة الراهنة ومراقبة السياق المحيط بوضوح، بما يشمله من ظروف وأفكار ومشاعر وأحاسيس جسدية، بما يسمح باتخاذ قرارات سلوكية أكثر فاعلية وتحديد أفضل طريقة للتعامل مع الموقف.

 


تحمل المسؤولية يساعد على التعلم وتجاوز أخطاء الأداء


يقول أوديل إن المشكلات في الرياضة، سواء كانت أخطاء أثناء اللعب أو صعوبات في العلاقات مع الآخرين، تمثل جانبًا طبيعيًا لا يمكن تجنبه من التجربة الرياضية.


وقد يكون ارتكاب خطأ أثناء الأداء مؤلمًا، إذ يميل كثير من الرياضيين إلى التنصل من مسؤولية أخطائهم وإلقاء اللوم على زميل في الفريق أو حكم المباراة، وهو ما قد يمنحهم راحة مؤقتة من الإحراج أو الإحباط وغيرهما من المشاعر السلبية. لكنه قد يؤدي أيضًا إلى إبعاد اللاعب عن فريقه، ويحول دون تحمله مسؤولية الخطأ والتعلم منه.


ويرى الكاتب أن الاعتراف بخطأ الأداء ومشاركته مع المدرب أو المسؤول عن التدريب يحول دون تحوله إلى مصدر دائم للتشتيت النفسي والانفعالي. كما يتيح للرياضي التعلم من الخطأ وتقليل احتمالات تكراره.


وينطبق الأمر نفسه على المواقف التي يتسبب فيها لاعب في إيذاء زميله نفسيًا، مثل توبيخه أو إذلاله أمام الآخرين بسبب خطأ ارتكبه. ويساعد الوعي بالألم والتشتت اللذين ألحقهما الشخص بزميله، إلى جانب الشعور بالذنب الناتج عن السلوك غير المحترم، على مشاركة هذا الشعور بالذنب والاعتذار للشخص الذي تعرض للأذى.


ولا يقتصر تحمل المسؤولية في هذه الحالة على تخفيف عبء الذنب، وإنما يساعد أيضًا على الاعتراف بالخطأ وفتح الباب أمام إظهار المسؤولية وإجراء تعديلات سلوكية تحول دون تكرار نوبات الغضب أو التصرفات غير المحترمة مستقبلًا.


وقد تظل خسارة مباراة مهمة بسبب خطأ ارتكبه اللاعب محفورة في ذاكرته إلى الأبد. لكن مشاركة هذا الخطأ وما يصاحبه من ألم نفسي يمكن أن توفر راحة فورية، فضلًا عن مساعدته على تقبل ما حدث على المدى الطويل، بحيث لا تعود الذكرى كلما ظهرت في ذهنه سببًا للمعاناة أو التشتيت. ومع تكرار الحديث عن التجربة، تزداد قدرة الشخص على تقبلها.


ويصف أوديل هذا النوع من التعامل الذهني بأنه «المرونة النفسية»، وهي، وفق تعريف ستيفن سي. هايز، أحد أبرز مؤسسي «العلاج بالقبول والالتزام»، «القدرة على التواصل الكامل مع اللحظة الراهنة دون دفاعات غير ضرورية، والاستمرار في خدمة القيم التي اختارها الشخص».


ويتيح تحمل المشكلة من خلال مشاركتها بصورة صريحة مع المدرب أو زميل الفريق أو أحد الوالدين تحقيق قدر أكبر من المرونة النفسية، بما يشمل تخفيف العبء الذهني وإجراء تعديلات تساعد على تحسين اللعب والأداء.

 


شارك المشكلة وتحمل مسؤوليتها وحافظ على مرونتك


يخلص الكاتب إلى أن مشاركة المشكلة وتحمل مسؤوليتها يمكن أن يشكلا مدخلًا للتعامل معها بمرونة بدلًا من الوقوع في دائرة الإنكار أو اللوم أو الاستغراق في التفكير.


ولا يعني الاعتراف بالمشكلة أن الشخص يتحمل اللوم عن الظروف التي أدت إليها، وإنما يعني إدراك أنه مسؤول عن اختيار الاستجابة المناسبة لها. وفي المجال الرياضي، قد يعني ذلك الاعتراف بخطأ في الأداء، أو الاعتذار عن سلوك أضر بزميل، أو الحديث مع المدرب عن صعوبة تؤثر في مستوى اللاعب.


ويرى أوديل أن مشاركة المشكلة تمنح الشخص فرصة للتعامل معها بدلًا من السماح لها بالتحول إلى عبء نفسي مستمر. فبدلًا من محاولة طرد الأفكار والمشاعر المزعجة، يتيح القبول التعامل معها باعتبارها جزءًا من التجربة، ثم اختيار السلوك الذي يتوافق مع القيم والأهداف التي يسعى إليها الشخص.


وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الرياضة، حيث تتكرر الأخطاء والخسائر والضغوط، ولا يمكن للاعب أن يتجنب جميع التجارب السلبية. لكن القدرة على ملاحظة ما يحدث، والاعتراف بالمشاعر المصاحبة له، ومشاركة المشكلة مع شخص موثوق، ثم اتخاذ خطوة عملية للتعامل معها، يمكن أن تساعد في الحد من آثارها النفسية وتحسين الأداء.


وبذلك، فإن «مشاركة المشكلة» لا تقدم مجرد راحة عاطفية مؤقتة، بل يمكن أن تصبح وسيلة للتعلم وتحمل المسؤولية وإجراء تعديلات سلوكية، بما يسمح للشخص بالمضي قدمًا بدلًا من البقاء عالقًا في تجربة مؤلمة.


وكما يلخص أوديل الفكرة في نهاية مقاله: المشكلة التي نتشاركها تصبح نصف مشكلة.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/sport-between-the-ears/202609/learning-to-flexibly-respond-to-performance-difficulties